منتدى فريق جيني بوجدور
شكرا على زيارتكم

منتدى فريق جيني بوجدور

التربية والتعليم
 
الرئيسيةالتسجيلدخول
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
» ما هو الكوتيزون ؟
الثلاثاء 11 سبتمبر 2012, 3:24 am من طرف أبوعمر

» الإنسان كلٌ واحد: رؤية تكاملية للمنهج
السبت 04 أغسطس 2012, 11:57 am من طرف سعاد

» كيفية التعامل مع المراهقين
السبت 04 أغسطس 2012, 9:57 am من طرف سعاد

» كيف نتعامل مع الطفل العصبي ؟
السبت 04 أغسطس 2012, 9:50 am من طرف سعاد

» دروس في مادة الرياضيات
الجمعة 24 فبراير 2012, 12:01 pm من طرف islam fajr

» مصوغات برنامج التكوين جيني مساهمة الأستاذ hssini
الجمعة 13 مايو 2011, 9:55 am من طرف naimamz

» إنجازات عمر بن الخطاب الحضارية رضي الله عنه (نقلا عن موقع ينابيع التربوية )
الثلاثاء 22 مارس 2011, 4:51 pm من طرف JAMAL

» موقع مدرسة النهضة بوجدور
الثلاثاء 22 مارس 2011, 4:08 pm من طرف JAMAL

» دعاء مستجاب إنشاء الله
الثلاثاء 22 مارس 2011, 12:48 pm من طرف JAMAL

المواضيع الأخيرة
» ما هو الكوتيزون ؟
الثلاثاء 11 سبتمبر 2012, 3:24 am من طرف أبوعمر

» الإنسان كلٌ واحد: رؤية تكاملية للمنهج
السبت 04 أغسطس 2012, 11:57 am من طرف سعاد

» كيفية التعامل مع المراهقين
السبت 04 أغسطس 2012, 9:57 am من طرف سعاد

» كيف نتعامل مع الطفل العصبي ؟
السبت 04 أغسطس 2012, 9:50 am من طرف سعاد

» دروس في مادة الرياضيات
الجمعة 24 فبراير 2012, 12:01 pm من طرف islam fajr

» مصوغات برنامج التكوين جيني مساهمة الأستاذ hssini
الجمعة 13 مايو 2011, 9:55 am من طرف naimamz

» إنجازات عمر بن الخطاب الحضارية رضي الله عنه (نقلا عن موقع ينابيع التربوية )
الثلاثاء 22 مارس 2011, 4:51 pm من طرف JAMAL

» موقع مدرسة النهضة بوجدور
الثلاثاء 22 مارس 2011, 4:08 pm من طرف JAMAL

» دعاء مستجاب إنشاء الله
الثلاثاء 22 مارس 2011, 12:48 pm من طرف JAMAL

ازرار التصفُّح
 البوابة
 الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 بحـث
ازرار التصفُّح
 البوابة
 الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 بحـث
منتدى
منتدى
التبادل الاعلاني
التبادل الاعلاني

شاطر | 
 

 مدنُ الذاكرةِ الجريحِةُ قراءة في كتابات سيرية لإدوارد سعيد وعبد الرحمن منيف وقاسم حداد

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عنقاء



عدد المساهمات : 17
تاريخ التسجيل : 16/12/2010

مُساهمةموضوع: مدنُ الذاكرةِ الجريحِةُ قراءة في كتابات سيرية لإدوارد سعيد وعبد الرحمن منيف وقاسم حداد   الأحد 30 يناير 2011, 3:26 am

مدنُ الذاكرةِ الجريحِةُ
قراءة في كتابات سيرية لإدوارد سعيد وعبد الرحمن منيف وقاسم حداد
مقدمات :
1- كان بودي أن تكون هذه المحاضرة عن قرى الكتابة وليس عن مدنها . فأنا لم أعرف المدينة إلا في الرابعة عشرة من عمري . وحينما غادرت " قرية الغرباء" بمنطقة الباحة إلى الرياض للدراسة وجدت مدينة جافة قاسية كان لابد من تحمل مشقات الحياة فيها أملاً في طموحات تشبه الأوهام الجميلة في كثير من وجوهها .
تغيرت صورة المدينة في ذهني حينما سافرت إلى باريس مطلع الثمانينيات وأقمت فيها عشر سنوات تعلماً وعملاً وحياة . فهذه المدنية الكوزموبوليتية كبيرة جداً ، ولا تخلو من الضوضاء والازدحام والتلوث والغلاء الفادح كأي حاضرة كونية حديثة . لكن باريس تظل مدنيةً جميلةً أنيقةً غنيةً كريمةً تتيح لساكنها المقيم أو العابر فرصاً لا تحد ليتوهم ويصدق أنه يعيش كل لحظة وكل يوم كما يرى ويريد . لم يكن توفيق الحكيم مخطئاً وهو يسمي حياته في عاصمة الأنوار " زهرة العمر" . ولم يكن أحمد أبو دهمان مبالغاً وهو يؤكد في مطلع "الحزام" أن باريس أعانته على إعادة اكتشاف ذاته وقريته ليتعلق بهما ويكتب عنهما بمحبة لا يشوبها أي نفور من الآخر والعالم .
المدن العربية كان من المفترض أن تكون أكثر جمالاً وحميميةً مما هي عليه اليوم ، خاصة وأن بعضها أحدث في الزمن أو أعرق في تاريخ الحضارة من باريس ! . لكن هذه المدن ظلت " بلا قلب" لأن كل عمرانها يبدو كما لو كان يعمل لصالح ذوي النفوذ والسلطان وضد الإنسان بمعنى ما . لقد لاحظ أدونيس وهو يكتب عن "بيروت" منذ حوالي العام أن علاقات عنفٍ ما تخترق كل مستويات الحياة فيها ، وذهب إدوارد سعيد إلى أن مسحة الكآبة ومظاهر ثقل الحياة في المدن العربية بعامة يعود في جزء أساسي منه إلى قوة حضور السلطة الاستبدادية فيها . ومع ظاهرة العنف الديني الأعمى في السنوات الأخيرة تبدو مدننا وكأنها تسير وتأخذنا معها إلى المزيد من علاقات التوحش والعنف ! . هنا تحديداً ينطرح الشق الأول من التساؤل الذي تنبني عليه هذه المقاربة : هل يمكن لأحدنا اليوم أن يتحدث أو يكتب عن مدنيته دونما قلق أو خوف ؟ ! .
2- إذا كانت الكتابة عن المدنية العربية محفوفة بالمشقات والمخاطر فإن الكتابة عن الذات الفردية الحرة المستقلة مغامرة لا أقل صعوبة . فالأعراف والتقاليد ومنظومات القيم التقليدية السائدة في مجتمعاتنا لا تزال تحاصر هذه الذات كما لو أن الكائن الإنساني مجرد خلية وظيفية في جسد جماعي كبير . هكذا تصبح الكتابة المثلى عن الذات هي التي تنزع إلى تنميط الشخص وقولبة أفكاره وقمع مشاعره ومحو رغباته وحاجاته الأكثر سويةً وحميميةً . أما حين تتجه الكتابة إلى إبراز الاختلافات والخصوصيات التي تفرّد الشخص وتؤنسنه فإنها تصبح موضع شك ورمز عقوق وخطر ينبغي مراقبته ، وربما معاقبته باسم سلطة العائلة أو الوطن أو الأمة ببعديها القومي والديني . لهذا السبب نادراً ما نجد في أدبنا القديم أو الحديث كتابات تحتفي بالذات الفردية وتعبر عن قلقها وشكها ومغامراتها الذهنية والعاطفية بحرية لا يحدها سوى قوانين الكتابة الخلاقة ذاتها ، وكما يتملثها الكاتب ويستطيع تمثيلها لحظة الكتابة . لقد توسعت بعض الشيء في عرض هذه الاشكالية في المقدمة التي كتبتها لمجلد السيرة الذاتية من "موسوعة الأدب العربي السعودي الحديث" التي صدرت في عشرة أجزاء منذ أعوام (الرياض ، دار المفردات للنشر والتوزيع ، 2001م ) ولذا أحيل إليها وإلى دراسات حديثة جادة في الموضوع نفسه . فالقصد من التذكير بقضية كهذه هنا هو طرح الشق الثاني من التساؤل الذي يحدد الفرضية العامة لهذه القراءة وهو كالتالي : هل يستطيع الكاتب العربي اليوم أن يكتب عن ذاته كما يرى ويريد ويستطيع ؟ .
3- التساؤل المزدوج أعلاه يطال ، ولابد ، القراءة الراهنة . فإذا كانت كتابات إ.سعيد وعبد الرحمن منيف وقاسم حداد هي مغامرات متفردة خلاقة باتجاه الكتابة الحرة الجريئة عن الذات ومدينتها ، فإن قراءتها من المنظور ذاته هي تحد معرفي وأخلاقي لابد لنا من مجابهته . عدم الوعي بهذه القضية سيفضي بالقراءة إلى مصيرين أحدهما أسـوأ من الآخر : الثرثرة العابثة ، أو الوقوع في دائرة خطاب السلطات السائدة التي لا تمل من مديح ذاتها وإنجازاتها! . الكتابة الخلاقة تتطلب قراءة حوارية تتعاطف معها وتكشف ، من ثمَّ ، عن تنوع أصواتها واتساع آفاقها وسمو منطلقاتها ومقاصدها . بصيغة أخرى نقول إن أي قراءة نقدية لنصوص مثل "خارج المكان" و"سيرة مدينة" و" ورشة الأمل" لا تكتسب مشروعيتها المعرفية وصدقيتها الأخلاقية إلا بقدر ما تنجح في إبراز سمات التفرد في النص من المنظورين الجمالي والفكري . فلسنا نريد قراءة ملامح الذات في مرايا باريس أو قرطبة وإنما في مرايا هذه النصوص التي تعدنا بمشاهد فاتنة عن مرحلة الطفولة حيث يطيب للكائن البرئ أن يلعب بكل شيء ومع كل أحد . وحينما تستعيد الكتابة مشاهد كهذه في مرحلة متقدمة من العمر والتجربة لا تلبث تجارب الطفولة وحكاياتها أن تخفف من مأساوية الموقف ولوعة الفقد لأنها تضفي على النص في مجمله الكثير من جماليات البراءة والخفة والمرح وكأن اللغة المثقفة العارفة هي لغة الكاتب الراشد ولغة الطفل المخبأ فيه في اللحظة ذاتها .
مفاهيم :
تنتمي كل نصوص السير الذاتية إلى فن التخييل الذاتي Autofiction الذي تعده السرديات الحديثة فرعاً من فن التخييل Fiction بشكل عام . لكن الكتابة حينما تباشرها ذات عاشقة للغة ، واعية بشروط الكتابة لا تعود مجرد تدوين وتوثيق لتجارب الماضي . فالمواد المخزونة في إرشيف الذاكرة تصبح كالمادة الخام التي يحاول الكاتب تحويلها إلى كينونة جمالية تشع بالمعاني الحية والدلالات الحرة التي تستعيد الماضي في الراهن لتنطلق إلى المستقبل وتضيء الطـريق إليه . لسنا هنا في مقام المبالغات المجانية ، لأن كتابنا هؤلاء ممن يجمع بين شخصية الفنان المبدع وشخصية المثقف القوي الحضور والأثر داخل مجتمعاتنا وخارجها . إ. سعيد موسيقى بارع وناقد مرهف لنصـوص الموسيقى والأدب والفكر ، وعبد الرحمن منيف روائي متميز ومحاور بارع للفنون التشكيلية ، وقاسم حداد شاعر مفتون حد العشق باللغة الشعرية والفكر الشعري حتى إن كل ما كتبه وكل ما سيكتبه هو إما شعر ماثل أو شعر وشيك .
لا غرابة بعدئذ أن تكون الكتابة عن ماضي الشخص ومدنيته شكلاً من أشكال الحوار المعمق مع ذاكرة متعددة الوجوه متسعة المدى تعمل الكتابة على إبراز مختلف أبعادها كما لو كانت فضاءً مفتوحاً على ما يدهش الكاتب قبل غيره فذاكرة الشخص عادة ما تطل على ذاكرة الجسد الذي لا ينسى كما يقول فرويد ، وهذه وتلك لابد أنهما تطلان على الذاكرة الأعم والأهم ، أي الذاكرة الجماعية التي تمتد بعيداً في مجهولات الزمن ، وقد نسميها " المخيال الجماعي" . أما الرابط بين هذه الذاكرات فلا شك أنه لغة الكتابة التي توقظها وتنصت لأصواتها وتحاول التنسيق فيما بينها بأقصى قدر ممكن من الانسجام والتوازن والتناغم . هناك إذن فروق دقيقة وجوهرية بين كتابة نمطية تجمد الحياة في النص حتى لكانه شهادة متأخرة على موت مبكر للذات ، وهذه الكتابة التي تعيد الحيوية لكل مشهد ولكل خبرة ولكل علاقة حتى لكأنها شهادة دائمة على قدرة المبدع على الحضور الخلاق المتجدد في حياته ومن بعد مماته .
السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو سؤال إجرائي مركب : كيف كتب كل من هؤلاء المبدعين وماذا كتب ولماذا ؟ .هذا ما سننتقل إلى مناقشته دونما توهم بتقصي كل الأبعاد الفكرية والجمالية لنصوص غنية كريمة كهذه . إن مشاعر الهيبة تطغى على الناقد وهو يقرأ نصاً واحداً لأحدهم فما بالك بقراءتها معاً في محاضرة مختزلة كهذه . لا مجال إذاً لغير التأكيد على أننا سنحاور هذه النصوص بما تستحقه من الجدية والتعاطف والمحبة ، وهذه سمات أساسية في أي قراءة حوارية كهذه .
حكاية الذات ضد الحكاية العائلية :
سأبدأ بـ "خارج المكان" لإدوارد سعيد الذي يعد من ألمع مثقفي النصف الثاني من القرن العشرين كما نعلم . فأطروحاته في مجال النظرية النقدية ما بعد البنيوية ، وفي مجال الفكر الإنساني ما بعد الكولونيالي ببعديه الفلسفي المجرد والسياسي العملي كانت تثير جدلاً خصيباً ستتصل حلقاته مستقبلاً دونما شك . لقد كُتب الكثير عن هذه الشخصية التي عرفت كيف توازن بين انتمائها الإنساني الكوني العام وانتماءاتها الوطنية والقومية والحضارية الخاصة لتكتسب مكانةً رمزية عالية في هذه المستويات كلها وفي الوقت نفسه . لكننا نزعم أن قراءة هذا العمل السيري الذي يتحدث فيه الكاتب عن ماضي حياته الشخصية الحميمية برؤية نقدية جرئية وعميقة لم يعد من الممكن الاستغناء عنها لكل من يريد محاورة مجمل إنجازاته بما تستحقه من الجدية .
يكتب الخطيبي في مستهل سيرته الشهيرة بعنوان : " الذاكرة الموشومة" : (لقد طلقت النادرة والخبر وسلطت نظري على المواضيع الفلسفية المحببة لدى : الهوية والغيرية ، الكينونة والصحراء ، الصورة الكاذبة عن الأصل ، الجرح القدري بين الشرق والغرب . وفي مقدمة المشهد "التاريخي" قضية السيطرة والاستعمار ـ ص8 ـ ) .
هذا القول ذاته ينطبق على إ.سعيد مع الفرق أن الأخير لم يفرط في شيء من الأخبار والنوادر الطريفة ومن الحكايات الأكثر سرية وحميمية ، حد أن أحد أصدقائه ممن قرأ المخطوطة الأصيلة أشار عليه بحذف مشاهد لا ينبغي كشفها إلا لطبيب نفسي كما يشير إليه الكاتب في المقدمة (ص12) . أما حينما نقارن بين أسلوبي الكتابة لدى هذين المبدعين المفكرين فسنلاحظ أن إ. سعيد ينحاز إلى لغة سردية تجمع بين شفافية التعبير ورهافة التحليل ونبرة المفارقات الساخرة ليتجه النص إلى أوسع فئة من القراء وليس إلى قارئ نموذجي ينتخب من وسط ثقافي ضيق . لقد ظل الكاتب يلح دائماً على أن الأدب والنقد والفكر والفن هي منتوجات ثقافية بشرية دينوية يفترض أن تنشغل بقضايا الإنسان في أبسط وأعمق مظاهر حياته اليومية ، وهذا التوجه "الديمقراطي" هو ما يتحقق عملياً في هذه الكتابة الحميمية والغنية بشكل استثنائي . فاستراتيجية الكتابة كلها تتحدد منذ بداية النص حيث يصرح الكاتب بأنه قرر الكتابة عن ذاته بُعيد أن أخبر عن إصابته بسرطان الدم ولذا كان لابد من إعادة تشكيل حكاية حياته الخاصة كما يراها هو لا كما أراده الآخرون له ولها. وإذا كان قد خضع في طفولته وبعض شبابه لـ " الرواية العائلية " فإنه تمكن لاحقاً من بناء روايته الخاصة بشكل مختلف ، وها هو يوجه كتابته لإبراز هذا"الاختلاف" فيما بين الروايتين . القراءة مطالبة إذن بأخذ هذا المفهوم في أوسع دلالته ليشمل التباعد والمقابلة والمعارضة والتضاد بل وحتى التناقض . لماذا ؟ لأن مرجعية الاختلاف عند كاتب مثل إ. سعيد منفتحة ولابد على أفق فكر الاختلاف الحديث الذي قرأه جيداً وحاوره مطولاً وشارك في إغنائه وتطويره بالكثير من الأطروحات كما أشرنا إليه من قبل .
كل عائلة تركب لذاتها حكاية خاصة ، وعادة ما تحاول نقلها أو فرضها على الأبناء حتى يصبح لكل منهم دور محدد ووظيفة معينة سلفاً ضمن شبكة العلاقات فيما بين الشخوص داخل هذه الجماعة القرابية الصغيرة ، ومن ثم فيما بينهم وبين العالم من حولهم . وإذا كانت الأسر والمجتمعات القومية لا تستطيع الاستغناء عن حكاية ما تحدد لها معاني وجودها ومنظومات معارفها وقيمها الرمزية والعملية ، فإن الحكايات كلها مشـروعة من حيث المبـدأ . السؤال الأهم يتعلق إذن بعناصر الحكاية وبكيفية تركيبها والتأليف بينها وبين حكايات أخرى لتحقيق أهداف معينة في حياة الإنسان.
هنا تحديداً يصرح الكاتب ، وبنبرة تجمع بين الصرامة والسخرية ، بأن حكايته العائلية لم تكن جيدة مقنعة إلا في أضيق الحدود ، لأن عناصرها متنافرة ولأن طريقة جمعها والتأليف بينها كانت تتم بكثير من التعسف الذي قد يبلغ حد العنف . السبب الأهم في هذا كله هو الأب في سياق اجتماعي ثقافي يرفع هذه الشخصية إلى مرتبة "السيد" أو "الرب" كما لا يخفي على الكاتب . فهذا الأب كان قد غادر القدس إلى أمريكا قبيل الحرب العالمية الأولى ، وهناك تعلم الإنجليزية وتمثل قيم الطموح والنجاح الفردي ، وحصل على الجنسية الأمريكية ، وكل هذه مؤشرات دالة على إعجاب شديد بثقافة وهوية جديدتين بالنسبة له . لكن ثقافته التقليدية سرعان ما دفعته للعودة إلى أسرته الفلسطينية ليتزوج من قريبةٍ له لم يكن بينه وبينها أي علاقات محبة أو تعاطف حتى لكان الأمر يتعلق بصفقة تجارية عقدها مع الأم على غير هوى أو إرادة من فتاة يتيمة كانت سعيدة كل السعادة بمواصلة تعليمها في بيروت . حينما انتقلت الأسرة الصغيرة إلى القاهرة بدأت التناقضات تبرز لتتجه الحكاية إلى مصائر مأساوية في مجملها . فالقاهرة مدينة كولونيالية تابعة لبريطانيا آنذاك ، وفيها سيحقق الأب التاجر نجاحات باهرة عززت فيه نزعات تسلطية مقرونة بحب التملك وبرودة العواطف الإنسانية . أما الأم فتبدو شخصية ضعيفة طيبة مغتربة ، ولذا ستكون ضحية مزدوجة لرجل صارم صامت يكبرها بعشرين عاماً ولوضعية الغربة ضمن وسط اجتماعي ضيق محكوم هو نفسه بعلاقات التبعية للأجنبي الغربي المحتل . صورة القاهرة عندها هي إذن النقيض الكلي لصورة بيروت التي عاشت فيها ثلاث سنوات وتعلقت بها كفضاء فردوسي ظلت لاحقاً تصر على الحياة فيه إلى أن ماتت .هذا بعكس وضعية الأب الذي كان يكره القدس والمدن الفلسطينية الأخرى لأنها تذكره بالموت كما يقول ، أما القاهرة فهي فضاء عمل يحبه لما يحققه فيه من مكاسب مادية وليس لأنه متعلق به أو متعاطف مع سكانه الأصليين وثقافته الأصلية ، والتي هي ثقافته الأصلية هو أيضاً في العمق!. لم تكن مواقفة الذهنية والعاطفية هذه تختلف عن مواقف أبناء الأقليات المشرقية التي تعتمد في حياتها على الأجنبي المسيطر ، وعادة ما يشعر أفرادها بالدونية تجاهه وبالفوقية والاستعلاء تجاه السكان الأصليين. وإذا كان الكاتب يحرص على إبراز هذه الوضعيات والمفارقات فما ذلك إلا لأنه عانى آثارها في طفولته والتزم بكشفها وفضحها لاحقاً كجزء من مشاركته الفعالة في نقد الخطابات الاستشراقية والكولونيالية والإمبريالية .
المعاناة بدأت مع اسمه المركب من اسم إنجليزي أرستقراطي واسم عربي شعبي فكان مثار الاستغراب والتندر وسوء الفهم ، ولذا كرهه طفلاً وكشف مفارقاته كبيراً . فإدوارد اسم اجنبي غريب ثقيل ، واختياره من قبل الوالدين دليل إعجاب ساذج وانتهازي بملك بريطانيا التي كانت تتحكم في شؤون مصر وتوجه مصير فلسطين وأهلها إلى كارثة حقيقية ستعاني وطأتها أجيال وأجيال كما لم يعد يخفى على الكاتب وقرائه . أما الاسم الأليف الخفيف " سعيد" فلم يكن يحيل إلى شخص معروف من شجرة العائلة مما يدل على أنه قد تم اختلاقه كيفما اتفق من قبل الأب " وديع" الذي لم يكن وديعاً حتى مع الأسماء ! .
فالاسم عادة ما يحدد شخصية الشخص ويعين هويته ، ولا شك أن اسماً كهذا الاسم المركب المفتعل شوش هوية الطفل وأربك تصوراته عن ذاته حتى إنه كان يشعر حتى لحظة الكتابة بأنه "نير ثقيل" يطوق رقبته (ص 25) .
حكاية الكاتب مع اللغة ليست أقل توتراً وتشوشاً لأنه ظل لا يعرف ما هي لغته الأصلية ، وما إذا كان قد عبر عن ذاته أولاً بالعربية أو بالإنجليزية . بل إن عنف اللغة الأجنبية سيظهر في المدرسة الكولونيالية حيث كان ممنوعاً على الطلاب الأطفال أمثاله أن يتحدثوا بغير الإنجليزية ، لغة المؤسسة والثقـافة المهيمنة ، وفي وسط بيئي واجتماعي عربي مشرقي ! . فتعليم الطفل لغات أجنبية لا يكون حميداً إلا حينما تكون لغة الذات ، اللغة الأم ، قوية ومحترمة ، وهذا ما لم يتحقق للكاتب وإن حرص تالياً على تعلم العربية بشكل جدي . إنها صيغة أخرى للقول بأن إ.سعيد كان يشعر منذ طفولته بأنه يعيش ، بمعنى ما ، خارج الاسم وخارج اللغة وليس خارج المكان فحسب .
في مقاربة سابقة عن دور الجسد في بناء الوعي بالذات شاركنا بها في العدد الذي خصصته مجلة "فصول" لإدوارد سعيد توقفنا مطولاً عند اعتماد الكاتب منذ فترة مبكرة من حياته على طاقات جسده الخاص للتعبير عن ذاته العميقة في أصعب المواقف التي عادة ما تكون فيها شخصية الفردة ، وحياته ربما ، على المحك . فالحماية المفرطة من جهة الأم لابنها الذكر الوحيد ، والحرص المفرط من جهة الأب على قولبة جسد ابنه كما لو كان دمية أو مادة ميتة ، ثم تلك المراقبة الهوسية للشخص وجسده خلال مرحلة المراهقة ، هي أخبار وأحداث لا يتذكرها الكاتب إلا بمزيج من المرارة والسخرية التي تخفف من وطأة الألم الذي تجاوزته ذاكرة الشخص دون ذاكرة الجسد . نعم ، لقد كان يعيش إ. سعيد خارج جسده أو بعيداً عنه ، ولذا لم يكن يعبأ براحته أو يحرص على امتاعه والتمتع بالحياة فيه وعبره بعد أن كرست له تربيته هذه صورة سلبية في ذهنه تشوه شكله وتنفر من رغباته وحاجاته الأكثر سوية وحميمية .هكذا ظل لا يتذكر قاهرة الطفولة إلا كفضاءات ضيقة مغلقة تراقبها سلطة العائلة أو سلطة المدرسة ، لأن الفضاءات المفتوحة التي كان يعشق الخروج إليها والتسكع الحر فيها كانت تصور له كأماكن ضياع وفساد وخطر ! . حينما أمضى فترة طويلة نسبياً في القدس وصفد والناصرة خلال الحرب الثانية أتيحت له فرصة لإشباع رغباته في الخروج واللعب مع أترابه دونما مراقبة صارمة من أحد لأن اهتمام الجميع تمركز حول الأب الذي أنهار عصبياً خوفاً على مصير تجارته . لهذا السبب يتذكر هذه الفضاءات ويكتب عنها بمزيج من مشاعر السعادة والحنين من جهة ومشاعر الحزن ومرارة الفقد من جهة أخرى . فهذه الأماكن الحميمية كانت خلاصاً واقعياً من حياة العزلة والتوتر في القاهرة ، وهي ذاتها أصبحت لاحقاً جزءاً من وطن سلب من أهله ، وشرد سكانه أو قتلوا فيه ، أي أن ملايين من البشر الفلسطينيين عاشوا وماتوا مثله في غير أماكنهم الأكثر حميمية ، ومن بقي فيها بقي محاصراً مضطهداً .هذه الوضعية التراجيدية ـ الملحمية تبلغ ذروة دلالاتها في ذلك المقطع الذي يتمني فيه الكاتب أن يهيم على وجهه في نيويورك حتى لحظة الموت الوشيك (ص357) فالموقف هو نتاج سيرورة نفي واقتلاع وتغرب بدأت منذ الطفولة ، ولم تخفف كل النجاحات العملية للكاتب فناناً وناقداً ومفكراً لامعاً من وقعها ، وهو من قال بأن "المنفى والسعادة لا يلتقيان" . وإذا كان قد حرص على إعادة تدوين حكايته الشخصية من وجهة نظره الخاصة فما ذلك إلا مساهمة منه في كشف وإدانة كل الحكايات التي تقمع الفرد وتستلب حقوق الإنسان والشعوب باسم أفكار مغلوطة وشعارات خادعة ومصالح أنانية عابرة . الحكاية العائلية من هذا المنظور هي جزء من الحكاية الاستعمارية ، أما حكاية الذات فهي جزء من حكاية المقاومة والتحرر . إنها حكاية فلسطينية بامتياز كتبت بلغة أجنبية عالمية ، وهي فوق ذلك حكاية إنسانية مرشحة للانتشار والتداول في سياقات ثقافية كونية بفضل جمالها وجرأتها ، وبفضل شهرة كاتبها ومكانته الرمزية العالية في أمريكا وخارجها . هذا البعد الدلالي ـ الوظيفي للنص هو الأعمق والأهم في اعتقادنا ، وليس من قبيل الصدفة أنه تعرض لهجوم هستيري حاد من قبل الصهاينة والمناصرين لإسرائيل حتى قبل صدوره . فأي نص فردي أو جماعي فلسطيني هو طرف في الصراع على الفضاء ذاته.أما الكاتب فلابد أنه كان يتوقع مثل هذا الهجوم لأنه قد تعود عليه منذ أن خالف وصايا الأب والأم فنذر نفسه للقضية الفلسطينية باعتبارها قضية شخصية ووطنية وقومية وإنسانية في الوقت نفسه.لقد تحرر من سلطة الخوف ومن كل سلطة فكتب هذا النص ، وغيره ، ولسان حاله يردد مع سميح القاسم :
أنا فاقد وطناً فما ـ خوفي على فقدان زهرة ـ
لا شك أن في الحكاية ما يستحق العودة إليه تالياً ، أما الآن فلابد من الانتقال إلى حكاية ذات أخرى عن مدينة أخرى تطل من ذاكرة لا أقل تراجيدية ونبلاً ومن كتابة لا أقل غنى وجمالاً .
طفولة بين حربين :
حينما ننتقل إلى حكايات الطفولة التي عاشها عبد الرحمن منيف في مدينة عمان خلال عقد الأربعينيات من القرن الماضي ، ربما تحضر في أذهاننا مقولة أبي حيان التوحيدي : " أغرب الغرباء من عاش غريباً في وطنه" . وهي تحضر أو تستحضر لعلمنا أن هذا الكاتب عانى تجربة النفي داخل الفضاء العربي أكثر مما عاناه خارجه . ولعل غياب الفضاءات المرجعية في رواياته قبل " مدن الملح " و"أرض السّواد" يعود في جزء منه إلى تخلخل مفهوم الفضاء في وعيه من جهة وعلى تراجيدية علاقات الذات بكل فضاء أقامت فيه ورحلت عنه من جهة أخرى . إنه هو أيضاً عاش ومات في غير مكانه بمعنى ما ، ونزعم أن "سيرة مدينة" تلقي أضواء كاشفة على هذه القضية إذ أننا أمام النص الحميمي الوحيد الذي كتبه عبد الرحمن منيف، ليس عن حياته بل عن جزء بسيط منها في عمان .
حينما نقرأ النص في مجمله سنلاحظ حضوراً طاغياً للأماكن يقابله حضور ضعيف للذات حتى في أكثر الفضاءات حميمية كالمنزل العائلي . السبب المباشر الظاهر لهذه المفارقة أن الجذر التكويني للنص هو محاضرة ألقاها الكاتب عن مدينة عمان (مركز عبد الحميد شومان ، عام 1992م) ، ثم شهادة قدمها في الجامعة الأردنية ضمن ندوة (عمان : المدينة والمجتمع ؟) . لكن تحويل هذه المواد المعرفية إلى جزء من نص عن سيرة الذات في المدينة ذاتها أوقف الكاتب في موقف التساؤل الذي عادة ما تطرحه أي كتابة خلاقة على كاتبها ومتلقيها . هكذا بدأ مقدمته بتنبيه القارئ إلى قضايا أساسية مثل علاقة الواقعي بالمتخيل ، وتعلق الحديث عن المدينة بالحديث عن حياة البشر فيها ، وفجوات الكتابة التي يتعين على القارئ التنبه لها ومحاولة ملئها .. الخ (ص6-7) . أما المبرر الأهم لتساؤلات كهذه فهو أن الكاتب روائي ألف الكتابة السردية المتخيلة الحرة وكان من الصعب ، إن لم يكن من المحال ، أن يكتب النص الراهن دون أثر قوي للكتابة الروائية التي أصبحت مجال خبرته وعلامة تميزه .
بناءً على هذه الملاحظات يمكننا تحديد استراتيجية الكتابة هنا ضمن إطار الرؤية التراجيدية التي يحولها الكاتب إلى بداية وخاتمة للنص ، ولابد أن هذه الرؤية عميقة في حياة الكاتب وكتابته بشكل عام كما سيلاحظ . ففي بداية عقد الاربعينيات كانت آثار الحرب العالمية الثانية تعصف بالبشر وتحور علاقاتهم في مدينة أشبه ما تكون بالبلدة الصغيرة الفقيرة التي تعيش على الزراعة ، وعلى ما يتبادل في أسواقها من منتوجات الجماعات الريفية والبدوية ، ومن سلع بسيطة يجلبها التجار القادمين من دمشق ومن نابلس خصوصاً . أما نهاية العقد فالمدينة وأهلها كانوا يعانون آثار حرب قريبة منهم حد أنهم يشعرون بأنهم طرف فيها ، وهي حرب "النكبة" عام 1948م ، التي دارت في فلسطين وأقحمت المنطقة كلها في صراع لا نزال شهوداً عليه وطرفاً فيه وضحايا له في الوقت نفسه . البعد التراجيدي للحدث التاريخي العام يتعزز من منظور الحدث السردي الخاص . فالنص يستهل بخبر موت الملك غازي اغتيالاً في بغداد ، ويختتم بخبر موت جدة الراوي الكاتب في بغداد ذاتها ، وقد عادت إليها بعد إقامة طويلة نسبياً مع ابنتها في عمان ولحق بها حفيدها لمواصلة دراسته الثانوية ليشارك في جنازتها بعد وصوله بفترة قصيرة !.
كل شيء في نص يتموضع بين حربين كارثيتين وموتين فاجعين يتوقع أن يكون تراجيدياً بامتياز . لكن الكتابة تكسر هذا التوقع أو تخفف منه حتى إن الحدث التراجيدي لا يحضر إلا كخلفية عامة تسمح لنا بتوسيع دوائر تأويله دون أن تفسد المتعة التي يولدها فينا نص غني كل الغني بالأحداث والمشاهد والحكايات. فالكاتب ما إن يحاور الطفل الذي كانه وأعادته إليه لعبة الكتابة السيرية حتى يتخلى عن تلك الرؤية التراجيدية التي لا يحبها ولا يحسنها الأطفال لحسن الحظ . هكذا لا يستعيد التجارب الماضية كمعلومات وأخبار محفوظة في إرشيف الذاكرة بقدر ما يعيد تشكيلها كمشاهد غنية ملونة مرحة طافحة بالحيوية وبالمشاعر الإنسانية المشخصة كما في أي عمل روائي متميز .هي إذن كتابة خلاقة تجمع بين صدقية التسجيل والتوثيق وبين مهارة الفن إذ تتجلى في تنويع اختيار زوايا النظر وبناء المواقف وإبراز سمات التفرد في الشخوص حتى لكأننا أمام لوحات تشكيلية واقعية فاتنة أو أمام لقطات في فيلم توثيقي غاية في الإتقان والرهافة والتعاطف مع موضوعه .
ومما يعزز هذه الأبعاد الجمالية في النص أن لغة الكاتب مليئة بالتعبيرات التي لا تشخص الذات بقدر ما تشخص الآخرين إذ تبرز الاختلافات فيما بينهم بحيث يمثلون المجتمع بكل فئاته وأطيافه . لقد ذهب باختين إلى أن الروائي المتميز أصبح يتحدد أكثر ما يتحدد بمدى قدرته على الانصات لأصوات المجتمع وتمثل خطاباته ومن ثم تشخيصها وتجسيدها في نماذج روائية لكل منها حضوره الخاص المشروع مهما كان دوره الوظيفي بسيطاً أو عابراً في الحدث وفي شبكة العلاقات التي تتشكل حوله . وهذه السمات الحوارية تتحقق في هذا النص السيري كما في الرواية ، ولذا فهي دليل أكيد على تطور الوعي بشروط الكتابة لدى عبد الرحمن منيف أياً كان شكلها السردي وجنسها الأدبي .

أنسنة المكان :
أشرنا من قبل إلى أن "سيرة مدينة " هو نص الفضاءات المتنوعة الحيوية بامتياز . فالأمكنة التي تتشكل منها البنية السيميائية العامة للفضاء غنية كل الغنى بدلالاتها الاجتماعية والتاريخية والاقتصادية والايديولوجية والميثولوجية ، ولغة الكتابة هي المصدر الأول والأهم لهذا الغنى الدلالي . فهذه اللغة التي تشخص النماذج البشرية بدراية عالية وبحساسية مرهفة عميقة هي ذاتها التي تؤنسن المكان من خلال تنويع كلام الشخوص فيه وعنه وليس من خلال ما يقوله الكاتب فحسب . هذا ما يعبر عنه الكاتب في المقدمة بقوله : " المكان في حالات كثيرة ليس حيزاً جغرافياً فقط ، فهو أيضاً البشر ، والبشر في زمن معين . وهو يكتسب ملامحه من خلال البشر الذين عاشوا فيه ، والبشر تلخيص للزمن الذي كان ، وفي مكان محدد بالذات" (ص5) .نزعة الأنسنة إذاً متصلة أوثق الاتصال بالرؤية الإنسانية العميقة لكاتب يعي جيداً أن حياة الإنسان في مكان معين وزمن محدد تستحق أن تعاش ويحتفى بها رغم كل المآسي ، لأن كل الأحداث التراجيدية لا تلغي معاني الحياة بقدر ما تعززها وتكثفها . هذا هو المنظور الفعال الخلاق الذي تتبناه الكتابة وتغري القراءة اليقظة بإبراز تجلياته ودلالاته .
المنزل العائلي عادة ما يكون بؤرة الحياة والذاكرة التي تستعيدها الكتابة في مرحلة متقدمة من العمر . ومما يلفت النظر هنا أن هذا المكان لا يحضر إلا كطيف عابراً أو كخلفية بعيدة معتمة ، ولهذا الحضور الذي يشبه الغياب دلالتان مهمتان في رأينا . أولهما أن الكاتب لم يكن يريد أن يمحور كتابته حول ذاته بقدر ما أراد أن يفتحها على الخارج والآخر بما أن الأمر يتعلق بسيرة المدينة وأهلها في المقام الأول .
الدلالة الثانية لا تصرح بها الكتابة لكنها محايثة لها ، وهي أن الكاتب لم يكن يجد ذاته في منزل العائلة بقدر ما كان يجدها ويحققها خارجة ، أي أنه لم يكن متعلقاً في طفولة ببيته وأسرته كل التعلق . فالأم لا تحضر في النص إلا في جملة عابرة وفي سياق مقارنة سلبية مع شخصية الجدة التي تمثل الشخصية الأهم في النص كله . أما الأب فلا حضور له في أي موضع من النص ، وبالتالي فإن تغييبه هكذا ينطوي على كل معاني "القتل الرمزي" وهو ما سنعود إليه لاحقاً. الحضور كله لهذه الجدة التي تركت بغداد لتعيش مع ابنتها في عمان ، وظلت طوال عقد من الزمن تعيش في غير مكانها الأفضل والأجمل ، ولذا فهي كثيراً ما تقارن بين "هنا" و"هناك" لتعلي من شأن مكان الذاكرة الذي تعيش فيه رمزياً .بغداد عندها هي المدينة التي لا تقارن بعمان البلدة ، وبيتها الحميمي هناك ، والنهر الحقيقي هناك ، والطعام فيها أوفر وأطيب ، بل حتى الشاي لا يعود له مذاق إن لم يُحضّر بالطريقة البغدادية ! . الطفل كانت علاقاته الحميمية الغنية مع هذه الجدة التي تفرض ذاتها على ذاكرته وكتابته أكثر من أي شخص آخر . لماذا ؟ . لأنها شخصية قوية الإرادة غنية التجربة وما إن تتحدث في أمر ما حتى نكتشف أنها تمتلك من الأخبار والمعلومات والنوادر والطرف والحكايات ما يمتع حفيدها وينمي وعيه ويطلق مخيلته. وحينما يتذكر الكثير من تعليقاتها وحواراتها وحكاياتها ويحرص كل الحرص على تدوينها بلهجتها الأصلية التي لم تكن تغيرها فهذا مما يدل دلالة أكيدة على إعجابه بها وتعلقه بها كشخصية واقعية ورمزية في الوقت نفسه .
بيت العائلة هو إذن مكان لم يكن ليطاق لولا هذه الجدة التي تلعب دور البطولة في النص لأنها مستحقة لهذا الدور ولأنها لعبت الدور الأهم في تشكيل وعي الطفل ومخيلته فيما يبدو . البيوت الأخرى أكثر حضوراً ، لكنها تحضر لا كفضاءات حميمية تتصل بخبرات محددة للكاتب ، وإنما كمعالم بارزة في "داخل" المدينة ، أو كعلامات تحدد جهاتها وتفصل بين الداخل والخارج . المدارس هي الأكثر حضوراً دلالياً في النص لأنها فضاءات تعلم وجد فيها الطفل ثقافة جديدة تختلف عن ثقافة المنزل العائلي . ونظراً لكون الأمر يتعلق بأماكن رسمية هنا، فإن الكاتب أكثر ما يتذكر هذه الأماكن مقرونة برموز الثقافة الجديدة ، أي ببعض الأساتذة الذين كانوا يحملون وعياً سياسياً جديداً ويحاولون نقله إلى طلابهم . نظرياً من خلال المحاضرات التي كانوا ينظمونها لبعض الشخصيات الثقافية البارزة ، من الشام ومصر ، وعملياً من خلال المظاهرات التي كانوا يدعون إليها ويشرفون عليها ويشاركون فيها. ففي هذه المرحلة المبكرة من عمره بدأ الكاتب يسمع عن التيارات الوطنية والقومية والدينية ، ويشاهد بعض ممثليها وهم يتنافسون على الخطابات والمواقع ، لأن " الكلية الإسلامية" التي درس بها كانت من أنشط المدارس في هذا المجال ، (ص181 وما بعدها) . الشاعر عرار كان يحضر عبر نصوصه التي يحفظها بعض التلاميذ ، وحينمايتوقفون عند مكانه المفضل ، "خمارة قعوار" ويرددون :
فمن سجن إلى منفى ج ومن منفى إلى غربة ج
ومن كر إلى فر جج ومن بلوى إلى رهبة جج
فبي من كل معركة جج أثرت عجاجها ندبة ج
كانوا يرونه يهز رأسه طرباً . وقـد يقف ويصفق لهـم ويقـول لمن حوله:"شايفين يابجم شو أهمية الشعر ، حتى أولاد المدارس حفظوه" (ص186) . وحفظ الكاتب لهذه الأبيات لا شك أنه دليل على إعجابه بهذه الشخصية المبدعة مثله من جهة ، وعلى تشاكل تجاربهما ومعاناتهما ، رغم فارق السن ، من جهة أخرى . أيكون هذا الشاعر المتمرد هو الأب الرمزي الأول للكاتب مثلما أن تلك الجدة القوية الشخصية والمولعة بالحكايات والأخبار هي الأم الرمزية الوحيدة ؟! . نزعم ذلك ، ونصه الراهن يبرر هذا الزعم .
رغم الأهمية القصوى للمزارع والأسواق والطرقات في الحياة الاجتماعية لسكان عمان إلا أنها تقدم في النص كفضاءات ثقافية مفتوحة على مشاهد الحياة اليومية الأكثر غرابة وإثارة لدهشة الطفل وأترابه .هكذا تبرز في هذه الفضاءات شخصيات كبار السن والدراويش والمجانين الذين تنعقد بينهم وبين الأطفال علاقات متنوعة تتميز بالخفة والمرح حتى والمشهد في ذروة التوتر . لماذا ؟ لأن الكاتب لا يزال يتعاطف مع هذه النماذج الإنسانية التي تصلح رموزاً فنية تشخص كل ما هو غير معتاد أو مفارق أو مناقض لعادية الحياة المعتادة للنماذج الاجتماعية الأخرى . لهذا السبب ما إن تركز الكتابة على النماذج العادية حتى ينزع الكاتب إلى إدماجها في هويات عامة لا تفرد الشخص بقدر ما تبرز ثقافة الجماعة التي ينتمي إليها . فالشركس يسيطرون على الفلاحة ، ولذا فإن بيوتهم قريبة من عيون الماء أو من ضفتي النهر ، بينما بيوت التجار قريبة من الأسواق أو في أطراف المدينة التي هي مواضع اتصال بالجماعات البدوية التي تعبر كل فضاء وتؤمن لأهل المدينة الكثير من حاجياتهم من المواشي ومنتوجاتها . هذا التنوع في الأعراق واللهجات والمعتقدات والمهن هو الذي كان يميز عمان وهي تنتقل تدريجياً من بلدة صغيرة إلى مدينة كبيرة حديثة ، وبخاصة إثر نزوح أعداد كبيرة من الفلسطينيين إليها بفعل الصراع الدامي مع اليهود المحتلين منذ أواسط عقد الثلاثينيات .
هناك مكانان لا شك أنهما الأكثر بروزاً في فضاء المدينة العام من المنظورين العملي والرمزي وهما " الجامع الحسيني" و"المدرج الروماني" . فالجامع هو المـركز الروحي للمدينة ، وهو كذلك مركز دنيوي كثيراً ما يتجمع حوله الناس في المناسبات الأهلية والرسمية المهمة ، ومنها تحديداً تلك المظاهرات التي غالباً ما تبدأ من ساحة الجامع أو تنتهي إليها . كذلك لا يخفى على الكاتب أن تسمية الجامع تشي بتحول تاريخي حاسم في عمان وفي المنطقة التي ستتحول تدريجياً إلى كيان وطني يمتص هجرات الفلسطينيين بقدر ما يعوض الحكام الجدد عن كيان وطني آخر ضاع في غمرة الصراعات الإقليمية والدولية المعروفة . وإذا كان لا يتوقف عند هذه التحولات من هذا المنظور التاريخي السياسي ، فلأنه كان يدرك جيداً أن نصه قد يدخله في إحراجات غير مستحبة ، خاصة وأنه ما كتب في الأصل إلا احتفاءً بعمان ورداً جميلاً على جميلها .
المدرج الروماني قد يتفوق في حضوره على المسجد من وجوه عديدة . فالناس يسمونه "درج فرعون" تعبيراً عن مشاعر الاندهاش والإعجاب بصرح أثري جليل مهيب يليق بشخصية تاريخية ـ أسطورية كفرعون . لم يكن لديهم وعي يذكر بتاريخ الرومان الذين بنوا المدينة وسموها "فيلاديفيا" أو "مدينة الحب الأخوي" ، ولم تكن لهم دراية بشيء اسمه الثقافة المسرحية ، لذلك كان هذا الفضاء ذاته يتحول إلى " مقلع للحجارة" دون أن يفقد وظيفته الأساسية كمكان للاحتفالات الشعبية العريقة أو الجديدة . ونظراً لولع الأطفال باحتفالات كهذه فإن الكاتب يستعيد كثيراً منها ليكشف عما كانت تنطوي عليه من تواصل ومرح وترويح ، وكأن ذاكرة المكان الأثري الغريب ظلت حية رغم اختلاف السياقات الحضارية . من هذا المنظور يمكننا اعتبار المدرج مجاز مدينة عريقة متخيلة كانت حاضرة مزدهرة في الماضي البعيد ، والجامع مجاز بلدة واقعية صغيرة فقيرة في طور التحول إلى مدينة كبيرة تتشكل على أنقاض المدينة القديمة ، وعلى النقيض منها ربما . فالكتابة هنا حفر في طبقات الذاكرة واللغة والثقافة ، أي عمل معرفي ـ أدبي خلاق تشارك فيه الذاكرة والمخيلة مع الوعي الذي يختار وينظم وينسق ليبني مدينة الكتابة ويؤثثها ويؤنسنها كما يرى الكاتب ويريد . التركيز على لعبة الكتابة من هذا المنظور هو الذي يجعلنا نتلمس العديد من مظاهر التشاكل بين طفولة المدينة وطفولة الكاتب لأن كليهما سيكبر في سياق شـروط تاريخية تراجيدية لكن هذه الشروط ذاتها هي التي ستعزز العلاقات بينهما وقد اندمجا في حكاية حميمية واحدة .
يبين الكاتب أن كتابته جاءت وفاءً بدين عليه تجاه عمان التي قضى فيها فترة جميلة من عمره (ص9) . ولكي ندرك مدى غنى وحميمية هذا النص يمكننا مقارنته بما كتبه آخرون عن هذه المدينة في الفترة ذاتها تقريباً .
يكتب خير الدين الزركلي عن عمان العشرينيات : " لم تكن عمان في ذلك الحين أكثر من قرية قليلة السكان ، ضئيلة المباني ، مظلمة السبل ، لا يصل بينها وبين تاريخ مجدها إلا ما شخص من آثارها ، ولا يدل على إمكان الحياة فيها غير توسطها بين قبائل بني صخر وبني حسن وعباد والعدوان ... ولولا ذلك لانفرد بسكناها جماعات من الشراكسة نزحوا إليها حوالي سنة 1290للهجرة ، كما انفردوا بكثير مما حولها من قرى ومزارع . ولكن ابتغاء الربح وطلب الكسب هما اللذان حملا إلى عمان تجاراً من دمشق ونابلس افتتحوا فيها حوانيت صغيرة فقصدها أهل الخيام والأكواخ من البداة الضاربين حولها في ما جـاورها من القرى ، فأصبحت ولها شيء من الشأن" (عامان في عمّان ، مكتبة العـرب بالفجالة ، 1343هـ-1925م ص6) .
وعن عمان الخمسينيات تكتب فدوى طوقان : " كانت عمـان عاصمة الإمارة بلدة فقيرة ، صغيرة ، متواضعة ، تخلو من جاذبية المظهر والمخبر على السواء . فالمواضعات والقيود الاجتماعية الصارمة لم تكن لتختلف عما هو مألوف في بقية البلدان العربية المتخلفة" (رحلة جبلية ، رحلة صعبة . دار الشروق ، عمان 1999م ، ص104) .
هذه كتابات عن عمان الواقع الذي تنقله الكتابة كما تراه العين أو كما يطفو في الذاكرة لحظة الكتابة . ومن الطبيعي أن تكون صورة المدينة بهذا الجفاف والجفاء ، لأنه لم تكن بين الذات الكاتبة والفضاء والبشر علاقات تعاطف كما يلاحظ . أما كتابة عبد الرحمن منيف فهي كتابة عن طفولته ومدينته وجدّته وأصدقائه وعن ذلك المزيج الغني من النماذج الفردية والجماعية المتعايشة في فضاءات تحولت بالضرورة إلى أماكن حميمية في ذاكرة الشخص كما في وعيه ومخيلته . وحينما قرر الكتابة عن كل هذه التجارب والمشاهد والخبرات من هذا الموقف العاطفي الذهني كان من المنطقي تماماً أن يذهب بعيداً في الحوار مع ذاكرة الإنسان والمكان . فالمدينة كانت تسمى في الأصل " مدينة المياه" و"مدينة الحب الأخوي" . ولابد أن أثراً ما لهذه التسمية ظل يسري كالنسغ السري في الزمن والمكان ليغذي الحياة في مدينة الواقع وفي مدينة المخيلة كما شيدتها الكتابة بدراية عالية وبحميمية عميقة تليق بكل أماكن الطفولة التي ما إن تفتقدها أو نبتعد عنها حتى يزداد تعلقنا بها ومحبتنا لها مهما كانت مخترقة بالمآسي . ثم ألا يذكرنا هذا النص عن مدينة بين حربين وطفولة بين موتين بنص الحياة التي هي أيضاً حضور بين غيابين ووجود عابر بين موت وموت ، ومع ذلك تظل حياتنا الغنية بالمعنى والأمل ؟! .
ورشة الشعر ومدينة الأمل :
النقلة التي تباشرها القراءة لملامح "المحرق" في "ورشة الأمل" هي نقلة أفقية تصاعدية لأن النص يأخذنا منذ مطلعه إلى أفق اللغة الشعرية والفكر الشعري:
"سأكتب
مستدركاً كل ما فاتني لغزة في الغياب
غير أن الكلام عن الحب أحلى من الحب .. حيناً
والقلب أصغر من نصفه .. تارة
والذي في يدي نجمة واحدة
والسماء مرصعة بالذي ليس يحصي من الفصّ والنص
ها إنني جملة شاهدة
في كتاب العذاب
- أيها الطفل
كيف ستكتب نص المحرق حبراً وماءً ؟! .
- سأكتبه
مثلما يصقل الشخص أسماء أطفاله
كي يؤثث مستقبلاً للكتاب"
(ص7)
أكثرنا قرأ شعر قاسم ، ولابد أن بعضنا يحبه كما يليق به ، وقد كتبت دراسات عنه من هذا المنظور ذاته . لكن حديثي عن اللغة الشعرية والتفكير الشعري في هذا النص هو موضوع آخر . لأبدأ إذن من بيان ما تعنيه هذه المفاهيم في هذا المقام .
يذهب الفيلسوف الألماني مارتن هيدجر إلى أن اللغة بيت الكائن ودليل حضوره الوحيد في الزمن والمكان . لا وجود لأي كينونة ولأي معنى خارج اللغة . فاللغة ليست ما نستعمله وسيلة تعبير وأداة تواصل وتفاهم فحسب لأنها قبل هذا وذاك خبرة أصيلة لا تدرك إلا من داخلها وخلال معايشتها. إنها تغمرنا حتى ونحن نستغرق في الصمت .. مثلها مثل الحياة التي نعيشها كل لحظة ونعجز عن تحديد هويتها من خارج تجربة الحياة ذاتها .هكذا نتبين أهمية الشعر ، لأنه يقربنا من حقيقة اللغة ويمكّننا من الانصات لها وهي تحضر وتتكلم وتدهشنا بحضورها الكثيف ، ولأنه يجسد ويشخص اللغة كخبرة سابقة علينا ومستقلة عنا . وهنا تحديداً يحضر ما يسميه هيدجر"التفكير الشعري" فهو نمط من التفكير لا يخضع للقوانين العقلية الصارمة الواضحة لأنه شكل من أشكال التعاطف الأولي الحميمي مع الأشياء والكائنات والأصوات والأشكال والألوان والحركات يتجلي أكثر ما يتجلى في "الخبرة الجمالية" التي لا يمكن فهمها إلا بشكل ملتبس ، رغم أننا نشعر بها ونتفاعل معها بقدر كبير من الكثافة والعمق.
لا ريب أن هذه الأطروحات تذكرنا بأطروحة كانط الذي عرف الفن كله بأنه لعب حر خلاق بالمواد لا يختلف عن لعب الأطفال إلا بخضوعه لدراية الفنان الواعي بما يعمل . هذا أيضاً ما ذهب إليه برجسون وهو يسمي التفكير الشعري بـ "الحدس" الذي يتيح للفن فرصة مثلى للكشف عن جوهر الشيء الذي تغطيه اللغة العادية وتفصلنا أو تغربنا عنه . لغة الشعر هي إذن جوهر اللغة وشكلها الأمثل ، والتفكير الشعري هو أصل كل فكر ، بل إنه أصل كل خبرات الإنسان الأولية في الزمن والمكان . وإذا كانت اللغة كلها شعراً في الأصل ، فمن غير الشاعر المبدع يعيدها إلى أصلها ويعيدنا إليها ونحـن واثقون أن هـذه لغتنا وأشياؤنا ردت إلينا ؟! .
حينما ذهبت ، ومنذ القراءة الأولى لمنجزات قاسم الشعرية ، إلى أنه "شاعر تجربة" وليس شاعر نص يكتب هنا أو هناك ، وبين زمن وآخر ، فما ذلك إلا لأن الشعر عنده تحول إلى تجربة وجود وطريقة حياة ، وأسلوب تواصل وتعاطف وتفاهم مع العالم والآخرين من حوله . ليس من المبالغة إذن أن قلت من قبـل إن كل ما كتبه وما سيكتبه هو إما شعر ماثل أو شعر وشيك ، لأنه انغمس في اللغة الشعرية والتفكير الشعري حد أنه لم يعد يحسن قولاً أو كتابة أو حياة من دونهما. حينما يسأل الشاعر مستنكراً : "من قال إن الشعر شعر والنثر نثر.. ولا يلتقيان" ؟ لا يلبث أن يجيب بضرورة " طرح القداسة عن تصنيف الأنواع الأدبية الموروث لأشكال التعبير" .. لأن كل الأشكال كانت و"سوف تأخذ دوماً شكل حياة البشر وطرائق تفكيرهم وأحلامهم" (ليس بهذا الشكل ... ص 11 ،12 ،13) .
مقاومة اللغة الشعرية :
ما إن قرر الشاعر الكتابة عن مدينة طفولته حتى وجد نفسه في حالة انفعالية توقفه في أقصى درجات المتعة والنشوة من جهة وفي أقصى درجات القلق والتردد من جهة أخرى . اللغة الشعرية كانت ضرورية من جهتين . فهي ضرورية للتعبير عن ذات قاسم المقسمة بين فضاءات حميمة ووجوه أليفة لازالت تسكنه وتتقاسم معه الزمن والمكان واللغة ، وكأن الابتعاد عنها هو ذلك " البعاد" الذي يزيد من تعلقنا بالأشياء والأشخاص ويغذي حنيننا إليها وإليهم . لكن قرار الكتابة ذاته لا يلبث أن يذكر الذات الكاتبة بأنها مطالبة بإنجاز نص سيتلقاه و" يتقاسمه" قراء قد يتفهمون جيداً خصوصية تجربته وعلاقاته بمدينته وأهله ، لكنهم ينتظرون ويتوقعون منه أن يعرفهم بذاته ومدينته الماضية من خلال لغة سردية تتطلبها كل كتابة سيرية من هذا النوع .
هكذا بدأت الكتابة من ذروة اللحظة الانفعالية شعرية مكثفة لتتجه تدريجياً إلى المسار السردي فلتتذكر وتخبر وتتأمل وتحلل ، فيما الذات الكاتبة مطمئنة إلى أن التفكير الشعري سيتصل لأصالة الرؤية الشعرية وقوة حضورها فيها .
في البدايات تطل علينا المحرق إلهة أوجنية تلهم الشاعر ، ومعلمة تلقنه درس الحياة الأول والأهـم ، وأماً حنون يعجز كل قول جميل عن رد بعض جميلها ، وحبيبةً فاتنة لا تكفي التعبيرات لوصف فتنتها . بعد هذا المقطع الاستهلالي الطقوسي الاحتفالي تعود المدينة ذاتها إلى منزلة الفضاء الجغرافي ـ الثقافي الذي يمكننا التعرف على كثير من ملامحه ومن أنماط حياة البشر فيه . هنا تحديداً تبرز أهمية الاختزال الذي هو أسلوب مشترك بين الشعر والرياضيات وإن اختلف شكله ووظيفته وغايته من خطاب المخيلة الحـرة إلى خطاب العقل الصارم .
المحرق كلها تختزل في "الأبواب المفتوحة" من جهة ، وفي "الورشة"من جهة أخرى ، وكلاهما مكان واقعي تحوله الكتابة إلى رمز يستقطب الدلالات ويعيد توزيعها ملونة بمشاعر الشاعر وتأملاته الحدسية الخاصة . الباب المفتوح دليل على ثقافة الألفة والتسامح والتعاضد بين الناس في بيئة اجتماعية ليس لديها الكثير مما تخاف عليه أو تخاف منه . مدينة صغيرة عريقة كالقرية الكبيرة التي يعتبر سكانها "أهل" أو جماعة قرابية ممتدة ، لأن روابط الجيرة هنا كروابط الدم ، ومثل روابط "العيش والملح" . الأطفال والفتيان والشباب والشيوخ ، اعتادوا الذهاب والمجئ ، الدخول والخروج ، عبر هذه المفتوحة بحرية لأن الأعراف والتقاليد في بيئة محافظة كهذه يحترمها الجميع بما أنها من إنتاج الجميع وفي خدمة الجميع .
بيت العائلة الـذي عاش فيه الطفل ـ الكاتب نمـوذج مصغـر لبيوت كثيرة . مجلس الرجال كان مفتوحاً للعابرين من الأقرباء والأصدقاء والجيران والمعارف ، ومن داخل المحرق وخارجها . أما حسينية النساء في البيت نفسه فهي مكان التقاء وتواصل اجتماعي آخر ، وفي المناسبات السعيدة كما في المناسبات الحزينة . في مرحلة الطفولة كانت الأبواب المفتوحة تتحول إلى "متاهة" لأنها أكثر انفتاحاً وتشاكلاً من أن تتمايز في ذهن الطفل ، وفي مرحلة الشباب والعمل الاجتماعي المسيس كانت الأبواب ذاتها ملجأً متاحاً آمناً أليفاً ، خاصة وأن الكاتب قد شارك في بناء كثير من البيوت . كل بيوت القرى والمدن التقليدية العربية كانت هكذا ، بل إن بيت الذاكرة الثقافية الجماعية الأمثل ربما كان ذلك البيت الذي لا أبواب له تمنع الارياح من أن
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
مدنُ الذاكرةِ الجريحِةُ قراءة في كتابات سيرية لإدوارد سعيد وعبد الرحمن منيف وقاسم حداد
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى فريق جيني بوجدور :: منتدى المواضيع الفلسفية-
انتقل الى: