منتدى فريق جيني بوجدور
شكرا على زيارتكم

منتدى فريق جيني بوجدور

التربية والتعليم
 
الرئيسيةالتسجيلدخول
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
» ما هو الكوتيزون ؟
الثلاثاء 11 سبتمبر 2012, 3:24 am من طرف أبوعمر

» الإنسان كلٌ واحد: رؤية تكاملية للمنهج
السبت 04 أغسطس 2012, 11:57 am من طرف سعاد

» كيفية التعامل مع المراهقين
السبت 04 أغسطس 2012, 9:57 am من طرف سعاد

» كيف نتعامل مع الطفل العصبي ؟
السبت 04 أغسطس 2012, 9:50 am من طرف سعاد

» دروس في مادة الرياضيات
الجمعة 24 فبراير 2012, 12:01 pm من طرف islam fajr

» مصوغات برنامج التكوين جيني مساهمة الأستاذ hssini
الجمعة 13 مايو 2011, 9:55 am من طرف naimamz

» إنجازات عمر بن الخطاب الحضارية رضي الله عنه (نقلا عن موقع ينابيع التربوية )
الثلاثاء 22 مارس 2011, 4:51 pm من طرف JAMAL

» موقع مدرسة النهضة بوجدور
الثلاثاء 22 مارس 2011, 4:08 pm من طرف JAMAL

» دعاء مستجاب إنشاء الله
الثلاثاء 22 مارس 2011, 12:48 pm من طرف JAMAL

المواضيع الأخيرة
» ما هو الكوتيزون ؟
الثلاثاء 11 سبتمبر 2012, 3:24 am من طرف أبوعمر

» الإنسان كلٌ واحد: رؤية تكاملية للمنهج
السبت 04 أغسطس 2012, 11:57 am من طرف سعاد

» كيفية التعامل مع المراهقين
السبت 04 أغسطس 2012, 9:57 am من طرف سعاد

» كيف نتعامل مع الطفل العصبي ؟
السبت 04 أغسطس 2012, 9:50 am من طرف سعاد

» دروس في مادة الرياضيات
الجمعة 24 فبراير 2012, 12:01 pm من طرف islam fajr

» مصوغات برنامج التكوين جيني مساهمة الأستاذ hssini
الجمعة 13 مايو 2011, 9:55 am من طرف naimamz

» إنجازات عمر بن الخطاب الحضارية رضي الله عنه (نقلا عن موقع ينابيع التربوية )
الثلاثاء 22 مارس 2011, 4:51 pm من طرف JAMAL

» موقع مدرسة النهضة بوجدور
الثلاثاء 22 مارس 2011, 4:08 pm من طرف JAMAL

» دعاء مستجاب إنشاء الله
الثلاثاء 22 مارس 2011, 12:48 pm من طرف JAMAL

ازرار التصفُّح
 البوابة
 الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 بحـث
ازرار التصفُّح
 البوابة
 الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 بحـث
منتدى
منتدى
التبادل الاعلاني
التبادل الاعلاني

شاطر | 
 

 الإيجابية والسلبية في الشعر العربي بين الجاهلية والإسلام -تتمة6-

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أبوعمر
Admin


عدد المساهمات : 81
تاريخ التسجيل : 16/12/2010
العمر : 41
الموقع : www.genieboujdour.123.st

مُساهمةموضوع: الإيجابية والسلبية في الشعر العربي بين الجاهلية والإسلام -تتمة6-   السبت 15 يناير 2011, 11:15 am

المناحي التربوية

سبق منّا القول بأننا لا نملك وثائق تربوية عن النظري والعملي في التربية العربية الجاهلية( ) . ولكننا لم نعجز أمام هذا الواقع حين أخذنا ببعض الشعر فدرسناه وحللناه لنستنبط منه مواقف ومثلاً وقيماً تربوية.
والحديث عن سلبيات الواقع التربوي الإسلامي هنا، لن يأتي من خلال نصوص دينية إسلامية، وإنما يأتي من خلال النظرة الاجتماعية للفرد ولا بد من الاعتراف بأن التربية في النظرية والتطبيق لم تشغل مكانة بالغة أو غير بالغة عند الشعراء الإسلاميين، شأنهم شأن الشعراء الجاهليين وهذا بحد ذاته أمر يبدو لنا سلبياً.
ومع ذلك فإننا حين نبحث عن نظام التربية السلبي كما عكسه الشعر الإسلامي علينا أن نحدد نوع هذا الشعر، ما دمنا قد اعترفنا بأن التربية لم تشغل مكانة عند الشعراء!..
هذه السلبيات التربوية نجدها في بعض السلبيات الاجتماعية، فالشعر يعكس سلامة المجتمع كما يعكس أزماته، وبتعبير آخر إذا أردنا أن ندرس سلبيات التربية في الشعر الإسلامي علينا أن ندرس سمات المجتمع السلبية من جهة أخرى تختلف عن المناحي السلبية الاجتماعية التي مرّت بنا.
ولندرك بشيء من الوضوح أثر النظرية التربوية في تفكيك المجتمع الإسلامي، وفي حياة المسلمين علينا أن نتصدى لدراستها من خلال بعض المفاهيم التي تضر بالمجتمع، وبالفرد.
إن التربية مرتبطة بالمصلحة العامة، وإذا كانت هذه المصلحة العامة متناثرة مجزأة، فلا بد أن يكون هذا ناجماً عن سلبيات.
وإذا علمنا أن تربية المرء لا تنمو في يوم، أدركنا الأثر الذي يمكن أن تخلفه استمرارية سلبيات ممثلة في شعر اجتماعي له صلة وثيقة بالتربية لأنه يعكس مفاهيم مضرّة.
ومما تقدم ينبغي أن ندرس هذه السلبيات من خلال سلبيات الواقع الاجتماعي وهذا يؤكد استسلامنا بأنه لا يوجد أسس علمية للتربية في الشعر إنما هي مفاهيم تربوية في واقع اجتماعي.
ففي هذا الشعر ما يؤذي التربية عامة وفيه ما يؤذي تربية الأطفال خاصة وتظهر سلبيات النوع الأول في الأمور التالية:
1-توجيه السلوك الاجتماعي والأخلاقي بشكل خاطئ.
2-تصعيد النزوات.
3-التقليل من قيمة المعلم
كما تظهر سلبيات النوع الثاني في:
1-ذكر الضحايا والدماء واليتْمِ والموت والقبور والدمار.
2-ذكر العفاريت والأشباح والجن، وحديث الأساطير.
هذا –في نظرنا- أهم ما يشين التربية، فقد لا نجد نصوصاً كثيرة توافق في مضامينها هذه السلبيات، لكن أغلبها كان شاغلاً لكثير من الشعراء، وسوف نتناول أهم الجوانب السلبية.
-توجيه السلوك الاجتماعي والأخلاقي بشكل خاطئ.
يبدو هذا التوجيه الاجتماعي من خلال مواقف كثيرة، أهمها دفع القبيلة إلى العدوان والشر من خلال التهكم والسخرية من مواقفها النبيلة وقد كان بعض الشعراء الإسلاميين يلجأ إلى هذا التوجيه الخاطئ ليقص على عوامل الخير، ويزرع عوامل سيئة لها دورها السلبي في تكييف شخصيات القبيلة.
قال قريط بن أنيف( ) يسخر من قومه لأنهم ليسوا أصحاب شر!.. ولأنهم متسامحون راقون في معاملاتهم مع الناس، ثم يتمنّى لو أنه أخذ بهم أقواماً، فهو، يحب القتل والسفك الذي تحدثه الإغارة( ) :
ولكنَّ قومي وإن كانوا ذوي عَدَدٍ
ليسوا من الشّرِ في شيءٍ وإن هانَا

يجزُوْنَ من ظُلْمِ أَهْل الظَّلْمِ مَغْفِرةً
ومن إساءَة أَهْلِ السّوء إحْسانَا

كأن ربَّك لم يخلق لخشيتهِ
سواهم في جميع النَّاسِ إنسانَا

فليت لي بهم قوماً إذا ركبوا
شدّوا الإغارة فرسانَا وركبَانَا

كذلك مما يشين توجيه المجتمع والأفراد مقالة أحد شعرائهم في الدعوة إلى إفشاء الأسرار على شاكلة قوله( ) :
لا أَكْتمُ الأَسْرَار لكنْ أُثمُّلا
ولا أَتْرُكُ الأَسْرَار تَغْلي على قلْبِي

وإنّ قليلَ الْعَقْلِ من باتَ لَيْلَهُ
تُقلّبهُ الأَسْرَارُ جَنْباً إلى جَنْبِ

ومن هذا التوجيه الخاطئ التقليل من قيمة الحضارة والحضري على حساب رفع قيمة البداوةِ، والبدوي كما في قول الشاعر( ) الذي يهجو الحضري ويمدح البدوي:
جوّاب بيداء بها عَزُوُف
لا يأكل البقل ولا يريفُ( )

ولا يُرَى في بيته الْقَلِيْفُ
إلاَّ الْحَميتُ المُعْقَمُ والمكْشُوفُ( )

للْجَارِ والضَّيْفِ إذا يَضيْفُ
والحضَريُّ بَطْنُهُ مَعْلُوْفُ( )

لِلْغَسْوِفي أَثْولِبِه شَفْيفُ
أَعْجَبُ بَيْتيهِ له الكنِيفُ( )

أَوْطَانُه مَبْقَلَةٌ وَسِيْفُ( )

والقطامي( ) الشاعر يعيب الحضارة ويرفضها، وذلك في معرض الفخر باحتفاظ قومه ببداوتهم ورفضهم الحضارة الجديدة، ويصر على البداوة القديمة بكل تقاليدها العتيقة، كما يرفضون النظام الحضاري الجديد الذي جاء الإسلام يدعو العرب إليه ويسعى في نقلهم إليه، بما مهد لهم من وسائل روحية ومادية، سياسة واجتماعية وثقافية. يقول( ) :
وَمَنْ تَكُنِ الْحَضَارَةُ أَعْجَبَتْهُ
فأَيَّ رجال باديةٍ تَرَانَا

وَمَنْ ربَطَ الْجِحَاشَ فإنّ فِيْنَا
قناً سُلباً وأَفْراساً حِسَانا

وكنّ إذا أَغَرْنَ على جَنَابٍ
وأَعْوَزهُنَّ نَهْبٌ حيث كَانا

أَغَرْنَ من الضبابِ على حُلُولٍ
وضبَّةِ أنَّة من حانَ حَانَا

وأحياناً على بَكْرٍ أَخِيْنَا
إذا ما لَمْ نَجِدْ إلاَّ أَخَانَا

معلوم أن هذا الشعر له أثره الكبير في المجتمع وهو عامل من العوامل( ) الاجتماعية بل من أهمها في تكوين الشخصية البدوية وهذه العوامل الاجتماعية لها دورها في تكييف الشخصية النامية وتوجيهها والإنسان لا ينمو ويترعرع بمعزل عن بيئته الاجتماعية، بل يتفاعل معها ويتأثر بثقافتها، ويكيف نفسه وفقاً لها( ) . وهذا ما يفسر كونها مفاهيم سلبيّة أثرت في العملية التربوية بشكل سلبي، وعملت على تأخير التحضّر العربي، وربما ما زالت هذه العقلية هي التي تسيطر على عقل عرب البوادي المعاصرين.
- تصعيد النزوات السلبية:
تصعيد النزوات عامل تربوي سلبي له دور كبير في تأخير النمو الأخلاقي فالمرء مجموعة من القابليات، والتربية عملية تتفتح بها القابليات الكامنة في نفس هذا المرء، كما تتفتح الأزهار والنباتات، وما وظيفة التربية إلا العمل في سبيل تفتح هذه القابليات ونموّها( ) .
وهذا يعني أن ما يتفتح عليه الطفل يجب أن يكون إيجابياً ليعطي ثمره الصالح. لكن تصعيد نزوة الشر عامل سلبي في التربية النظرية والتطبيقية. وقد بدأ التصعيد الشرير في المجتمع الإسلامي في وقت مبكر، ونحا منحى سياسياً في بداية الأمر.
لما اجتمع الناس على بيعة أبي بكر، أقبل أبو سفيان، وهو يقول:
"والله إني لأرى عجاجة لا يطفئها إلا الدم! يا آل عبد مناف فيم أبو بكر من أموركم! أين المستضعفان! أين الأذلان عليّ والعباس! وقال:
أبا حسن ابسط يدك حتى أبايعك فأبى علي عليه، فجعل يتمثل بشعر المتلمس( ) :
إن الهوانَ حمار الأهل يعرفُه
والحرُّ ينكره والرَّسْلَةُ الأَجُدُ

ولا يقيم على ضيمٍ يُراد به
إلا الأذلاّن عَيْر الحيّ والوتدُ

هذا على الخسف معكوس برُمّته
وذا يشجُّ فلا يبكي له أحَدُ

فزجره علي، وقال: إنك والله ما أردت بهذا إلا الفتنة، وإنك والله لطالما بغيت للإسلام شرّاً! لا حاجة لنا في نصيحتك( ) .
ورواية اليعقوبي للحادثة تذكر أنه تخلف عن بيعة أبي بكر، وقال لعلي امدد يدك أبايعك، وقال( ) :
بني هاشمٍ لا تطمعوا النَّاس فيكم
ولا سيما تَيْمَ بن مرّة أو عديّ

فما الأمر إلاّ فيكم وإليكم
وليس لها إلا أبو حسن علي

أبا حسن، فاشدد بها كفَّ حازمٍ
فإنَّك بالأمر الذي يُرْتَجَى مَلِيّ

الموقف في كلا الروايتين سلبي يدل على تصعيد نزوة الشر، وعلى شق عصا الطاعة في أمة فتية لا حبّاً بعلي، وإنما ليرثها هو أو أولاده بعد، علي، وإلا لما خالفه معاوية وشق عليه عصا الطاعة فيما بعد؟!..
هذا الغدر الأموي، فتح الباب على مصراعيه في تنمية شجرة الشر فتفرعت وأثمرت أشكالاً متعددة من الكره، والبغضاء، والقتل والسفك حتى أصبحت البغضاء مادة شعرية يتداولها الشعراء ويفصحون فيها عمّا يكنونه من أحقاد وأضغان دفينة في الصدور.
قال الفضل بن عباس( ) من قصيدة يخاطب بها بني أمية وينمي نزعة الشر:
مهلاً بني عمّنا، مَهْلاً موالينا
لا تنبشوا بيننا ما كان مَدْفُوْنَا

الله يعلم أنّا لا نحبُّكمُ
ولا نلومُكُم أن لا تُحبُّونَا

كلٌّ له نيّةٌ في بغض صاحبه
بنعمةِ الله نقليكم وتَقْلُونَا

التهكّم، والسّخرية، والتباغض مفاهيم خطيرة أورثوها أبناءهم في وقت مبكر، ولمّا تزل تنخر جسد العرب حتى اليوم مع كل أسف!.
-التقليل من قيمة المعلم:
أكرم الله العلم والعلماء( ) ، وأعز الرسول  التعليمَ وجعله أمانة في أعناق المعلمين وكان يقول: "أيما مؤدب وَلِِيَ ثلاثة صبية من هذه الأمة فلم يعلمهم بالسّوية فقيرهم مع غنيهم، وغنيهم مع فقيرهم حشر يوم القيامة مع الخائنين( ) ".
ولكن المعلم لم يجد المكانة( ) اللائقة بما يحمله في صدره، وبما يعطيه للناس فكان بعض الشعراء يسخر من بعض المعلمين، مما يشير إلى تلك المكانة الدنيئة التي احتلها المعلم عند العامة والخاصة.

وربما جاء التقليل من قيمة المعلم في معرض الهجاء، كما فعل مالك بن الريب في هجاء الحجاج بن يوسف الثقفي وكان معلم صبيان بالطائف( ) :
فماذا عسى الحجاج يبلغ جهده
إذا نحن جاوزنا حفير زياد

فلولا بنو مروان كان ابنُ يوسفٍ
كما كان عبدٌ من عبيد إياد

زمانَ هو العبد المقرُّ بذلّه
يُراوح صبيان القرى ويُنَادِي

فحين أراد الشاعر أن يهجو الحجاج، بحث عن أسوأ ما يمكن أن يقال عنه ويعاب فيه، ففعل، وفيه يقول شاعر آخر:
أينسى كليب زمانَ الهزال
وتعليمه سورةَ الكَوْثَرْ( )

رغيف له فلكة ما ترى
وآخر كالقمر الأَزْهَرْ

لقد فات الشاعر كما فات المجتمع الذي عاش فيه أن جوع المعلم الذي عيب فيه هو إدانة لذلك المجتمع، ودليل على انشغال الناس عن العلم.
-ذكر الضحايا والموت والدمار:
لا شك أن ذكر القتل والدماء والدمار والضحايا، وما تخلفه الحروب من يتم وموت كلها أمور تعد من السلبيات الواضحة في تربية الأطفال.
وربما كان من المفيد في هذا الجانب أن نذكر بعض تلك الصور للأطفال وننفرّهم منها بكلمات، فنكون قد زرعنا في نفس المرء ومنذ طفولته تجنب الأفعال الضارة وتهيّبها في سن مبكرة.
وأغلب هذه الصورة المؤلمة حدثت بين المسلمين أنفسهم، وهي متعددة أسبابها وأشكالها لكنها تنضوي تحت الوحدة الوحشية في مضمونها. ففي وقعة الجمل شدّ أَحَدُ المقاتلين على محمد بن طلحة( ) فقتله، ثم أنشد يقول( ) :

وأشعثَ قوَّامٍ بآيات ربّه
قليل الأذى فيما ترى العيْنُ مُسْلِمِ

هَتَكْتُ له بالرّمْحِ جيبَ قمِيْصِه
فخرَّ صريعاً لليدينَ ولِلْفَمِ

يذكّرني (حم)( ) والرمحُ شاجرٌ
فهلاّ تلا (حم) قبل التَّقدْمِ

على غير شيءٍ غيرَ أن ليس تابعاً
علياً ومن لا يتبع الحقَّ ينْدَمِ

وقد كثرت هذه المواقف السلبية المؤلمة في وقعة الجمل. جُرِحَ يوم الجمل عُمير بن الأهلب الضّبي، فمرّ به رجل من أصحاب علي، وهو في الجرحى فقال له عميرة: ادن منيّ، فدنا منه، فقطع أذنه، وقال عمير بن الأهلب( ) :
لقد أوردتنا حومة الموت أمُّنا
فلم ننصرف إلا ونحن رواءُ

لقد كان عن نصر ابن ضبَّة أمَّهُ
وشيعَتَها مندوحةٌ وغناءُ

أطعنا بني تَيْم بن مُرّة شَقْوَةً
وهل تَيْمٌ إلا أَعْبدٌ وَإمَاءُ!

ويصل ذكر القتل إلى أبعد درجات الوحشية حين يكون بذنب وبلا ذنب القتل للقتل! كما في قوله( ) مسلم بن عقبة، قائد قوات يزيد بن معاوية في وقعة الحرّة، وهو جالس على كرسي يحمله الرجال ويقاتل ابن الغسيل( ) :
أحيا أباه هاشمُ بن حَرْمَلَهْ
يوم الهباتَيْنِ، ويومَ اليَعْمُلَهْ

كلُّ الملوك عندهُ مُغَرْبَلَهْ
ورُمْحُهُ للوالِدات مَثْكَلَهْ

لا يُلْبثُ القتيلَ حتّى يَجْدِ لَهْ
يَقْتُلُ ذا الذَّنْبِ وَمَنْ لا ذَنْبَ لَهْ

وأحياناً يوجه الشاعر وصيّة لأبنائه يذكر فيها البكاء والقبر، وهذه ذات أثر سلبي في نفسية الأطفال خاصة. قال عبده بن الطبيب، يذكر البكاء والقبر في وصية لأبنائه( ) :
ولقد علمت أنّ قصري حُفْرَةٌ
غبراء يحملني إليها شرجَعُ( )

فبكى بناتي شَجْوهنَّ وزوجتي
والأقربون إليّ، ثم تصدَّعُوا( )

وتُرِكْتُ في غبراء يُكْرَهُ وردها
تسفي عليّ الرّيحُ حين أُودَّعُ

-ذكر الجن والعفاريت والأشباح:
حديث الجن وحده كاف، فهو تعزيز سلبي يضعف الحقائق الموضوعية. ولسنا بهذا نعني إنكاراً له، لا، لكن الذي نريده في معرض تبيان ما يسيء إلى تربية المرء والأطفال خاصة أن نبين مدى الخرافات التي امتلأ بها بعض الشعر فأساء إلى تربية الأطفال، وأوقعهم بالخوف.
وقد أدرك الجاحظ هذه الحقيقة وكشف خطرها في تربية الأطفال، ثم راح يعلل تصورهم في هذا الأمر فقال( ) : "إذا استوحش الإنسان تمثل له الشيء في صورة الكبير وارتاب وتفرق ذهنه وانتقصت أخلاطه، فرأى ما لا يرى، وسمع ما لا يسمع وتوهم على الشيء اليسير الحقير أنه عظيم جليل ثم جعلوا ما تصور لهم من ذلك شعراً تناشدوه، وأحاديث توارثوها، فازدادوا بذلك إيماناً، ونشأ عليه الناشئ، وربى به الطفل...".
ومن هذه الأحاديث ما كان الأعرابي يعلل به سبب إسلامه، ترفعاً كيلا يقال بأنه أسلم عنوة أو خوفاً!.
وفد سوادُ بنُ قارب على عمر بن الخطاب، وكان كاهناً. وحدّث عمر قائلاً: كان لي نجيٌّ من الجن، إذ أتاني في ليلة وأنا كالنائم فركضني برجله ثم قال: "قم يا سواد، فقد ظهر بتهامة نبي يدعو إلى الحق وإلى صراط مستقيم. قلت له: تنح عنّي فإني ناعس، فولّى عني وهو يقول( ) :
عجبت للجن وتبكارها
وشدّه العيس بأكوارها

تهوى إلى مكة تبغي الهدى
ما مؤمنو الجن ككفارها

فارحل إلى الصَّفوة من هاشم
بين روابيها وأحجارها

كل هذه المفاهيم يعيشها رجال القبلية وأفرادها، كما يتوارثونها أبّاً عن جد، وهذا يشير إلى ما تنطوي عليه علاقة الفرد بالمجتمع، من علاقة تتأثر بقواعد السّلوك السائدة في القبيلة، كما تتأثر بالمفاهيم التي تؤمن بها القبيلة فتنعكس على تصرفاته، ويتغير ما في نفسه من فطرة سليمة وهذا مصدر الخطر السلبي الذي ينجم عن التربية من خلال المفاهيم الاجتماعية السلبية.
إن هذه المفاهيم السلبية ما زالت تحظى برصيد هائل وكبير في بعض البيئات الإسلامية، وربما كان من المفيد أن نتذكر خطر التعميم، وإلا كنّا نقول بأن أغلب البيئات الاجتماعية الإسلامية ما زالت مشدودة إلى الوراء مدة ألفي عام بفضل هذه الترّهات التربويّة.






الفصل الثالث
المفاهيم الإيجابيّة

1-المناحي الاجتماعيّة
* حل المشكلات الاجتماعية
* التنديد بالفساد وفضح المرتشين
2-المناحي الفكريّة
* المحاكمة العقلية
* إظهار كلمة الحق وفضح الباطل
* الأخلاق الفاضلة
3-المناحي الاقتصادية
*بداية الاقتصاد العربي في الدولة الإسلامية.
*تصوير الواقع السلبي الذي خلفه التناقض الطبقي.
*فضح أصحاب الخراج وأصحاب الصدقات.
4-المناحي التربويّة
*التربية وبناء الشخصية.
*الفضائل التي دعا إليها الشعر التربوي.
*نتائج التربية الفاشلة.





المناحي الاجتماعية

حل المشاكل الاجتماعية:
كان للشعر سلباً وإيجاباً دور اجتماعي على كل صعيد، فعلى صعيد الأسرة:
كان الشعر الإيجابي يحل الأزمات العائلية، ويكشف عن المواقف السلبية التي يتخذها الأزواج من زوجاتهم وهم يحملون معتقداً جاهلياً يفضّل البنين على البنات.
فقد تزوج شيخ من الأعراب، جارية من رهطه، وطمع أن تلد له غلاماً. فولدت له جارية، فهجرها وهجر منزلها، وصار يأوي إلى غير بيتها، فمرّ بخبائها بعد حول، وإذا هي ترقص بنيتها منه، وتقول( ) :
ما لأبي حمزة لا يأتينا
يظلّ في البيت الذي يلينا

غضبان أن لا نلد البنينا
تا لله ما ذلك في أيدينا

وإنما نأخذ ما أعطينا

فلمّا سمع الأبيات مرّ الشيخ( ) نحوهما حُضْراً حتى ولج عليها الخباء وقبّل بنيتها وقال: ظلمتكما ورب الكعبة.
فمثل هذا الموقف الإيجابي الذي أوجده هذا الرجز قضى على فرق ما بين الذكر والأنثى، وأصلح ما أفسدته العقلية الأعرابية، وهي تريد من المرأة ألاّ تلد البنات.
وهذه العقلية القاصرة بمفهومها نقدها القرآن الكريم( ) وفضحها ثم حاربها الإسلام مجملاً، ولكنها بقيت في الذهنية العربية، فكان لمثل هذا الشعر دور كبير في كشفها وفضحها وتبصير الرجال بالقيمة الإنسانية للمولود أياً كان جنسه.
وقد برع النسوة في كشف سلبيات الرجال، ولفت النظر إلى حقهن بإيجابية شعرية فعالة:
إن امرأة أتت عمر بن الخطاب (رض) فقالت: يا أمير المؤمنين إن زوجي يصوم النهار، ويقوم الليل، وأنا أكره أن أشكوه وهو يعمل بطاعة الله، فقال لها عمر: نعم الزوج زوجك. فجعلت تكرر عليه القول، وهو يكرر عليها الجواب، فقال له كعب بن سور الأزدي( ) يا أمير المؤمنين، هذه امرأة تشكو زوجها في مباعدته إياها عن فراشه فقال له عمر (رض) كما فهمت كلامها فاقض بينهما، فقال كعب:
عليّ بزوجها، فأتى به فقال له: امرأتك هذه تشكوك، فقال الزوج أفي طعام أو شراب؟ فقال كعب: لا في واحد منهما، فقالت المرأة( ) :
يا أيها القاضي الحكيم أرشده
ألهى حليلي عن فراشي مسجدُهْ

زهّده في مضجعي تعبده
نهاره وليله ما يرقُدُهْ

فلست من أمر النساء أحمده
فاقض القضاء يا كعب لا تُرَدِّدُهْ

فقال الزوج:
زهدني في قربها وفي الحجل
أني امرؤ أذهلني ما قد نزل

في سورة النحل وفي السبع الطول
وفي كتاب الله تخويف جلل( )

فقال كعب:
إن لها حقاً عليك يا رجل
نصيبها في أربع لمن عقل

فأعطها ذاك ودع عنك العلل

لقد أدرك كعب بفطنته قصد المرأة وغايتها، وحين جلست وزوجها للمقاضاة كشفت سلبياته وإهماله لها في الحديث عن الإيجابي من أعماله، وحملت القاضي والمتهم برجزها عن سلوك الدرب ذاته، فحققت الغاية دون حرج أو جرح.
وقد أثر هذا الشعر الذي يريد أصحابه من ورائه حاجات لهم عامة أو خاصة في شخص أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فكان يستجيب لما يراه فيه من صواب.
فقد كان في المدينة رجل يسمّى جعدة، ويرّجل شعره ويتعرّض للنساء المعزبات، فكتب رجل من الأنصار كان في الغزو إلى عمر بن الخطاب (رض):
ألا أبلغ أبا حفصٍ رسولاً
فدىً لك من أخي ثقةٍ إزَاري

قلاَئِصنَا هداكَ الله إنّا
شُغْلِنا عنكم زمنِ الحصارِ

يعّقلُهنَّ جَعْدٌ شَيْظَمِيٌّ
وبئسَ مُعقِّلُ الذَّوْدِ الظَّوارِ

فكنى بالقلائص عن النساء وعرض برجل يقال له جعدة. فسأل عنه عمر فدلّ عليه، فجز شعره ونفاه عن المدينة( ) إلى خراسان. وحقق الرجل مراده بهذه القطعة التي أفاد بها عامة المسلمين الذين كانوا في الغزو وقد خلفوا نساءهم معزبات في المدينة. وسمع عمر امرأة في الطواف تقول:

فمنهُنَّ مَنْ تُسْقى بعذب مُبَّردٍ
نُقَاخ فتكلمْ عند ذلك قَرَّتِ

ومنهنَّ من تُسْقَى بأخضرَ آجنٍ
أُجاج ولولا خشيةُ الله فَرَّتِ

ففهم شكواها، فبعث إلى زوجها فوجده متغير الفم فخيره بين خمسمائة درهم وطلاقها. فاختار الدراهم فأعطاه وطلقها( ) . وحققت امرأة أمراً خاصاً كانت تعتبر تحقيقه محالاً.
وربما كان الشعر قادراً على تحقيق مآربه في أمور مهمة كالعودة من الجهاد. فقد أنشد المخبّل السعدي( ) أبياتاً لعمر بن الخطاب (رض) يظهر فيها الضرر الذي أصابه من جراء ذهاب ابنه شيبان لحرب الفرس مع سعد بن أبي وقاص: وكان قد أسن وضعف ولم يملك صبراً عن ابنه فاستجار بشعره فأجاره وحقق الغاية في قوله:
إذا قال صحبي يا ربيع ألا ترى؟
أرى الشخصَ كالشخّصينِ وهو قريبُ

ويخبرني شيبان أن لن يعقني
تعقُّ إذا ما فارقتني وتَحوبُ

فرّق له عمر، وكتب إلى سعد يأمره أن يرد شيبان إلى أبيه، فرده إليه ولم يزل عنده حتى مات( ) . وقد حمل هذا وأمثاله عمر بن الخطاب أن ينهى من لهم آباء شيوخ يعولونهم عن الهجرة براً بهم.
وقد أدرك حرثان بن الأسكر أثر هذا الشعر في عمر ففرغ إليه يشكو هجرة ابنة كلاب إلى حرب الفرس، وهو يقول:
لمن شيخان قد نشدا كلاباً
كتاب الله إن حفظ الكتابَا( )

إذا هَتَفَتْ حمامةُ بَطْنِ وجٍّ
على بَيْضَاتِها ذكَرَا كلابَا

تركت أباكَ مُرْعَشَةً يداه
وأمُّكَ ما تُسيغ لها شرابَا

فأمر باشخاصه إليه( ) . ومثل هذا الشعر الذي يحقق الغاية في إطار صلاحها كثير في العصر الإسلامي( ) .
وقد توصل الحطيئة إلى حاجته في الخلاص من سجن عمر والعودة إلى أولاده بالكلام المتخير كما يبلغ ذلك الخطيب بخطبته، فأفلح في مسعاه حين ذكر أن حبسه قد حال بينه وبين الاهتمام بأولاده، وهو يخاطب عمر بن الخطاب، ويحجّه:
ماذا تقول لأفراخٍ بذي مَرَاخٍ
زُغْبِ الحواصل لا ماءٌ ولا شَجَرُ

ألقيتَ كاسبهَمُ في قعَر مُظْلِمَةٍ
فاغفرْ عليك سلامُ الله يا عمَرُ

فلان لـه قلب الخليفة، وعفا عنه بعد أن أخذ عليه العهد ألا يعود إلى الهجاء، ويقال إنه اشترى منه أعراض المسلمين بثلاثة آلاف درهم( ) .
وقد ظل الأمراء طويلاً يستجيبون لمطالب الشعراء، وكان هذا النوع من الشعر قادراً على تلبيات رغبات كثيرة كتلك التي أنشدها المخبّل السعدي في أيام الأمويين، فيحل مشاكل خاصة ربما عجز كثيرون عن حلّها.
كانت امرأة من أهل الشام، وكان بالسند، فجمر، والتجمير أن يترك في البعث ولا يرد، فصانعت في إذنه، فأعياها، وطلبت حتى شهرت فقال لها قائل: هل لك فيمن إن طلب لك أُذن لابنك وهو أيسر من تطلبين كلاماً؟ قالت: وددت ذاك، قال الفرزدق، قالت: من لي به، وهو بالبصرة؟ قال: اركبي الساعة سفينة حتى تأتي البصرة فسلي عن منزلة فقولي: إني عذت بقبر غالب. فإذا سألك، فأخبريه، ففعلت، فأتته وهو في البيت، فلما قيل له امرأة بالباب تسأل عنك كاد يطير من الفرح، ووثب يعدو إليها، فلما رأته قالت: إني عذت بقبر غالب.
قال: وما حاجتك؟ قالت ابن لي ليس لي ولد غيره قد جُمّر بالسّند، وقد صانعت فيه فأعياني ذلك، وأخبرته بما قيل لها فيه فقال: يا غلام هات رقاً ودواة، وقال: ما اسم ابنك؟ قالت:
خنيس، فقال الفرزدق، وكتب بها إلى عامل الناحية التي ابنها فيها( ) :
كتبت وعجلتُ البَراءَةَ، إنَّني
إذا حَاجَةٌ طالبْتُ عَجَّتْ ركابُهَا

وَلِي ببلادِ الهند، عند أميرها،
حوائِجُ جَمّاتٌ، وعندي ثوابُهَا

فَمِنْ تلك: أنّ العامريّة ضمّها
وبَيْتَي نَوَار، طابَ منها اقترابتُها

أتتني تهادى بَعْدَما مالت الطُّلى،
وعندي رَواحُ الجوف فيها شرابُها( )

فقلت لها: إيِهِ اطلبي كلَّ حاجةٍ
لَدَيَّ، وخفَّتْ حاجَةٌ وطلابُهَا

فقالتْ: سوى ابني لا أطالبُ غيرَه،
وَقَدْ بك عَاذَتْ كلَثَمٌ وغلابُها( )

تميمَ بنَ زيدٍ‍! لا تهونَنَّ حاجتي
لَدَيْكَ، ولا يعيا عَليَّ جَوابُهَا

ولا تقلبن ظهراً لبطن صحيفتي،
فشاهدُ هاجيها عليك كتابُهَا

وَهَبْ لي خُنَيْساً واتّخذ فيه مِنّةً
لِحَوْبَةِ أمٍ ما يسوغُ شَرابُها( )

ثم قال: أعندكِ رسول؟ قالت: نعم! فسرحت به رسولاً.
فلما قدم كتابه على تميم سأل عن الرجل، ولم يزل يبحث عنه حتى قيل له: هو من مرابطة التاكيان، فكتب فيه حتى أتوا به، فسأله ما بينك وبين الفرزدق؟ فقال: ما يعرفني. قال: فإنه قد كتب فيك. وحمله البريد وكساه، وبعث معه رسولاً وقال: ادفعه إلى الفرزدق، فقدم به إلى البصرة فقال: "النجاء إلى أمك( ) ".
-على صعيد القبيلة:
جاء الإسلام، والمجتمع العربي، قبلي، فيه كثير من السلبيات التي راح يحاربها الدين الجديد. وقد نهى الإسلام عن التنابذ بالألقاب التي كانت تجلب العار والخجل لأصحابها، فقال تعالى:
ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان( ) .
وكان بعض الشعر الإيجابي عاملاً مساعداً في القضاء على تلك الألقاب السيئة، التي تقلل من شأن القبيلة وأفرادها.
فالرجل من بني أنف الناقة( ) كان إذا قيل له: ممن الرجل قال: من بني قريع، فما هو إلا أن قال الحطيئة:
قومٌ هم الأنف والأَذْنَابُ غَيْرَهُم
وَمَنْ يُسَاوِي بأنف النّاقةِ الذَّنَبَا

فصار الرجل منهم إذا قيل له: ممن أنت؟ قال: من بني أنف الناقة( ) .
وربما أدى الهجاء غرضاً إيجابياً على نقيض ما يتصور، قتلت عشيرة الحارث بن عوف المرّى داعياً الرسول  ، فقال حسان بن ثابت فيه، وفي عشيرته( ) :
إن تغدروا فالغَدْرُ منكم شيمَةٌ
وَالغَدْرُ ينبت في أصول السَّخْبَرِ( )

وحين سمع الحارث قوله بكى من هجائه بدموع غزار، واستجار بالرسول  متوسلاً إليه أن يكفه عنه( ) . فأدى الغرض وفرض الدين وبلغ الشعر الإيجابي على مستوى القبيلة- مبلغه المطلوب حين جمع شمل قوم كادت العصبية أن تفتك بهم، "فقد كان من الأشعث بن قيس، شيء عند عزل عليّ إياه عن الرياسة، وذلك أن رياسة كندة وربيعة كانت للأشعث، فدعا علي حسان بنَ مخدوج( ) ، فجعل له تلك الرياسة فكتم في ذلك أناس من أهل اليمن، منهم الأشتر( ) ، وعدي الطائي وزفر بن قيس وهانئ بن عروة، فقاموا إلى علي فقالوا: يا أمير المؤمنين، إن رياسة الأشعث لا تصلح إلا لمثله، وما حسان بن مخدوج مثل الأشعث. فغضب ربيعة( ) ، فقال: حريث بن جابر( ) :
يا هؤلاء، رجل برجل، وليس بصاحبنا عجز في شرفه وموضعه، ونجدته وباسه، ولسنا ندفع فضل صاحبكم وشرفه، فقال النجاشي( ) في ذلك:
رضينا بما يرضى عليٌّ لنا به
وإن كانَ فيمَا يَأْتِي جدعُ المناخِرِ

وصيُّ رسول الله من دون أهله
ووارثهُ بَعْدَ العموم الأَكابرِ

رضي بابن مخدوج فقلنا الرّضا به
رضاك وحسّانُ الرِّضا للعشائِرِ

ولِلأَشْعَثِ الكندي في الناس فضله
توارثه من كابرٍ بعد كابِرِ

وليس لنا إلا الرضا بابن حرة
أشمَّ طويل الساعدين مهاجِرِ( )

يمثل هذا الشعر الانقياد للقائد على حساب جدع المناخر العصبية ولم لا فالقائد هو وصي رسول الله، وقد رضي بحسان، وما على الآخرين إلا الرضا به، وهذا لا يعني إنكاراً لفضل الأشعث الكندي في الناس، لكنها الكلمة الطيبة التي تغسل القلوب من أدران الجاهلية.
كما يمثل هذا الشعر ذوبان العصبية عند وجود القائد الفذ القائد المحبوب، وهذا الوجه الإيجابي يفرض نفسه على مرَّ الدهور وكرّ العصور. إن هذا المنطوق الذي يتجاوز العصبية القبلية ولدته قيادة حكيمة، ولا شك أنه لو أتيح لكل أمة ممزق أوصالها قائد له من الحب في قلوب شعبه كما كان للإمام علي في تلك الوقعة لتغلبت الأمة على انقسامها الذاتي انصهاراً في بوتقة الوحدة، سيما وأن التعصب القبلي أقوى بكثير من انقسام الأمة.
ومن الشعر الإيجابي ما يحقق النصر لقوم على آخرين، ويعمل عمله النفسي في عقلية القوم المعادين تماماً كما يفتك (الطابور الخامس) بالقوم من داخلهم ويساعد على تحقيق النصر.
فمن هذا شعر قاله معاوية( ) بن الضحاك بن سفيان، وكان مبغضاً لمعاوية وأهل الشام. وله هوى مع أهل العراق وعلي بن أبي طالب، وكان يكتب بأخبار معاوية إلى عبد الله بن الطفيل( ) العامري ويبعث بها إلى علي، فبعث إلى عبد الله بن الطفيل: إني قائل شعراً أذ عُربِهِ أهل الشام وأرغم به معاوية. وكان معاوية لا يتّهمه، وكان له فضل ونجدة ولسان، فقال ليلاً ليسمع أصحابه ويزعج أهل الشام حين ذكروا أن علياً أظهر أنه مصبح غداً معاوية ومناجزه، فبلغ ذلك معاوية ونزع أهل الشام لذلك وانكسروا، قال( ) :
أَلا لَيْتَ هذا الليل أطبق سرمداً
علينا وأنّا لا نرى بعده غدَاً

ويا ليته إن جاءنا بصباحهِ
وجدنا إلى مجرى الكواكب مَصْعدَا

حذار عليّ إنّه غيرُ مُخْلف
مدى الدَّهر ما لبّى المُلبُّون، مَوْعِدَا

فأمّا قراري في البلاد فليس لي
مقام ولو جاوزت جَابُلْقَ مصعدا( )

كأنّي به في النّاس كاشف رأسهِ
على ظهر خوّار الرِّخالة أَجْرَدَا

يخوض غمار الموت في مرحجنّة
ينادون في نقع العجاج محمَّدَا

فوارسُ بدرٍ والنَّصر وخيبرَ
وأُحْد يُردُّون الصَّفيْحَ المهنّدَا

ويوم حُنينٍ جالدوا عن نبيّهم
فريقاً من الأحزابِ حتّى تبدَّدا

وبعد أن يوقع هيبة الإمام في نفوس القلوب ليخلع قلوبهم وهو يعدد مآثره يوجه كلامه لمعاوية:
فَقُلْ لابن حَرْب ما الذي أنت صانع
أتثبت أم ندعوك في الحرب قعْدُدَا( )

وظني بأن لا يصبرَ القوم موقفاً
يقفهِ وإن لم يُجْرِ في الدَّهر للمَدَى

فلا رأي إلا تركنا الشام جهرةً
وإِنْ أَبْرَق الفجفاج فيها وأَرْعَدا( )

فلما سمع أهل الشام شعره أتوبه معاوية فهمّ بقتله، ثم راقب فيه قومه وطرده عن الشام فلحق بمصر. وندم معاوية على تسييره إياه..
وقال: "والله لقول السُّلمي أشد على أهل الشام من لقاء علي، ما له –قاتله الله- لو أصاب خلف جابلق مصعداً نفذه( ) .
وبعودة العصبية القبلية عادت الشاعر مكانته وعادت القبائل تحتمي بشعرائها بدل أن تلوذ بالحكومة لتحميها من لسان الشعراء ولا بد من الاعتراف بعجز حكومة الأمويين عن حماية القبائل من ألسنة الشعراء الْحِدَاد، لأنها هي التي تبنت هذا الأسلوب من أيام هجاء الأخطل للأنصار برأي يزيد بن معاوية وتحت حمايته، فكان لا بد للقبائل من شعراء تحميها من الهجّائين أو المعتدين.
فَمِن حمى قبيلته زياد الأعجم( ) ، وذلك أن الفرزدق هم بهجاء عبد القيس فبلغ ذلك زياداً وهو منهم، فبعث إليه: لا تعجل وأنا مهد إليك هدية، فانتظر الفرزدق الهدية، فجاءه من عنده:
فما ترك الهاجون لي إِنْ هَجَوْتَه
ممأ أراه في أديم الفرزدقِ

ولا تركوا عظماً يرى تحت لحمه
لكاسره أبقوه للمتعرقِ

سأكسر ما أبقوا له من عظامه
وأنكت مخ الساقِ منه وأنتقي

فإنّا وما تُهدي لنا إن هجوتنا
لكالبحر مهما يُلْقَ في البحر يغرقِ

فلما بلغته الأبيات كف عما أراد، وقال: لا سبيل إلى هجاء هؤلاء ما عاش هذا العبد فيهم.
ولم يكن بعض الشعراء نافعاً للقبيلة فحسب، فقد ينقذ الشعر صاحبه من مأزق يقع فيه أو سجن يقذف به كما في حكاية ابن شهاب الزهري عن يزيد ابن عبد الملك، فقد دعاه ذات مرة بعد مضي شطر الليل فرآه الخليفة فزعاً، فقال: لا بأس عليك اجلس، فجلس، واندفعت جاريته حبابة تغني:
إذا رُمْتُ عنها سلوةً قال شافعٌ
من الحبّ: ميعاد السلوّ المقابرُ

سَتَبقى لها في مُضْمَرِ القَلْبِ والحشا
سريرةُ حبٍّ يوم تُبْلى السَّرائِرُ

فسأله يزيد: لمن هذا الشعر؟ فقال له: للأحوص( ) ، قال: ما فعل الله به؟ فقال له: إنه محبوس، فكتب من ساعته بإطلاقه، وأمر له بأربعمائة دينار، وقدم إليه فأحسن جائزته( ) .
ومن الحق القول بأن الوجه الإيجابي هنا فردي ذاتي، وهو من أدب القصور المقيّد بالأغلال السلبية فإذا كان الأحوص ارتكب إثماً سجن عليه فإنه لا يحق ليزيد بن عبد الملك إطلاقه متناسياً إِثْمَهُ لمجرّد أنه أعجب بالبيتين وطرب لهما، فهي السلبية وهو السلبي من وجهة أخرى.
التنديد بالفساد وفضح المرتشين( ) :
جاء الإسلام بعالم شامل للحياة الفكرية والمادية، وأرسى بتعاليمه القرآنية قواعد أخلاقية متينة، من فهمها واستوعبها، فإنه لن يخضع بأخلاقه لنتائج التفاعلات الاقتصادية في المجتمع. ومن لم يفهمها ولم يأخذ بها فإنه معرض لاهتزاز واضطراب كبير في أخلاقه ومن ثمة معاملاته. فكلما تغيرت علاقات الإنتاج تغيرت معها قيمه الأخلاقية التي يحملها. وهذا التغير قد يكون إيجابياً، وقد يكون سلبياً فيعم الفساد وتظهر الرشوة.
والرشوة( ) هي الاستعانة بالمال يقدم إلى الحكام أو المسؤولين على أكل أموال محرمة.
وقد حرمه القرآن الكريم في قوله تعالى: ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون( ) .
"ويظهر في الآية نهي عمّا نسميه حديثاً (الرشوة) فالشريعة تحرم الرشوة التي هي الإدلاء بالأموال للحكام، لغرض التسهيل، أي ليسهل الحكام للراشين أكل أموال الآخرين بالإثم عن علم.. وسمى تلك الأموال المأكولة، بناء على الرشوة، "فريقاً من أموال الناس كأنما يشخص المال المأكول، ليتذكر الراشي والمرتشي: أن عملهم كاغتيال الأحياء وأكل لحومهم( ) ".
وكي يحمي الإسلام ولاة المدن والحكام عامة الذين يتولّون شؤون الدولة، أجرى لهم أرزاقاً معلومة، واعتبر أخذ الزيادة غلولاً، كما في قول الرسول : [من استعملناه على عمل، فرزقناه رزقاً فما أخذ بعد ذلك فهو غلول( ) ].
كما أمن له زوجةً، وخادماً يقوم على خدمته، ومسكناً، وأكد أنه سارق، أو غال أن اتخذ غير ذلك. وقد أكدت الشريعة أحقيّة هذه الحاجيات في قول الرسول : "من كان لنا عاملاً ليكتسب زوجة، فإن لم يكن له خادم، فليكتسب خادماً، فإن يكن له مسكن فليكتسب مسكناً، ثم قال: من اتخذ غير ذلك فهو غال أو سارق( ) ".
فالإسلام لم يهمل أمر الولاة والحكام كي يستقيم أمرهم بين الناس ويكونوا حراساً أمناء لدين الناس ودنياهم. فإذا تجاوزوا ما فرضه الإسلام لهم، وجدوا بين الشعراء الحريصين على مصالح الشعب من يرفع أمرهم إلى الخليفة شعراً فاضحاً ليقتص منهم.
ويبدو أن الصراع قديم بين بعض الولاة الفاسدين والشعراء، وعلى الرغم من كل المعلومات التاريخية التي تذهب إلى تأكيد العدالة والحق في عهد عمر ابن الخطاب، فقد حدث الفساد في بعض نواحي الفتح.
ففي خبر صدّر به أبو عبيدة( ) كتاب "منافع الشعر ومضاره". قال: كتب يزيد بن قيس( ) الصعق الكلابي إلى عمر رضي الله عنه( ) :

أَبْلغْ أميرَ المؤمنين رسالةً
فَأَنْتَ أمينُ الله في النَّهْي وَالأَمْرِ

وَأَنْتَ أَمِيْنُ الله فيْنَا وَمَنْ يَكُنْ
أميناً لربّ النّاس يَسْلَم له صَدْرى

فلا تَدَعَنْ أَهْلَ الرَّساتيق والقرى
يضيعونَ مالَ الله في الأدم الوْفَرِ( )

فأرسل إلى الحجاج( ) فاعرف حسابه
وأرسل إلى جَزْء( ٍ) وأَرْسِلْ إلى بِشْر( ِ)

وتَنْسَيَنَّ النَّافِعيْن( ِ) كِلَيْهِمَا
ولا ابنَ غلاّبٍ( ) من سراة بنيَ نَصْرِ

وما عاصمٌ( ) منّا بصفرٍ عنانْه
وذاك الذي في السّوقِ مَوْلَى بني بَدْرِ( )

وأرسل إلى( ) النّعمان وابن مغفّلٍ( )
وصهر( ) بني غزوانَ إنّي لَذو خُبْرِ

وشبلٍ( ) هناك المال وابنِ مُحرِّشٍ( )
وَقَدْ كانَ في أَهْلِ الرَّسَاتيقِ ذا ذِكْرِ

فأرسل إليْهم يَصْدُقُوكَ ويُخْبِرُوا
أحاديث هذا المال ذي العَلَم الدَّثْرِ

فقاسِمْهُمُ، نفسي فِدَاؤُكَ، إنَّهمُ

سَيَرْضَوْنَ إن قاسَمْتَهُمْ منك بالشَّطْرِ

ولا تَدُعَونِّي للشهادة إنَّني
أعيبُ ولكنّي أرى عجَبَ الدَّهْرِ

أَرَى الحُوْر كالغزلانِ والبيضَ كالدُّمى
وما ليس يُحْصَى من قِرام ومن سِتْرِ( )

ومن رَيْطَةٍ مَكْنُونَةٍ في صيانها
ومن طيِّ أستارٍ مُعَصْفِرَةٍ حُمْرِ( )

إذا التّاجر الداريّ جاء بفارةٍ
من المسكِ راحت في مَفَارِقِهمْ تَجْرِي

نؤُوب إذا آبوا وَنَغْزُوا إذا غزوا
فَأنَّي لَهُمْ وَفْرٌ ولسنا ذوي وُفْرِ

فلما قاسمهم عمر أموالهم أجاب الكلابيَّ، الحارثُ الغلابيُّ:
أبِلغْ أبا المُخْتَارِ إمّا لَقْيتَهُ
فقد كان ذا قربى إليك وذا صَهْرِ

فما كانَ مالي من جبايةِ خَائِنٍ
فتجعلنَي مما يؤلّف في الشّعرِ

ولكِنْ عَطَاءُ الله في كلّ ركبةٍ
إذا الخيلُ جَالَتْ بالمثقّفةِ السُّمْرِ

وصَبرى إذا حَادَ النّجِيْدُ عن الْوَغَى
وَأَمْرِي إذا حارَ المُدَجَّجُ بِالصَّبْرِ

فإن كُنْتَ للنُّصْحِ ابْتَغَيْتَ قصيدَةً
فإنّ لدى الله المُثوبَةَ بالأَجْرِ

وَإِنْ كَانَ عَنْ بَغْيٍ وفرط نفاسةٍ
فشُّربني الحواء ذي النَّيْرَبِ المُغْرِي

ومن غير شك لو لم يكن لقصيدة يزيد الكلابي أثر كبير لما صالح الخليفة عمَّا لَه على أموال أخذها منهم، ولمَا أرسل إليه الحارث الغلابيُّ يعلمه مصدر ثروته. وهذا يدل على الأثر الإيجابي الكبير الذي فعلته قصيدة الكلابي، فقد ظل عمر يسأل عن أموال ولاته، وعن مصدرها فيحاسبهم عليها، ويسترد منها ما أخذوه من بيت مال المسلمين.
ولما قلّد عمر بن الخطاب عمرو بن العاص على مصر بلغه أن قد ظهر له مال كثير من ناطقٍ وصامت فكتب إليه: "أما بعد، فقد بلغني ما ظهر لك من كثرة المال، ولم يكن ذلك في رزقك، ولا كان لك قبل، ذلك فأنّى لك ذلك؟ فو الله لو لم يهمني في ذات الله إلا من أختان مال الله لكثر همي وانتشر أمري، وقد كان عندي من المهاجرين الأولين من هو خير منك، ولكني قلدتك هذا الأمر رجاء غنائك، فإن كان ذلك لك فإنا لا نُؤْثِرَك على أنفسنا، فاكتب إليّ من أين لك هذا المال وعجل"
ثم وجه إليه محمد بن مسلمة، فسلمه شطر ما في يده من مال( ) .
وقد بلغ الشعر ذلك المبلغ بحثاً عن الحق الضائع في مال المسلمين، فصار عبد الرحمن بن حنبل يناقش الخليفة عثمان بن عفان حساب فيء المسلمين، ويتهمة بتبديده، وتوزيعه بين أهله وخاصته:
وأحلف بالله جهدَ اليَمِيْنِ
ما ترك الله أمراً سُدَى

ولكن خلقت لنا فتنة
لكي نبتلي بك أو تُبْتَلى

دعوتَ الطّريدَ فأدنيتَه
خِلاَفاً لما سنّه المُصْطَفَى

وَوَلّيْتَ قرباكَ أَمْرَ العِبَادِ خلافاً لسنّة من قَدْ مضى

وَأَعْطَيْتَ مروانَ خُمْسَ الغليمةِ آثرْتَهُ وَحَمَيْتَ الْحِمَى

ومالاً أتاكَ به الأَشْعَرِيُّ
مِن الْفَيء أَعْطَيْتَهُ مَنْ دَنَا

فإنَّ الأمينيْن قَدْ بيّنا
منارَ الطريقِ عليه الْهُدَى

فما أخذا درهماً غيْلَةً
ولا قَسَماً درهماً في هَوَى

وفي أيام الأمويين كان بعض الولاة يجورون، ويرتشون، مستترين وراء مناصبهم خادعين الشعب، سارقين أمواله، مستخفين بالدين وبتعاليمه مستندين على دعم الخليفة لهم، وقد يفضح الشعراء أمثال هؤلاء، فيصبح لزاماً على الخليفة أن يقيله.
ومن عظيم المقدرات أن يتصدى لهؤلاء الولاة شعراء لم يرهبوا جانب الدولة ولم يخرسوا أصواتهم، أو يسكتوا، فأما طوا اللثام عن وجوه هؤلاء الولاة، وفضحوا سلوكهم الفاسد بوعي ينم عن معرفة واسعة لمجرى الأحداث.
كان معاوية بن أبي سفيان قد نصب عبد الرحمن بن عبد الله الثقفي( ) والياً على الكوفة، فكان سيء السيرة فاسد الأخلاق والدين، ظالماً مهملاً شؤون الفلاحين مما أدى إلى خراب الأراضي الزراعية الخيّرة فلا غلالا ولا مواسم.
وأحسَّ الشعراء بوطأة الفساد، وبموجة الغلاء، فأظهروا غضبهم ونهجوا في شعرهم منهجاً ثورياً، فصوروا مصير العراق، مدركين ارتباط الظواهر الاجتماعية بالبناء العام للمجتمع، فرفعوا أصواتهم يعمقون الإحساس ويفضحون الجوانب السلبية، ويدعون إلى التغيير.
كتب عبد الله بن همام السلولي( ) قصيدة في رقاع، ألقاها في المسجد الجامع في الكوفة جاء فيها:
أَلاَ أَبْلِغْ معاويةَ بنَ صَخْرٍ
فَقَدْ حَزَب السَّوادُ فَلاَ سَوَادَا

أَرَى الْعُمّالَ أقساءَ عَلَيْناً
بِعَاجِلِ نَفْعِهمْ ظَلَمُوا العِبَادَا

فَهَلْ لكَ أن تَدارِكَ مَاْ لَدَيْنا
وتدْفعَ عَنْ رعيّتَكَ الفَسَادَا

وتعزل تابعاً أبداً هَوَاهُ
يخرّب من بَلاَدتهِ الْبِلاَدَا

إذا ما قُلْتَ: أقصر عن هواه
تمادى في ضلالته وَزَادَا

فبلغ الشعر معاوية، فعزله، وولاه مصر، ولكن الجماهير العربية في مصر كانت قد تسلحت برؤية واقعية، فخرج أحد( ) زعمائهم فاستقبله على مرحلتين من مصر، وقال له: ارجع إلى خالك، فلعمري لا تسير فينا سيرتك في إخواننا من أهل الكوفة، فرجع إلى خاله( ) "
تدل تلك المقطوعة الشعرية على نهوض الوعي لدى بعض الشعراء عصرئذ كما تشير إلى فكرة تعميم لهذا الوعي يبرز في حركة عرب مصر الرافضة استقبال عبد الرحمن والياً من قبل الخليفة. وهي شاهد رئيسي على دور الأدب الإيجابي في كشف سلبيات الولاة.
إنها رؤية صادقة للمجتمع عصرئذ دوّنها الشعر الإيجابي، وهذا الأدب" برؤيته الصادقة للمجتمع وبنماذجه وشخصياته الإيجابية يسهم في دفع حركة التقدم في المجتمع غير أنه لن يكون بدلاً من العمل الفعلي الواقعي لتطوير المجتمع وتثويره... إن الأدب قد يحض على الثورة وقد يدفع الجماهير إلى تبني أفكار الثورة، ولكنه وحده لن يصنع الثورة( ) ".
وحديث المنظار التطوري للمصطلح يحل لنا مشكلة الواقعية الجديدة في مثل هذا الشعر الذي يفضح سليبات الولاة والحكام، فأحياناً نقف في نقطة التقاء بين المنظورين، القديم، والحديث. إن فضح الظلم أمر إيجابي في منظور العصرين، والتحلل من تعاليم الدين التي تأمر بالعدل سلبية قطعية عند الأقدمين، ومسألة ثابتة عند من يهمهم العدل أياً كان مصدره حديثاً.
وعبد الرحمن بن عبد الله الثقفي الذي تقترف آثاماً كثيرة بحق الفلاحين في سواد العراق، وبحق الذين والسكان الآمنين فاضح سلبياته هذه المرة حارثة بن بدر الذي يقول عنه( ) :
نهارُهُ في قَضَايَا غيرُ عَادِلَةٍ
وَلَيْلُةُ في هوى سعد بنِ هبّارِ

ما يسمع النّاسُ أصواتاً لهم عرضَت
إلا دَوّياً، دويَّ النَّحل في الغارِ

يدين أصحابه فيما يدينَهم
كأساً بكاسٍ وتكْرَاراً بِتَكْرَارِ

فأصبح النَّاسُ أخلاقاً أضرَّ بهم
حثُّ المطيّ وما كانوا بسُفَّارِ

وثمة أمر هنا، من حيث الرؤية التي ترى مظاهر الفساد وتصورها دون أن تقدم حلاً قاطعاً، سريعاً، ومباشراً، إنها رؤية غير واضحة تماماً أو فلنقل غير مدركة تماماً.
ويبدو أن الفساد قد عمّ وانتشر بين بعض السعاة الذين كانوا يجمعون الزكاة في نجد داخل الجزيرة العربية!.. مما جعل الشاعر الراعي يتضايق، ويوجّه شكوى سريعة إلى الخليفة عبد الملك بن مروان، يصف فيها سنةً مجدبة أصابت قومه بني نمير، ومع ذلك فرض عليهم( ) السّعاةُ فروضاً ثقيلة، وقد جاء في تلك الشكوى( ) .
أخليفةَ الرّحمن إنّا مَعْشَرٌ
حنفاءُ نَسْجِدُ بكْرَةً وأَصِيْلاَ

إن السّعاة عصوكَ يومَ أَمَرْتَهُمْ
وَأَتْوا دَواهِيَ لو عَلِمْتَ وغولا

فادفع مظالمَ عيّلتْ أبناءَنَا
عنّا وأنقذ شِلْوَنَا الْمَأكُوْلاَ

وقد ارتفع هتاف المدّ الثوري لدى بعض الشعراء لدرجة أنه صار يجد واجباً عليه ملاحقة الولاة الظالمين، مصعّداً إحساس الكادحين والناس أجمعين بسوء سيرة ولاتهم الفاسدين، وهذا يعني ضرورة إزالتهم والإطاحة بهم، الأمر الذي يجعل الوالي يفكر أكثر من مرة في مسألة غير شرعية يحاول أن يقدم عليها.
وابن همام السلولي الذي رأيناه ملاحقاً والي معاوية على الكوفة عبد الرحمن الثقفي، يفضحه في كل مكان، كان يؤجج هذه النار في صراع حاسم مع كل الولاة الطغاة، ويأخذ على عاتقه تنمية الوعي لدى الجماهير، ويدرك دوره التاريخي في معارك التحرر والمصير مع السلطة، فيخوضها متخلياً عن همومه الخاصة جاعلاً هموم الجماهير ميدانية الخاص، ويوجه لعبد الله بن الزبير الخليفة القاعد في مكة رسالة عنيفة يشكو فيها عمّاله في العراق، يستهلها بقوله( ) :
يا بنَ الزّبير أميرَ المؤمنين ألم
يبلغكَ ما فعلَ العمَالُ بالْعَمَلِ

باعوا التّجار طعامَ الأرضِ واقتسموا
صُلْبَ الخراجِ شحاحاً قسمة النَّفُلِ

وكي لا يكون حكمنا سريعاً أيضاً نتتبع هذا الخط، فنقف في عهد عمر ابن عبد العزيز على شعراء خرجوا من حالة السلبية، والرؤية القاصرة وأخذوا يحسّون سوء واقعهم، ويرفضونه بعناد ونضال، لينحسر عنهم مدّ الظلم، ويشرق فجر العدالة والسعادة، حيث يقف الشعر حاجزاً أمام ظلم الولاة.
والشاعر رجل ثائر أمام الخليفة يقدم له الحقائق، ويدعوه إلى تجريد السيف، وجلد رقاب العمال الذئاب الذين ينهشون أموال الأمة وأعراضها. كما في موقف كعب الأشقري( ) وهو يخاطب( ) عمر بن عبد العزيز:
إنْ كُنْتَ تحفظ ما يليكَ فإنّما
عمالُ أَرْضِكَ بالبلادِ ذئَابُ

لن يستجيبوا للذي تدعو له
حتى تُجلَدّ بالسيوفِ رقابُ

بأكفّ منصلتين أهل بصائرٍ
في وقعهن مزاجرٌ وعقابُ( )

ويبدو أن ظلم بني أمية شيء متفق عليه تاريخياً، فقد رأى الطبري( ) في تاريخه بعض روايات عن الولاة الأمويين المقيمين على شؤون الخراج والزكاة أنهم كانوا يستغلون وظائفهم في جمع ثروات ضخمة غير مراعين إلاَّ ولا ذِمّةً. فالمهلّب بن أبي صفرة مثلاً، حين صرفه الحجاج ابن يوسف الثقفي عن الأهواز، كان قد احتجن لنفسه من بيت المال ستة آلاف ألف درهم( ) .
ويقال: إن راتب خالد القسري في ولايته على العراق كان عشرين ألف ألف درهم، ولم يكن يكفيه كل هذا الراتب، إذ كان يستصفي لنفسه- بوسائل غير مشروعة- ما يزيد على مئة ألف كل عام وقد استخرج منه ومن موظفيه يوسف الثقفي حين ولّى يده العراق سبعين ألف ألف( ) .
وكأنه قد صار معلوماً لدى الناس قاطبة أن الولاية على الأمة أصبحت طريقاً للسلب والنهب، والسرقة والخيانة والغنى العريض حتى نسمع أنس بن أبي أناس( ) يقول( ) لحارثة بن بدر التميمي حين ولى على (سرق) إحدى كور الأهواز:
أحارِ بنَ بَدْرٍ قد ولّيْتَ إمارَةً
فَكُنْ جُرَذاً فيها تَخونُ وَتَسْرِقُ

وحين جاء عمر بن عبد العزيز أمر برفع المظالم، وإلغاء الشتائم( ) ، ورَفع ألوان الضرائب الاستثنائية، كما أمر بحط الجزية عمن أسلم من العوالي، وأرسل إلى الأطراف عمالاً جدداً ينفذون سياسته في إدارة الولايات بحرية يختارونها، لا يشاورونه إلاّ في أهم المهمات مما يشكل عليهم أمره( ) .
كان لهذه السياسة خطرها إذ استغلها هؤلاء الولاة، فنبذوا الكتاب واستحلوا المحارم، فارتفعت شكوى الشعراء، ونددوا بفساد هؤلاء العمال وبظلمهم.
وكان بعض من هؤلاء الشعراء يندد بسياسة عمر بن عبد العزيز فبي هؤلاء الولاة، ويرحل إلى الشام ليرفع ظلامة إثر ظلامة، وربما كان على المنبر فدخل عليه رجل، فقال:
إنّ الذينَ بعثْتَ في أَقْطَارِهَا
نَبَذُوا كتابِكَ واسْتحِلَّ الْمحرَمُ

طلسُ الثّيابِ على منابرِ أَرْضِنَا
كلٌّ يجورٌ وكلُّهم يتظلَّمُ( )

وإنما كنى بغبرة الثياب عن قذارة نفوسهم فهم طلس الثياب، وهم ظلمةٌ جائرون.
ربما تبادر إلى ذهن العربي المعاصر أنها صيحات غضب عقيمة، وهذا في منظورنا المعاصر. ولا شك أن سبب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://genieboujdour.123.st
 
الإيجابية والسلبية في الشعر العربي بين الجاهلية والإسلام -تتمة6-
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى فريق جيني بوجدور :: منتدى دراسة الشعر-
انتقل الى: