منتدى فريق جيني بوجدور
شكرا على زيارتكم

منتدى فريق جيني بوجدور

التربية والتعليم
 
الرئيسيةالتسجيلدخول
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
» ما هو الكوتيزون ؟
الثلاثاء 11 سبتمبر 2012, 3:24 am من طرف أبوعمر

» الإنسان كلٌ واحد: رؤية تكاملية للمنهج
السبت 04 أغسطس 2012, 11:57 am من طرف سعاد

» كيفية التعامل مع المراهقين
السبت 04 أغسطس 2012, 9:57 am من طرف سعاد

» كيف نتعامل مع الطفل العصبي ؟
السبت 04 أغسطس 2012, 9:50 am من طرف سعاد

» دروس في مادة الرياضيات
الجمعة 24 فبراير 2012, 12:01 pm من طرف islam fajr

» مصوغات برنامج التكوين جيني مساهمة الأستاذ hssini
الجمعة 13 مايو 2011, 9:55 am من طرف naimamz

» إنجازات عمر بن الخطاب الحضارية رضي الله عنه (نقلا عن موقع ينابيع التربوية )
الثلاثاء 22 مارس 2011, 4:51 pm من طرف JAMAL

» موقع مدرسة النهضة بوجدور
الثلاثاء 22 مارس 2011, 4:08 pm من طرف JAMAL

» دعاء مستجاب إنشاء الله
الثلاثاء 22 مارس 2011, 12:48 pm من طرف JAMAL

المواضيع الأخيرة
» ما هو الكوتيزون ؟
الثلاثاء 11 سبتمبر 2012, 3:24 am من طرف أبوعمر

» الإنسان كلٌ واحد: رؤية تكاملية للمنهج
السبت 04 أغسطس 2012, 11:57 am من طرف سعاد

» كيفية التعامل مع المراهقين
السبت 04 أغسطس 2012, 9:57 am من طرف سعاد

» كيف نتعامل مع الطفل العصبي ؟
السبت 04 أغسطس 2012, 9:50 am من طرف سعاد

» دروس في مادة الرياضيات
الجمعة 24 فبراير 2012, 12:01 pm من طرف islam fajr

» مصوغات برنامج التكوين جيني مساهمة الأستاذ hssini
الجمعة 13 مايو 2011, 9:55 am من طرف naimamz

» إنجازات عمر بن الخطاب الحضارية رضي الله عنه (نقلا عن موقع ينابيع التربوية )
الثلاثاء 22 مارس 2011, 4:51 pm من طرف JAMAL

» موقع مدرسة النهضة بوجدور
الثلاثاء 22 مارس 2011, 4:08 pm من طرف JAMAL

» دعاء مستجاب إنشاء الله
الثلاثاء 22 مارس 2011, 12:48 pm من طرف JAMAL

ازرار التصفُّح
 البوابة
 الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 بحـث
ازرار التصفُّح
 البوابة
 الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 بحـث
منتدى
منتدى
التبادل الاعلاني
التبادل الاعلاني

شاطر | 
 

 الإيجابية والسلبية في الشعر العربي بين الجاهلية والإسلام -تتمة5-

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أبوعمر
Admin


عدد المساهمات : 81
تاريخ التسجيل : 16/12/2010
العمر : 40
الموقع : www.genieboujdour.123.st

مُساهمةموضوع: الإيجابية والسلبية في الشعر العربي بين الجاهلية والإسلام -تتمة5-   السبت 15 يناير 2011, 11:12 am

الفصــل الثاني

المفاهيـــم الســــلبيـّـة

1- المناحي الاجتماعية
* شعر الفتن
* شعر التحريض
* العصبية القبلية
2- المناحي الفكريّة
* مفاهيم جاهلية
* الاستخفاف بالدين
3- المناحي الاقتصاديّة
* التواكل
* المديح الكاذب
* سرقة أموال الدولة
4- المناحي التربويّة
* ما يؤذي التربية عامة
* توجيه السلوك الاجتماعي والأخلاقي بشكل خاطئ.
* تصعيد النزوات.
* التقليل من قيمة المعلم
* ذكر الضحايا والدماء واليتم والموت والدمار.
* ذكر العفاريت والجن والأشباح




المناحي الاجتماعية

شعر الفتن والتحريض:
من المفروض أن يكون الشعر في صدر الإسلام ممثلاً لروحه وأخلاقه فقد تأثر المسلمون بأدب القرآن وبلاغته، فأصبح الشعر العربي بعد ظهور الإسلام يغاير قليلاً أو كثيراً الشعر الجاهلي، ويصور عقلاً غير العقل الجاهلي.
غير أن بعض الشعراء خاض في نوع من الشعر ذي المردود السلبي فكان يثير الفتن وينمّي الضغائن.
والغريب أن يخوض شاعر الرسول، حسان بن ثابت( ) في مثل هذا الحديث فيحرّض طرفاً من المسلمين على طرف آخر، ويحث أهل الشام على قتال المسلمين وكأنها الجاهلية الجهلاء، يقول في رثاء عثمان بن عفان:
مَنْ سَرَّهُ الموت صرفاً لا مِزاجَ له
فَلْيَأْتِ مأدُبةً في دار عثمَانَا

ضَحَّو بأشمطَ عُنوانُ السُّجودِ بهِ
يُقَطِّعُ اللَّيْلَ تَسْبِيْحَاً وقُرْآنَا

لتَسْمَعَنَّ وَشِيْكاً في دِيَارَهُمُ
اللهُ أكبرُ يا ثارَات عُثْمَانا

ويبدو أن مواقف التحريض عند حسان شجعت بعض الناس على اتهامه بقصة الإفك التي دارت حول عائشة زوج الرسول  مما جعله يبادر إلى الاعتذار عمّا نسب إليه( ) فقال:
حصانٌ رزانٌ ما تُزَّنُ برِيْبَةٍ
وتُصْبِحُ غَرْثي من لحوم الغوافلِ( )

فإن كنْتُ قد قلْتُ الذي قد زعمتم
فلا رفعت سوطي إليَّ أنا مِلِي

وقد وجه كلامه الأخير إلى بعض المهاجرين وكانوا برئاسة صفوان ابن المعطل أثاروه في هذا الحادث، حتى وجد وجداً شديد، ولم يجد أمامه وسيلة يدافع بها عن نفسه سوى التحقير من شأنهم فسماهم الجلابيب استصغاراً لشأنهم وقال:
أمسى الجلابيب قد عزّوا وَقَدْ كثروا
وابن الفريعةِ أَمْسى بيضةَ الْبَلَدِ( )

ومن الشعر الذي كان يذكي نار الفتنة، ويحط من شأن الآخرين، هجاء الحطيئة( ) للزبوقان بن بدر( ) .
سار الزبوقان إلى عمر بصدقات قومه، فلقيه الحطيئة ومعه أهله وأولاده يريد العراق فراراً من السَّنةِ وطلباً للعيش، فأمره الزبرقان، أن يقصد أهله وأعطاه أمارة يكون بها ضيفاً له حتى يلحق به ففعل الحطيأة، ولأنه لم يحقق ما يريد نسي حسن الكرمِ، ثم هجاه بقوله( ) :
دَعِ الْمَكَارمَ لا تَرْحَل لبُغْيَتِهَا
واقْعُدْ فَإنّكَ أنْتَ الطّاعمُ الكاسي

وقد كان جشعاً مسؤولاً ملحفاً دنيء النفس، كثير الشر، قليل الخير، بخيلاً، قبيح المنظر، رثّ الهيئة، مغمور النسب، فاسد الدين، وما تشاء أن تقول في شاعر من عيب إلا وجدته فيه، وقلما تجد ذلك في شعره( ) "وقد فهم الدين أنه تعلق بشخص الرسول، وما دام الرسول قد مات، فلا يحق لأحد بعده أن يتابع عقيدته ومبادئه، فخاض في حديث كبير وخطير حرّض فيه الناس ضد أبي بكر وخلافته، وقوى المرتدين في سوء صنيعهم، كما في قوله( ) :
أطَعْنَا رسولَ الله إذ كَانَ بَيْننا
فيا لعبادِ الله مَا لأبي بَكْرِ

أيُورثها بكراً، إذا مات، بعده،
فتلكَ، وبيت الله، قاصمةُ الظَّهْرِ

ومن المؤكد أن أهم سلبيات شعر الفتن إثارة العصبية القبلية.
شعر التحريض:
شعر التحريض هنا أكثر سلبية من الشعر الجاهلي، فالدين الجديد غسل النفوس من أدران الجاهلية، ووضع أسساً جديدة للحياة ودعا إلى الطيب من الكلام ينتشر بين العباد في عامة البلاد، وفي عمق الزمان، ومثل الكلمة الإيجابية الطيبة في قول الله: ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون( ) .
ضرب الله الأمثال للنّاس عامة، والشعراء من الناس، أكثر دقة في فهم المقصود بالكلام الطيب، فكان الرسول  يقول: "إنما الشعر كلام مؤلف، فما وافق الحق منه فهو حسن، وما لم يوافق الحق منه فلا خير فيه"( ) .
وجاء القرآن بتشبيه آخر من الكلام الخبيث وأعقبوه من الكلم المشبه بالشجر الخبيث مثل المقتلع لخبثوه ، فقال تعالى:  ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار( ) .
وبالرغم من معرفة الشعراء مقصود الكلمة الطيبة، وحب الله لها ومقصود الكلمة الخبيثة، وبغض الله لها، فقد سار قسم منهم في هذا الخبيث من الكلم، يحرض المسلمين على بعضهم فيضعف من قوتهم، وينتقص من إيمانهم.
لمّا قامت الفتنة التي انتهت بقتل عثمان بن عفان (رض) صار بعض الشعراء يحرك العصبية، ويحرض معاوية بن أبي سفيان على قتال علي ابن أبي طالب. كما في شعر الوليد بن عقبة( ) الذي أرسله إلى( ) معاوية:
مُعاوى إنَّ الشام شامُكَ فاعتصمْ
بشَامِكَ لا تدخل عليك الأَفَاعِيَا

وإنّ علياً ناظِرٌ ما تُجِيْبُهُ
فَأهْدِ له حَرْباً تشيبُ النَّواصِيَا

أين هذا الكلم مما جاء به الإسلام؟ إنه من الخبيث السلبي ففيه وفي أمثاله حققت الغاية، مدعوماً بقابليات مسبقة. فعلي بن أبي طالب الخليفة الجديد، وأصحابه في رأي الوليد بن عقبة أفاع وما على معاوية إلا أن يهدي له الحرب الضروس.
ويبدو أن قابلية معاوية لهذا الشعر عميقة متينة، فقد استفاد منه وجاءه آخر غيره يقوى من فطرته التي هو عليها في قوله( ) :
أبلغ معاوية بن حرب خطةً
ولكل سائلةٍ تسيل قرارُ

لا تقبلنّ دنيّة تعطونها
في الأمر حتى تقتّل الأنصارُ

وكما تبوء دماؤهم بدمائِكم
وكما تُهدَّم بالدِّيار ديارُ

وترى نساَهم يَجُلْنَ حواراً
ولهنّ من علق الدّماء خوارُ

وحين انتقل الناس إلى حرب صفين، كان لهذا الشعر دور كبير في تأجيج نار الحرب.
وأهم دور لعبه شعر التحريض السلبي في أيامه الأولى أيام حرب صفين، ولا سيما في قصة هذا اليوم تلخص بأن أصحاب معاوية استولوا على مشرب القوم من نهر الفرات، وبقي أصحاب علي يوماً وليلة بلا ماء فقال رجل من السكون من أهل الشام يعرف بالسليل بن عمرو( ) يا معاوية:
اسمع اليوم ما يقول السليلُ
إنّ قولي قولٌ لـه تأويلُ

امنع الماء من صحاب علي
أن يذوقوه والذليل ذليلُ

واقتل القومَ مثل ما قُتل الشـ
يخُ ظمأً والقصاص أمر( ) جميلُ

فحديث الكلم الخبيث غير بعيد عنّا، اذكره واسمع قوله: "امنع الماء من صحاب علي"، وقوله "الذليل ذليل" ثم تعريضه بقتلة عثمان تحريضاً. أين هذا من تعاليم الإسلام التي جاءت لمثل هذا الموقف متمثلة في قوله تعالى: وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما، فإن بغت إحدهما على الأخرى، فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله( ) .
نسي الشامي الشاعر كلام الله هذا، فحرض وحرض حتى قال معاوية: "لا سقاني الله ولا سقى أبا سفيان إن شربوا منه أبداً حتى يقتلوا بأجمعهم عليه( ) ".
ثم نجم عن هذا الأمر الفعل عند الشاعر، ورد الفعل عند معاوية- انفجار حرّك عليا وأصحابه، فاستولى على الماء ثانية: ولك تحت تأثير الفعل، ورد الفعل عند رجل من أصحابه ينادي، وكان مغتماً لما فيه أهل العراق من العطش( ) :
أيمنعنا القومُ ماءَ الفرات
وفينا الرّماح وفينا الجُحفْ( )

فذبّوا إليهم كبُزْلِ الجمال
دُوين الذَّميل وفوق القطفْ( )

فإما تحلّوا بشط الفرات
ومنّا ومنهم عليه الجيفْ

وإلا فأنتم عبيد العصا
وعبد العصا مُسْتَذلٌ نَطِفْ( )

وقد كان معاوية في هذه الحرب حريصاً ألا يترك فرصة تفوته دون أن يسعى لتحريض الناس ضد علي، كي يتوصل إلى ما يريد في حربه مع علي.
ففيها عزل علي بن أبي طالب الأشعث عن رياسة كندة، وأجمع الأمر لحسان بن مخدوج، فدعا معاوية مالك بن هبيرة فقال: اقذفوا إلى الأشعث شيئاً تهيّجونه على (علي) فدعوا شاعراً لهم، فقال هذه الأبيات، وكتب بها مالك بن هبيرة إلى الأشعث، وكان له صديقاً وكان كندياً:
من كان في القوم مثلوجاً بأسرته
فالله يعلم أني غير مثلوجِ( )

زالت عن الأشعث الكندي رياستُه
واستجمع الأمرَ حسانُ بنُ مخدوجِ

يا للرِّجال لعار ليس يغسله
ماءُ الفرات وكربٍ غير مفروجِ

إن ترضَ كندة حساناً بصاحبها
يرض الدُّنَاةُ وما قحطانُ بالهوجِ

ليست ربيعة أولى بالذي هُذيت
من حق كندة، حقٌ غيرُ مَحْجُوجِ( )

وقد أدرك أهل اليمن الفتنة التي أرادها معاوية. فلما انتهى الشعر إليهم، قال شريح بن هانئ: يا أهل اليمن ما يريد صاحبكم إلا أن يفرق بينكم وبين ربيعة. وإن حسان بن مخدوج مشى إلى الأشعث بن قيس برايته حتى ركزها في داره، فقال الأشعث: إن هذه الراية عظمت على (علي)، وهو والله أحق على من زف النعام( ) ، ومعاذ الله أن يغيرني ذلك لكم.
فعرض عليه علي بن أبي طالب أن يعيدها عليه فأبى... فقال له علي: أنا أشركك فيه. فقال له الأشعث: ذلك إليك، فولاه على ميمنة أهل العراق( ) .
لقد أراد معاوية شراً بشعر صاحبه السلبي، وجاء رد الفعل، مولداً موجة إيجابية في نفوس أهل اليمن، فأدركوا أصل الفتنة، وترفعوا فوقها، وصاروا إلى الوحدة والوئام، وحل الإمام علي بقية الأمر بتوليه الأشعث على ميمنة جيشه.
وليس بعيداً عن هذا ما تقع فيه بعض أجهزة الإعلام، وهي تسعى في محاربة أمر ما في نفوس القوم، فإذا هي تحببه إليهم، أو تقوم بالعكس فتحصد نتيجة معاكسة كذلك.
ولو أن إسلام هؤلاء المحرضين كان صحيحاً ما حرضوا على قتال المسلمين بعضهم ببعض، وأثاروا فتنة طويلة. فالإسلام ينهي عن مثل هذا الكلام. لكنها الروح الجاهلية التي عاشت في نفوسهم، فهم بعيدون عن المفهوم الحقيقي للإسلام، مكتفون بالتظاهر، بعيدون عن المنطوق القرآني والنبوي. وكثير من الشعراء من "كان جافياً في دينه، وكان في الإسلام يبكي أهل الجاهلية( ) ".
العصبية القبلية:
نبذ الإسلام العصبية، وألغى المفهوم القبلي، ووضع مفهوم الأمة بدلاً منه. وأقرّه بصريح القرآن إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون( ) . فذم حاملها وداعيها والغاضب من أجلها وناصرها بصريح الأحاديث الكثيرة، نحو: "من قتل تحت راية عميّة يدعو عصبيّة، أو ينصر عصبيّة، فقتلة جاهلية( ) " ونحو:
"ليس منّا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل عصبيّة، وليس منا( ) من مات على عصبية "وفهّم الناس أن الدفاع عن العشيرة لا يعني العصبية فكان يشجع الدفاع عنها، فيقول:
"خيركم المدافع عن عشيرته، ما لم يأثم"( ) وواضح أنه يقيد الدفاع عن العشيرة بعدم الإثم. وقد فسر رسول الله  العصبية المنبوذة بأنها إعانة قومك على الظلم ففي حديث واثلة بن الأسقع (رض) قال:
قلت: يا رسول الله، ما العصبية؟ قال: أن تعين قومك على الظلم( ) .
لكن ربما انفلتت بعض القصائد في الفخر القبلي، فغض الرسول طرفه عنها لأنها كانت تخدم العقيدة في وقت من الأوقات إذ كانت قريش يؤلمها مثل هذا الحديث، ويبقى حديث العصبية والفخر القبلي سلبياً، وعاملاً مؤشراً إلى ضعف الوعي الإسلامي الذي لا يؤمن بالعصبية أصلاً.
ومن الغريب أن تظهر مثل هذه المواقف عند حسان بن ثابت الذي لصق بالرسول  يسمع منه ويتشبع بأحاديثه، فأصبح انتصار الأمة الناشئة انتصار قبلياً!!. ولعل حساناً الذي كان يلتفت حوله فلا يجد إلا عدة مئات من المسلمين اعتقدهم عشيرة واحدة يحق له أن يفتخر ببعض قبائلها، كما في قوله عقب معركة بدر( ) :
لقد علمت قريشُ يوم بدر
غِداةَ الأسرِ والقتل الشديد

بأنّا حين تشتجر العوالي
حماة الحرب يومَ أبي الوليد( )

قتلنا ابني ربيعة يوم سارا
إلينا في مضاعفة الحديد( )

وفرّ بها حكيمٌ يوم جالتْ
بنو النجار تخطر كالأسود( )

وولّت عند ذاك جموع فهر
وأسلمها الحويرث من بعيد

لقد لاقيتم ذلاً وقتلاً
جهيزاً نافذاً تحت الوريد( )

وكلُّ القوم قد ولّوا جميعاً
ولم يلووا على الحسب التليد

وإذا كان الإسلام قد قضى على العصبية القبلية في وجود الرسول  حياً بين ظهراني الأمة، فإن سبيلنا إلى كشفها بعد ذلك أن نتتبع هذا الخط تاريخياً.
فمن الثابت أن الشيخين حاربا العصبية( ) القبلية، التي لم تلبث أن ظهرت في خلافة عثمان بن عفان، حين حكم الناس بالعصبية الأموية، فاستيقظت الفتنة، وتحرك ما كان كامناً في النفوس من العداوة القديمة الجاهلية( ) بولادة العصبية من جديد تشوه صفاء الدين، وصارت تولد أحاديث لا أصل( ) لها، فاعتبر عثمان على أنه أول من فتح أبواب الظلم، وأرتج أبواب الحق( ) .

ولا شك أن بني أمية قد تعصبوا وتكاتفوا في إطار قبلي، وكأن تعاليم الإسلام لم تقرع آذانهم أو تهز أوتارهم قلوبهم، فبعد مقتل عثمان بن عفان مضى شعراؤهم يحرضون معاوية على الأخذ بثأره، وكان الوليد بن عقبة يكثر من هجاء بني هاشم، ومن هجاء علي بن أبي طالب ويقول في تحريض معاوية مخاطباً بني هاشم( ) :
وإنّا وإياكم وما كان منكم
كصدع الصفّا لا يرأب الصدعَ شاعبُه

هم قتلوه كي يكونوا مكانه
كما غدرت يوماً بكسرى مرازِبُه

فالذي فهمه من الإسلام كان مشوهاً جعله يرى الخليفة إمبراطوراً ويرى المسلمين مرازبه. ونستطيع أن نلاحظ ارتفاع الخط القبلي بعد مقتل عثمان، ولا شك أن بعض الشعراء كان يقوى نار العصبية بشعر الفتن والعداوة، مما أدى إلى انفجار المنافرات ذات الدافع القبلي بين بني أمية وبني هاشم، ثم تشجعت بعض القبائل الأخرى كما فعل الأنصار، فحسان بن ثابت الذي دعا إلى الأخذ بثأر عثمان، لا يسمح لبني أمية التطاول على المدينيين.
ولا يغيب عن البال بداية العصبية المدينية التي بدأت عقب وفاة الرسول في سقيفة بني ساعدة.
ولا ريب أن تفاخر الأنصار وتعاليهم قد بدأ بعد وفاة النبي كما ذكرناه، وثمة مقطوعة في ديوان حسان تحتوي على فقرة يبدو فيها هذا النوع من الفخر؛ ولا ريب في أن هذا لاحق قليلاً لزمن حسان ولعلّه من زيادات ابنه عبد الرحمن الذي شهد النزاعات بين المدنيين والأمويين( ) ، قال:
وإنك لن تلقى من النّاس معشراً
أعزّ من الأنصار عزّاً وأفضلاً

وأكثر أن تلقى إذا ما أتيتهم
لهم سيداً ضخم الوسيعة( ) جحفلاً

وَعِدّاً خطيباً لا يطاق جوابهُ
وذا أُرْبَةٍ في شعره متنخّلا( )

وبعد ذلك راح إطار القبلية العصبية ينداح حتى وصل أطراف الدولة الإسلامية، فقويت دعوى الجاهلية بالانتماء إلى القبيلة، واستصرافها للهياج والشر، فعاد الناس إلى حيث كانوا قبل الإسلام!!..
ويبدو أن شعر الجاهلية العصبية انتشر مبكراً في العراق، فمما جاء في خطبة لزياد بن أبية( ) في أهل البصرة، وقد جاءها والياً لعلي بن أبي طالب قوله: "إيايّ ودعوى الجاهلية، فإني لا أجد أحداً دعا بها إلاّ قطعت لسانه( ) ".
ثم جاءت حرب صفين فكشفت "الغطاء عن القماقم الجاهلية فانبعثت منها شياطينها، تثير الفتن بين القبائل، وتنطق شعرها بأحاديث عصبياتها القديمة، وساعد على ذلك تلك الأرستقراطية البدوية من رؤساء القبائل وأشرافها الذين كانوا يحيون حياة أشبه ما تكون بحياة رؤساء القبائل وأشرافها في الجاهلية( ) ".
وقد نسب ابن( ) مزاحم إلى الإمام علي شعراً يمتدح به بعض القبائل التي خاضت غمار القتال معه؛ فيه ريح العصبية.
قد يكون الإمام علي أثنى على القبائل( ) التي ناصرته ليرفع من روحها المعنوية، وليشجع غيرها على البلاء الحسن، ولا شك أن الثناء غير التعصب، إن الإيمان الذي تشبعه الإمام يمنعه أن يفعل ذلك، وربما كان ذلك الشعر من صنع تلك القبائل لتضيف إلى أمجادها مدح الإمام علي لها، وربما اقتصر الشاعر من شيعته في حديثه على قومه، وسخر شاعريته وهو يضرب على وتر العصبية القبلية فينقل حديث الإسلام إلى حديث قبلي، فيحدثهم كما يتحدث ابن القبيلة إلى قبيلته، وكان في إمكانه أن يجعل الحديث دينياً، فيظهر الحق، ويدعو كافة المسلمين إلى نصرته.
لكن الشعراء من شيعته كانوا يعزفون على القيثارة العصبية، فيذكرون قبائلهم بمنعتها ونجدتها وشجاعتها، وبأبطالها الكماة، وبتراث أجدادها التليد.
فعادت الأمور جاهلية عميقة يخوض الفرد فيها غمار القتال مقاتلاً من أجل عزة قبيلته والحفاظ على منعتها، لا من أجل نصرة الحق الممثل بالشرعية التي يملكها الإمام علي، فصار يعتز بها ويفتخر، وهو يرتجز:
إنّي أنا الأشتر( ) المعروف السِّير
إنِّي أنا الأفعى العراقيُّ الذَّكَرْ

لست من الحيّ ربيع أو مُضَر
لكنني من مَذْحِجَ البيض الغررْ

آليت لا أرجع حتى أضربا
بسيفي المصقول ضرباً معجباً

أنا ابن خير مذحج مُركّبا
من خيرها نفساً أمّاً وأباً( )

ولعل ميادين صفين هي التي استمعت إلى الأنغام الأولى المنبعثة من قيثارة العصبية القبلية القديمة التي نقلتها معها القبائل العربية في هجرتها من البادية إلى المدن التي سكنتها.
ومن الواضح أن السبب في هذا يرجع إلى الطبيعة التي اكتسبتها حرب صفين، فهي حرب أهلية بين القبائل العربية، وإذا كانت هذه القبائل قد نسيت كتاب الله في قتالها، فلم يعد الدين –هنا- يقدر على منع القتال، فإن الشعر كان بإمكانه أن يؤدي دوراً إيجابياً لأنَّ النفوس صارت جاهلية قديمة. وإذا أضفنا إلى هذا أن علياً ومعاوية كانا يحشدان كتائبهما حشداً قبلياً( ) ، أدركنا سر انتشار مثل هذه الأنغام القبلية السلبية في مجتمع ثيابُ نبيِّه لم تُبْلَ بَعد، وآنِيَتُه لم تُكْسَر!..
وربما كان بلاء بعض القبائل ذا وجه إيجابي في القتال، ودافعاً إيجابياً يولده ثناء علي أو معاوية.
فقد أبلت ربيعة في قتال صفين بلاءً حسناً جعل علياً يثني عليها ثناء أثار حسد المضرية. فطلبت منه أن يفرد لها أياماً تقاتل فيها وحدها حتى ينظر بلاءها. ولا بد أن الإمام علي كان في حيرة من أمره معها، لكنه استجاب لرغبتها مدركاً سلبية هذا الطلب في القتال، فأمر ربيعة أن تكف عن القتال. وتزداد العصبية القبلية سوءاً وسلبية حين تحدد مضر لكل قبيلة منها يوماً تنفرد فيه بالقتال. فينطلق شاعر المضرية مفتخراً بشعر تشيع فيه روح العصبية السلبية، ولا نبالغ إذا قلنا أنه تجسيد للروح الجاهلية، حيث يسيطر الإحساس( ) القبلي:
حامت كنانةُ في حربِهَا
وحامت تميمٌ، وحامت أَسَدْ

وحامت هوازن يوم اللّقا
فما خام منّا ومنها أحَدْ

ثم يوسع حديث العصبية مفرداً قبيلة قبيلة، وهو يتحدث عن لقائهم قبائل اليمن:
لقينا قبائل أنسابهم
إلى حضرموتَ وأهل الجَنَدْ

فلما تنادوا بآبائهم
دعونا معدّاً ونعمَ الْمعَدْ

فظلنا نُفلِّق هاماتهم
ولم نك فيها ببَيْضِ الْبَلَدْ

ونعم الفوارس يوم اللقاء
فَقُلْ في عديدٍ وقل في عُدَدْ

وقل في طعان كفُرع الدِّلاء
وضرب عظيم كنار الوَقَدْ

ولكن عصفنا بهم عصفةً
وفي الحرب يُمْنٌ وفيها نَكَدْ

طمنّا الفوارسَ وسطَ العجاج
وسقنا الزعانف سَوْقَ النَّقَدْ


وحديث العصبية هذا عمل على تفريق الجماعة الإسلامية بعد وئام وكان مجموع الشعر الذي قبل في صفين النار الكبرى التي أوقدت الفتنة الجاهلية في المجتمع الإسلامي ومدت تيار الانهيار الذي لحق بالمجتمع بعد ذلك، ولا نبالغ إذا قلنا أن مجموع شعر صفين السلبي هو انقسام الأمة الرئيسي.
ولو أدرك الشعراء مهمتهم في الحياة ودورهم في الإسلام، والمواقف المطلوبة منهم في تلك الحرب، لو أدركوا قيمة مواقفهم السلبية في هدم الأمة، فامتنعوا!.. لو أدركوا أيضاً قيمة مواقفهم الإيجابية في جمع الشمل فقالوا، لكان شأن الأمة قد تغير حتماً.
لكن معول العصبية راح يهدم ما بناه الإسلام، فشعراء ربيعة يعزفون على قيثارتهم ألحاناً تغضب المضرية، على لسان حصين( ) بن المنذر الرّقاشي( ) وقد ذُكر أن علياً كان لا يعدل بربيعة أحداً من الناس، فشق ذلك على مضر، وأظهروا لهم القبيح، وأبدوا ذات أنفسهم، فقال الحصين قولاً شجع الفتن، واضعف صف جماعته، وأغضبهم، وفتت عضدهم، ولا نغالي إذ نقول إن قوله هذا كان سبباً رئيسياً في عدم الحسم لصالح الإمام علي، ومما قاله:
رأت مضرٌ صارت ربيعةُ دونهم
شعارَ أمير المؤمنين، وذا الفضلُ

فأبدوا إلينا ما تجنُّ صدورهُم
علينا من البغضاء وذاك له أصْلُ

ونحن أناس خصّنا الله بالتي
رآنا لها أهلاً وأنتم لها أهلُ

فيتصدى لهم شعراء مضر بألحان يفتخرون فيها بقبائلهم وقول عامر بن واثلة الكناني يفخر بالمضرية، وبما كان منهم على ربيعة( ) :
حامت كنانة في حربها
وحامت تميمٌ وحامت أسدْ

وحامت هوازن يوم اللقا
فما خام منّا ومنهم أحدْ

لقينا قبائل أنسابهم
إلى حضرموت وأهل الجددْ

لقينا الفوارس يوم الخميـ
ـس والعيدِ( ) والسبت ثم الأَحَدْ

فمثل هذا الشعر كان سلبياً ولم يزل كذلك فهو الداء الذي يفتّ عضد الأمة، ولنتصور أن الدول العربية التي اشتركت في حرب تشرين، تختلف فيما بينها أثناء الحرب، وتعقد اتفاقاً تخوض بموجبه كل واحدة منها الحرب مفردة، مع الفارق في الزمان، والشخصيات طبعاً، إن مثل هذا العمل تهور جنوني يعصف بالقوة ويأتي بالضعف والوهن. فالمنظور التاريخي لهذا المفهوم واحد لم يتغير، وإذا كانت العصبية القبلية في العصر الجاهلي تأخذ وجهة إيجابية أحياناً، فإنها بعد تكون الكيان السياسي للعرب لم تعد تملك تلك الوجهة الإيجابية، وما هي إلا داء ينخر في بنيان الأمة وجسمها.
وإذا كانت نيران صفين قد هدأت فيما بعد، فإن نيران العصبية القبلية التي أشعلتها لم تهدأ بفعل هذا الشعر السلبي، فثارت نار الفتنة بين اليمنية والنزارية، وصار التفاخر متبادلاً ودامياً، وكان أحد الأسباب التي أطاحت بدولة بني أمية.
وقد أشان حديث العصبية القبلية الثورات التي قامت فيما بعد فظهرت كأنها في حقيقتها ثورات قبلية بعيدة عن المطالبة بالعدل والحق.
"ومن الممكن أن نلاحظ أن الشاعر عبد الله بن خليفة الطائي شاعر ثورة حجر بن عدي، في قصيدته الرائيّة التي بعث بها إلى سيد قبيلته عدي بن حاتم من منفاه بجبلي طيء، يذكره وعده بالعمل على إعادته إلى وطنه الكوفة.
وقد مزج الشاعر في هذه القصيدة بين حديث الثورة وحديث العصبية القبلية. فحديث الثورة لم يشغله كثيراً، فيندفع في حديث قبلي يوجهه إلى قبيلته التي تخلت عنه، وتركته وحيداً دون أن تنتصر له. وهو يتحدث إليهم كما يتحدث ابن القبيلة إلى قبيلته ويعيّر قومه بأنهم أسلموه لعدوه، ولم ينصروه ظالماً أو مظلوماً، كما كان شأن الجاهلية( ) :
فهأنذا داري بأجبال طيء
طريداً، ولو شاء الإله لَغيّرا

نفاني عدوي ظالماً عن مُهاجري
رضيت بما شاء الإله وقدّرا

وأسلمني قومي لغير جنايةٍ
كأن لم يكونوا لي قبيلاً ومعشرا

ثم يتحدث طويلاً، ويعلن أنه لن يستغني عنهم ولو أضاعوه:
فلا يبعدنْ قومي وإن كنت غائباً
وكنت المضاع فيهمُ والمكفّرا

فإذا مضينا إلى ثورة المختار لاحظنا شاعرها عبد الله بن همّام السلولي يثير العصبيات القبلية ويعرضها بسلبية مقيتة "في وصف القتال الذي دار بين المختار وبين والي الكوفة، فيستعرض أعمال كل قبيلة( ) . كأنّ تاريخ صفين يعيد نفسه مما يشير إلى استمرارية التعصب القبلي، واستمرار التيار السلبي في الشعر حيث لم يستفد الشعراء من خاصيتهم أو خاصية المفكرين الذين كانوا يقودون الثورات، فلم يوسعوا دائرتهم كما يجب، وحصروها في الإطار القبلي.






المناحي الفكرية

المناحي السلبية في الفكر تعني التعرض للمواقف الناجمة عن مفاهيم سلبية. ومن الواضح أن السلبيات( ) التي مرت بنا في المناحي الاجتماعية، والتي ستمر في المناحي الاقتصادية والتربوية مردّها كلّها إلى الفكر السّلبي.
ومع خطورة هذا الموضوع ودقته، فإنه لا بد من الاعتراف باستحالة الإلمام بكل خاطرة فكرية سلبية أو إيجابية. لذلك نكتفي بالتعرض للمفاهيم الشهيرة التي ظهرت من خلالها بعض المفاهيم الفكرية السلبية كتلك التي تعيش في يوميات العرب وتصرفاتهم.
ويجب أن نلاحظ قبل كل شيء أن تأثر الشعر بالحياة الفكرية لا يقرّبه من الحياة العقلية القائمة على قواعد ونظريات، ومنطق ومناقشة وجدل، وإنما هي مجموعة أفكار تأخذ مساراً يشبه المسارات الاقتصادية والاجتماعية والتربوية التي تعاملنا معها. فهي الأفكار التي يقدمها الشعراء إلى الناس، يعيشون معها ويتأثرون بها تأثراً مختلفاً حسب مستوياتهم العقلية.
ولا شك أن التيارات الفكرية السلبية التي ظهرت في العصر الإسلامي نوعان، نوع جاهلي، ونوع إسلامي، ولا أقول إسلامي جاء به الإسلام فحاشا لله، وإنما أعني أنه ظهر أو ولد في العصر الإسلامي.
ولنقف عند النوع الأول، حيث استطاعت مجموعة من المفاهيم الجاهلية( ) الفكرية أن تشق طريقها وتأخذ مكانها في الفكر العربي بعد ظهور الإسلام، على الرغم من محاربة الإسلام الشديدة لهذه المفاهيم الفكرية.
وقد سبق اعتذارنا أنه من غير الممكن استقصاء الشعر الذي جاء في كل فكرة قديمة، وإنما نسعى للاكتفاء بشاهد عن كل مفهوم عقلي، وهذا يحررنا لننطلق إلى فكرة أخرى.
فالطيرة مفهوم جاهلي قديم، وهي ما يتشاءم به من الفأل الرديء وغيره. حار بها الإسلام بشدة، كما في قول رسول الله  ، "الطيرة شرك، الطيرة شرك ثلاثاً( ) ". وقال عن الشؤوم: "لا شؤم وقد يكون اليمن في الدار والمرأة والفرس( ) " لكن هذا لم يمنع الفكر الجاهلي السلبي من الاستمرار ليكسف صفة الأصالة، واستمر الشعراء يقولون به، فيما يختص بمصير حياتهم، والمهم منها، والوجه السلبي في الطيرة أنها "تكسر النيّة، وتصد عن الوجهة، وتثني العزيمة، وفي ذلك ما يعطل الإحالة على المقادير( ) ".
فالزواج أهم الحالات الخاصة التي يجب على الإنسان أن يأخذ بها عن طيب خاطر، وسابق خبرة، ومعرفة، وحسن معشر، ليؤدم بين الزوجين، هذا الأمر إلهام يأتي عند الشاعر الهذلي( ) بالطيرة، يقول وهو يذكر امرأته:
زجرت لها طير السنيح فإن يكن
هواك الذي تهوى يصبك اجتنابها( )

ويبدو أن الجاهليين كانوا كثيرى الطيرة، بدليل أن القرآن الكريم أعلن أن الله يغفر كل شيء، ولكنه لا يغفر الشرك( ) ، وقد سبق قول رسول الله  على أن الطير شرك.
ومثل هذه العقلية التي لا تقبل التغيير بسرعة هي التي شجعت "رينان"( ) وغيره من المستشرقين أن يقولوا بالعقلية الآسيوية ومن هذه المفاهيم السلبية ما احتواه الشعر الذي يدعون فيه أن حيواناً ما قد حدّثهم ونصحهم، واستمعوا إليه في أمر كبير ومنعطف إيماني خطير!..
من هذا القبيل قصيدة تنسب لرجل يقال له: رافع بن عميرة ويقال رافع بن عمر، وهو دليل خالد بن الوليد لما سار من العراق إلى الشام.
فقد نسب إلى نفسه حديثنا حدثه إياه ذئب مرّ به إذ كان يرعى الغنم قبل أن يسلم، ثم دعاه إلى اللحوق برسول الله  ، فقال( ) :
رعيت الضأن أحميها بكلبي
من اللّصت الخفي وكل ذيب

ولما أن سمعت الذئب ينادى
يبشرني بأحمد من قريب

سعيت إليه قد شمّرّت ثوبي
على الساقين قاصدة الركيب

فبشرني بقول الحق حتى
تبينت الشريعة للمغيب

وأبصرت الضياء يضيء حولي
أمامي إن سعيت ومن جنوبي

ولا شك أن الشاعر ممن أراد أن يضيف إلى نفسه مجداً، فقد تحدث عن معجزة تمثلت بحديث الذئب، وربما أراد بهذا أن يغطي ماضياً سيئاً له، فقد قيل: إنه كان لصاً في الجاهلية( ) " وذلك بهذا الادعاء الذي يجعل له مكانة مرموقة بين المسلمين تظهر في الطريقة التي يسرّها له الله ليؤمن بالدين الجديد.
ونقول ربما كان الشعر كله منحولاً انتحلته قبيلة طيء، ونسبته لرجل منها لتصل إلى الكرامة والمعجزة التي تحدثنا عنها.
وشبيه من هذا ما ادعوه من عمل للجن، في شعر نسبوه إلى نسائهم في مقطوعة طريفة تروى على أنها من رثاء الجن، ونوح نسائهم في الحسين بن علي (رض) حين استشهد، وفيها( ) :
نساء الجن يبكين
من الحزن شجيات

ويسعدن بنوح الـ
نساء الهاشميات

ويندبن حسينا عظمت تلك الرزيات

ويلطمن خدوداً كالـ
دنانير النقيات

ويلبسن ثياب السو
د بعد القصبيات

ألا يذكرنا هذا الشعر بالأحاديث النبوية التي وضعت على لسان الرسول وهو منها براء( ) ، تلك التي ترفع من قدر إنسان بعينه، أو تحجز له مكاناً في علّيين، ولا يحتاج المرء جهداً كبيراً ليعرف أن هذا من وضع الشيعة الذين لم يدر بخلدهم إلا فكرة تعظيم الجن وحزنها الشديد على استشهاد الحسين، فوضعوا على لسانها مثل تلك القطعة الشعرية التي تشير إلى قصور في الوعي.
إن الإنسان يمتاز بنعمة العقل، وربما كانت الوظيفة الأولى للعقل أن يقينا شر المخاطر، وربما كانت المراوحة في المفاهيم المتخلفة هي أهم تلك المخاطر التي لم يستطع العرب التخلص منها.
إن هذه المفاهيم الفكرية وما يليها من مفاهيم سلبية أخرى جديدة، ظهرت في العصر الإسلامي –كما سنرى بعد قليل- ليست إلا نكوصاً أو هروباً من الواقع الجديد الذي حدث بعد ظهور الإسلام.
ومع ذلك فإن تلك الأوهام لم تكن نوعاً من وميض البرق في عالم الفكر، بل كانت مختلطة بالأصالة فاستمرت في حياة العرب إلى أيامنا هذه مما يشير إلى ظاهرة مؤلمة في العقلية العربية، تتمثل في الجمود على السلبي من المعتقدات، وهذا معارض حتى للواقع الطبيعي، حيث تكشف لنا الطبيعة دائماً أنها على استعداد مستمر للتغيير مهما كان بطيئاً.
ومهما يكن من شيء، فإننا نعتقد أن جمود العقلية العربية على هذه المفاهيم الجاهلية يعطينا فكرة واضحة عن مفاهيم الحرية الخاطئة التي فهمها المقنون بالأفكار الجاهلية، وربما كان في وسعنا أن نربط فكرة الحرية بفكرة القيمة، فنقول: إن قيمة كل إنسان تتوقف طردياً على درجة حريته، وهذه الحرية نفسها ليست سوى بحث عن القيم وسعي وراء الممكنات، وجهد متواصل من أجل العمل على تحقيقها( ) ".
الاستخفاف بالدين!..
وأما النوع الثاني، فإنه تيار فكري سلبي ظهر في العصر الإسلامي، ويمكن القول بأنه نوع من الجهل بتعاليم الإسلام الدقيقة أو عدم اهتمام، ويمكن تلخيصها بأنها نوع من الاستخفاف بالدين!...
وقد يكون مستغرباً أن نقول باستخفاف شعراء مسلمين بالدين الجديد، وهم من أتباعه!... ولكن العجب يزول حين نتذكر أن الدين هو الإسلام وأن الإسلام خلوص وتعرٍّ من الآفات الظاهرة والباطنة، فيصبح المقصود بمن يستخف بالدين، عمل أولئك الذين يخرجون عن أهم تعاليمه، فيتنابزون، ويتبجحون بالقتل والسّفه والطيش لتكون جاهلية القرن الأول، وردّةً بالمعنى العميق. ويبدو أن كثيراً من هؤلاء الشعراء كانوا يمثلون تياراً معيناً من الناس، خشي إعلان ردّته لِمَا شاهدوه من مصير أولئك الذين أعلنوا ردّتهم فصار ممثلوهم من الشعراء ينتهزون المواقف السلبية التي تظهر من القادة المسلمين، فيظهرون نقمتهم استخفافاً بالدين، وسيراً في طرق ملتوية متعددة، منها:
التبجح بقتل أصحاب رسول الله، أو أبنائه، ومنها استخفاف بدوافع الجهاد، وجعل الهدف منه المغنم والمكسب. ومنها إعراض عن أوامر الله تعالى، ولعل أمثلة على هذه الظواهر تكفي لإثباتها.
فقد قتلَ رجلٌ يقال له ابن جرموز الزبيرَ بنَ العوام( ) ، وكان اشترك في وقعة الجمل مقاتلاً علي بن أبي طالب، فناداه علي ودعاه، ثم انصرف عن القتال، فنزل بوادي السباع( ) ، وقام يصلي، فأتاه ابن جرموز فقتله!
وجاء بسيفه إلى علي فقال: إن هذا سيف طالما فرجّ الكرب عن رسول الله ، ثم قال: بشّر قاتل ابن صفية بالنار( ) .
وقيل( ) أن ابن جرموز استأذن على علي، فلم يأذن له، وقال للآذن:
بشّره بالنار، فقال( ) :
أتيت علياً برأس الزبيـ
ـر أرجو لديه به الزّلفهْ

فبشَّرَ بالنّار إذ جئته
فبئس البشارة والتّحفهْ

وسيّان عندي قتل الزبير
وضرطة عنز بذي الجحفه( )

هل أبصرت الأثر النفسي؟!.. يأتي عليا برأس الزبير، فلا يستقبله علي ويبشره بالنار، ويظهر معتقده الذي يجعل ضرطة عنز تعادل قتل صحابي من أقرباء الرسول!.
لا شك أنها الردة التي لم يعرفها أبو بكر، ولا شك أنه لا يمثل حالة فردية إنها ظاهرة يمكن اعتمادها. فمن العجب أن يصبح قتل صحابي معادلاً ضرطة عنز في صدر الإسلام! في حين ندر أن نجد إنساناً من الناس مسلماً، في عصرنا هذا على اختلاف الملل والنحل، يرى رؤية ابن جرموز تلك.
وإذا كان قول ابن جرموز سلبياً في عصره، فإنه مفرق في السلبية في كلّ العصور، ويكشف لمنظورنا العصري بحاجة الناس الذين ارتدوا ولم يُحاربوا في ذلك العصر!..
كما يخرق رداء القداسة الذي نسجه المتأخرون من الفقهاء حول إيمان الناس في القرن الأول، فيأخذ طابعاً إيجابياً كاشفاً ومحللاً، فيه نستطيع تحليل الكثير من التصرفات التي بقيت لكثير من التساؤلات.
وإذا كان ذلك الأعرابي قاتلاً للزبير مبشراً بالنار، فإن رجلاً آخر يدخل على ابن زياد( ) بن أبيه مفتخراً بقتل سبط رسول الله  الحسين بن علي، ويقرّ أمامه أنه قتل خير الناس طرّاً، ويعتز بعمله السلبي، ساعياً إلى الذهب والفضة مقابل فعلته الرهيبة، فيقول( ) :
أوقر ركابي فضّة وذهبَاً
فقد قتلت الملك المحبّبَا( )

قتلتُ خيرَ النّاس أمّاً وأباً
وخَيْرهم إذ ينسبون نَسَبَا

ثم إن عمر بن سعد( ) نادى في أصحابه: من ينتدب للحسين ويواطئه فرسه؟ فانتدب عشرة، فأتوا فداسوا الحسين. بخيولهم حتى رضّوا ظهره وصدره( ) !.
إنها الردة التي لم تحارب، أطلّت برأسها على لسان شاعر فاجر يفتخر بقتل الحسين فتجاوز كل حدود التصور، وإذا كان لهذا الشعر من منظور في عصرنا، فإنه كسابقه دليل آخر على وجود تيار ردّة لم يحارب إلاّ أنه تلبّس لبوس الدين.
وغير التبجح بقتل أصحاب رسول الله وأحفاده، فإننا نقف على كشف بالعقلية الوثنية التي ظلت راسخة في ذهن الكثير من مقاتلة الفتوح الإسلامية الذين حافظوا على مميزاتهم البدوية الجلفة بعيداً عن العقلية الجهادية الساعية إلى تقديم الخير للناس ديناً، أو للنفس شهادة فجنة عرضها السموات والأرض.
بل الأمر عند تلك الزمرة سعي حثيث من أجل النفوذ الشخصي والمنافع الذاتية، والاهتمام بالغنائم، كما كانت الحال في الجاهلية فظل هذا الاهتمام متأصّلاً في نفوسها، كما في قول بشر بن أبي ربيعة الخثعمي أحد المقاتلين في معركة القادسية( ) :
أنختُ ببابِ القادسيةِ ناقتي
وسعدُ بن وقاص عليَّ أميرُ

وسعدٌ أميرٌ شرُّه دونَ خيره
وخير أمير العراق جريرُ( )

وعند أمير المؤمنين نوافل
وعند المثنى فضَّةٌ وحريرُ( )

تذكّر –هداك الله- وقع سيوفنا
ببابِ قُديس والمكرُّ عَسيْرُ

عشيّة ودَّ القومُ لو أنَّ بعضهم
يعارجَنَا حَيْ طائر فيطيرُ

إذا ما فرغنا من قراع كتيبةٍ
دلفنا لأخرى كالجبالِ نسيرُ

ترى القومَ فيها أجمعين كأنهم
جِمالٌ بأحمالٍ لهنَّ زَفِيْرُ

في هذا المضمار نجد المقارنة مهمة، فأمير المؤمنين يجهزهم للقتال، ويذكّرهم بما عند الله، لكنهم يتذكرون الغنائم التي عند المثنى بن حارثة الشيباني، فالغنائم تعطي الأعرابي دفعاً ولكنها يجب ألا تنسيه مهمته الأولى.
ومثل هذا الشعر صار حجّة بيد أعداء العرب، ووصمة عار بتاريخهم، وهو شاهد على حقيقة دوافع الفتوح كما أرادها الغربيون والمستشرقون.
فالسلبية واضحة في قوله بشكلها الواسع لا سيما في منظور العصر الذي كان فيه، فقد فضح نفسه وأتباعه ممن انطلقوا جباةً جامعين، لا مجاهدين هادين. كما أنّه الشعر السلبي في منظور عصرنا حيث صار هذا الشعر وأمثاله حجة بيد أعداء العرب والإسلام.
ومن هذا الشعر ما يدل على استخفاف بما أمر الله به أن يبطل ويرفض ونهي عن الحديث فيه. حتى لو كان الحديث مجرّد ادّعاء لا أساس له من الصحة.
فقد ادّعى النعمان بن عدي( ) أنه شرب الخمرة في منادمة له مع أصحابه، فجلب عليه ادعاؤه شراً وبيلاً.
وقصة هذا الأمر تبدأ حين خرج والياً على ميسان( ) وأراد امرأته على الخروج معه فأبت، فكتب إليها بالأبيات التالية( ) :
فمن مبلغ الحسناء أن حليلَها
بميسان يُسْقَى في زجاج وخَنْتَمِ( )

إذا شئتُ غنّتي دهاقين قرية
وصّناجة تحدو على كلِّ مَنْسمِ( )

إذا كنت ندماني فبالأكبر اسقني
ولا تسقني بالأصغر المتثلِّمِ( )
7
لعل أمير المؤمنين يسوؤه
تنادمنا في الجوسق المتهدّمِ( )

فبلغ ذلك عمر، فكتب إليه: أما بعد فقد بلغني قولك:
لعلّ أمير المؤمنين يسوؤه
تنادمنا في الجوسق المتهدّمِ

وأيم الله، لقد ساءني، ثم عزله. فلما قدم عليه سأله، فقال: والله ما كان من هذا الشيء وما كان إلا فضل شعر وجدته وما شربتها قط.!
فقال عمر: أظن ذلك، ولكن لا تعمل لي عملاً أبداً. فنزل البصرة ولم يزل يغزو مع المسلمين حتى مات( ) .
أوقع هذا القول بصاحبه، وأطاح به عن كرسي الولاية، على الرغم أنه مجرد قول، وما شربها قط كما قال: ويبدو أنه كذب عمر في قوله:
"وما كان إلا فضل شعر وجدته".
إنه في حقيقة الحال أراد أن يغيظ زوجته، وأن يحملها على الخروج إلى ميسان، وربما وجد حرجاً في البوح، ولو فعل لعاتبه عمر على قوله وعلى خذلان زوجه له بالخروج إليه، فقد قيل إنه كان صالحاً، وإنما قال هذا الشعر ليعزله عمر( ) .
وإن صح ما قيل عنه من صلاح، فإنه ارتكب خطأ ليصل إلى ما يريد: مستخدماً وسيلة غير سليمة للوصول إلى غايته.
وقد كان بعض الشعر السلبي من المقطعات المخالفة للواقع التاريخي، والصدق الحقيقي، يصل إلى يد بعض الباحثين، ويدرس في الكتب التعليمية( ) على أنّه صوت يناضل ضد الوضع الاجتماعي الذي يزيد الأغنياء غنى، والفقراء فقراً، ويدعو إلى العدالة التي قضى عليها التمييز حتى في ثمرات الجهاد كما في قول الشاعر الفارس عمرو بن معد يكرب الزبيدي في وقعة القادسية:
إذا قُتلنا ولا يَبْكي لنا أحدٌ
قالت قريش: ألا تلك المقادِيْرُ

نُعطى السّويةَ من طَعْنٍ له نَفَذٌ
ولا سويّةَ إذ تُعْطَى الدّنَانِيْرُ

والحق أن لهذين البيتين قصة طريفة حدثت يوم كان سعد بن أبي وقاص يقسم في القادسية فيصل عطاءُ الفارسي ستة آلاف يقبضها عمرو، ثم يزيده سعد في أهل البلاء خمسمائة، ولكنه لا يقنع، إذ تبقّى بعد ذلك شيء كثير، رأى سعد أن يرسل به إلى المدينة ليسال الخليفة عمّا يفعل به، فيرد عمر: "ردّ على المسلمين الخمس، وأعط من لحق بك ولم يشهد الواقعة" ونفّذت الوصية وبقي لديه ما اضطره أن يسأله ما يفعل له، فطلب منه: أن يوزع في حملة القرآن، ولم يكن عمراً منهم فقد سأله سعد: ما معك من كتاب الله تعالى؟ فحك عمرو رأسه ثم أجاب بعد لحظات: إني أسلمت باليمن ثم غزوت، فشغلت عن حفظ القرآن، عند ذلك أبى سعد أن يجعل لـه من مال الحفّاظ نصيباً، فإذا عمرو يقول( ) :
إذا قتلنا ولا يبكي لنا أحد
قالت قريش: ألا تلك المقاديرُ

نعطي السّويّة من طعن له نفذ
ولا سوية إذ تعطى الدّنانيرُ

ووصل أمره إلى عمر، فأمر عمر بأن يعطى على بلائه، فأعطاه ألفي درهم.
وقد أوقع عمرو في قوله هذا بقوم حقدوا على الإسلام وتاريخه لدرجة أنهم اعتبروه صوتاً يناضل ضد الإقطاع وتركز السلطة، بعد أن حدث فرز طبقي، في عصر مَنْ؟!.. في عصر عمر بن الخطاب الفاروق. أفليس هذا عجيباً؟!..
والحق أن عمر بن معد يكرب كان مليئاً بالعزة الشخصية، وإن هي إلا لحظة طيش، وساعة نزق أراد بها أن يسرق من مال الحفاظ بروح ملؤها الكسب والمغنم بعيداً عن الحلال والحرام. وحين لم يتح له ذلك قال: ما قال: ولم يكن هناك ظلم أو قهر أو فرز، بل الأمانة والعدل والقسمة الحقة، تتجلى في كلام عمرو نفسه في جوابه لعمر بن الخطاب حين سأله عن سعد بن أبي وقاص في جنده، فقال: هولهم... "أعرابي في نمرته أسد في تامورته، نبطي في حبوته، يقسم بالسويّة، ويعدل في القضية وينضر في السّرية، وينقل إلينا حقنا كما تنقل الذّرة( ) .
ووجه السلبية الواضح في قول عمرو تجنب الصدق التاريخي، في محاولة نابعة عن اعتداء على حقوق الآخرين، كما أنه خادع بعض الباحثين المعاصرين( ) الذين يحاولون بناء الظواهر الاجتماعية بعيداً عن الواقعية التاريخية مندفعين بحقد دفين لتاريخ أمتهم!..
ومع أننا سنتحدث عن وقائع مؤلمة كشفها الشعر الإيجابي جرت في عهد عمر بن الخطاب، فصور النهب والسلب على يد بعض قادة الجند من الفاتحين، إلا أن هذه المسألة باطلة، ولا حق لعمرو بن معد يكرب بقوله. وبعد أن قال ليس لنا أن نصدقه لأننا وقفنا على المناسبة التاريخية التي نجم عنها قوله.





المناحي الاقتصادية

لن نطيل الحديث هنا، فالموضوع دقيق وأكثره يأتي في المناحي الإيجابية، واتباعاً لخطة البحث لا بد من الإشارة الخاصة إلى هذا السلبي في الأمور الشعرية التي تعالج جوانب اقتصادية. وقبل كل شيء يجب الاعتراف بأننا في هذا الحديث لا نعالج الجوانب السلبية في الهيكل العام للاقتصاد الإسلامي من خلال الشعر، لأن هذا الهيكل( ) بأركانه العامة لا يوضح بالشعر كما أنه لم يكن قد استكمل بعد. غير أننا إذا عرفنا صفات هذا الاقتصاد، نكون قد ولجنا الباب من الجانب الشعري.
والصفات الأساسية لهذا الاقتصاد أنه اقتصاد واقعي، وأخلاقي معاً. واقعي في غاياته التي يرمي إلى تحقيقها، وأخلاقي في الطريقة التي يتخذها لذلك( ) . وهكذا يكون الشعر الذي خالف الواقع الاقتصادي، أو اتخذ طريقاً غير أخلاقي لتحقيق ذلك الواقع، شعراً ينم عن مفاهيم سلبية لمواقف مماثلة في سلبيتها.
فالواقع المالي الجديد الذي أوجدته الفتوحات الإسلامية، يشير إلى وجوب توزيعه على أفراد الدولة الجديدة لتحيا واقعها الذي توصلت إليه بما يحتاجه الفرد، ولكن تكديس المال في جوانب المجتمع ولا سيما في قريش، أدى إلى ظهور تأثيرات سلبية في الشعر الإسلامي في وقت مبكر تبلّورت في الشعر الدّاعي إلى الزهد في متاع الدنيا والتعلق بالنسك والعبادة( ) .
ونحن إذا تأملنا في ظواهر الحياة لهذا العصر وجدنا الجانب الاقتصادي يتغلغل في صميم كل ظاهرة منها حتى الاتجاهات الروحية في الأفراد يمكن أن تعلل من بعض جوانبها بعلل اقتصادية( ) .
وإذا كان الإسلام قد دعا إلى الزهد في الحياة الدنيا ومتاعها الزائل، فإن تلك الدعوة تهذيبية تربوية تحمل في تضاعيفها الحث على التقوى والعمل الصالح، بدوافع تربوية خلقية وعسكرية، وعلى كل فقد بقيت دعوة الإسلام تلك معتدلة أوجزها الله تعالى بقوله:
"وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا"( ) .
ولا بد أن نفرّق بين شعر الوعظ والزهد والتقى الناجم عن الموجة الواسعة التي صدرت عن أناس يملكون المال الوفير، والشعر ذاته الناجم عن ردة فعل من أناس لا يملكون مالاً ولا ثراء، فاتجهوا إلى شعر الزهد والوعظ، ولا شك أن النوع الثاني هو المقصود بالسلبي هنا، فهو تعبير عن هزيمة من مواجهة الواقع الاقتصادي الجديد وهروب على شاكلة الرومانسيين إلى واقع نفسي يخلقونه لأنفسهم.
وقد غرق هؤلاء في السلبية الاقتصادية حين أوجدوا مبدأ التوكل وقد ظهر هذا المبدأ عند فقيه المدينة عروة بن أذينة "وله أبيات تصور مبدأ مهمّا شاع بين الزهاد في هذا العصر وهو مبدأ التوكل على الله والثقة في أنه لا يترك أحداً بدون رزق يكفيه، وبلغ من مبالغة بعضهم في هذا المبدأ أن رأوا في السعي والكد نقصاً في التوكل والثقة بربهم، يقول عروةSad )
لقد علمتُ وما الإسراف من خلقي
أن الذي هو رزقي سوف يأتيني

أسْعَى لـه فيعنّيني تَطَلُّبُه
ولو قعدت أتاني لا يعُنِّيْنِي

ظني كريمٌ ونفسي لا تحدِّثني
أن الإله بلا رزقٍ يُخلِّيْنِي

الحق أن الإسلام حث على وجوب العمل، وأكد أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة. على حد قول عمر بن الخطاب (رض):
لا يقعد أحدكم عن طلب الرزق، ويقول( ) :
"اللهم ارزقني، وقد علم أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة، وأن الله تعالى إنما يرزق بعضهم من بعض، ثم تلا قول الله جل وعلا: فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون( ) .
وإذا كان قد جعل الرزق من الله فإنه يطالب باتخاذ الأسباب المطلوبة لهذا الرزق، ويطالب بالعمل الحثيث، وقد كان الرسول يقول: لأن يغدوا أحدكم فيحتطب على ظهره فيصدق به ويستغني به عن الناس خير من أن يسأل رجلاً أعطاه أو منعه، ذلك بأن اليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول( ) .
وقد كان أبو الأسود الدؤلي في زهده يدعو إلى السعي في الدنيا حتى يكسب المرء لنفسه ما يحيا به حياة كريمة، يقول لابنه( ) :
ولا تقعد على كَسَلٍ تمنَّى
تُحِيْلُ على المقادِر والقضاءِ

وهناك موقف مالي آخر غير التوكل، يظهر في دعوة الشعراء السلبية إلى إتلاف المال كرماً مزعوماً!..
فحين عالج القرآن كثيراً من المسائل المالية، عالج قضية تدبير المال فقال: ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً
محسوراً. هذه القاعدة لم تعجب بعض الشعراء فراحوا يضفون على ممدوحيهم صفة إتلاف المال كما في قول الحطيئة( ) :
مفيدٌ ومتلافٌ إذا ما سألته
تهلّل واهتزَّ اهتزازَ المهنّدِ

وفي العمدة( ) بقية أبيات تسبق هذا البيت، يقول فيها:
تزورُ فتىً يعطي على الحمد مَالَهُ
وَمَنْ يُعْطَ أثمانَ المكارِم يُحْمَدِ

تزورُ فتىً يعطي على الحمد مَاله
ويعلمُ أنّ المرءَ غيرُ مخلَّدِ

يرى الْبُخْلَ لا يبقى على المرء مَا لَهُ ويعلم أن المرءَ غيرُ مُخلَّدِ

فالله جلّ وعزّ يدعو إلى عدم بسط اليد، كما يدعو إلى عدم إغلالها كما في الآية الكريمة، والحطيئة يريد طمعاً وشرها أن يجعل من ممدوحه متلافاً للمال، ليخجل ممدوحه فيعطيه ما يريد.
ومن الواضح أن فرقاً اقتصادياً كبيراً كان بين طبقتين من الناس، طبقة تتركز في أيديها الثروة والنفوذ، وتحيط نفسها بالضياع والإتباع، ويسيل الذهب من بين أصابعها، وطبقة تعيش عل
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://genieboujdour.123.st
 
الإيجابية والسلبية في الشعر العربي بين الجاهلية والإسلام -تتمة5-
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى فريق جيني بوجدور :: منتدى دراسة الشعر-
انتقل الى: