منتدى فريق جيني بوجدور
شكرا على زيارتكم

منتدى فريق جيني بوجدور

التربية والتعليم
 
الرئيسيةالتسجيلدخول
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
» ما هو الكوتيزون ؟
الثلاثاء 11 سبتمبر 2012, 3:24 am من طرف أبوعمر

» الإنسان كلٌ واحد: رؤية تكاملية للمنهج
السبت 04 أغسطس 2012, 11:57 am من طرف سعاد

» كيفية التعامل مع المراهقين
السبت 04 أغسطس 2012, 9:57 am من طرف سعاد

» كيف نتعامل مع الطفل العصبي ؟
السبت 04 أغسطس 2012, 9:50 am من طرف سعاد

» دروس في مادة الرياضيات
الجمعة 24 فبراير 2012, 12:01 pm من طرف islam fajr

» مصوغات برنامج التكوين جيني مساهمة الأستاذ hssini
الجمعة 13 مايو 2011, 9:55 am من طرف naimamz

» إنجازات عمر بن الخطاب الحضارية رضي الله عنه (نقلا عن موقع ينابيع التربوية )
الثلاثاء 22 مارس 2011, 4:51 pm من طرف JAMAL

» موقع مدرسة النهضة بوجدور
الثلاثاء 22 مارس 2011, 4:08 pm من طرف JAMAL

» دعاء مستجاب إنشاء الله
الثلاثاء 22 مارس 2011, 12:48 pm من طرف JAMAL

المواضيع الأخيرة
» ما هو الكوتيزون ؟
الثلاثاء 11 سبتمبر 2012, 3:24 am من طرف أبوعمر

» الإنسان كلٌ واحد: رؤية تكاملية للمنهج
السبت 04 أغسطس 2012, 11:57 am من طرف سعاد

» كيفية التعامل مع المراهقين
السبت 04 أغسطس 2012, 9:57 am من طرف سعاد

» كيف نتعامل مع الطفل العصبي ؟
السبت 04 أغسطس 2012, 9:50 am من طرف سعاد

» دروس في مادة الرياضيات
الجمعة 24 فبراير 2012, 12:01 pm من طرف islam fajr

» مصوغات برنامج التكوين جيني مساهمة الأستاذ hssini
الجمعة 13 مايو 2011, 9:55 am من طرف naimamz

» إنجازات عمر بن الخطاب الحضارية رضي الله عنه (نقلا عن موقع ينابيع التربوية )
الثلاثاء 22 مارس 2011, 4:51 pm من طرف JAMAL

» موقع مدرسة النهضة بوجدور
الثلاثاء 22 مارس 2011, 4:08 pm من طرف JAMAL

» دعاء مستجاب إنشاء الله
الثلاثاء 22 مارس 2011, 12:48 pm من طرف JAMAL

ازرار التصفُّح
 البوابة
 الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 بحـث
ازرار التصفُّح
 البوابة
 الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 بحـث
منتدى
منتدى
التبادل الاعلاني
التبادل الاعلاني

شاطر | 
 

 الإيجابية والسلبية في الشعر العربي بين الجاهلية والإسلام -تتمة4-

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أبوعمر
Admin


عدد المساهمات : 81
تاريخ التسجيل : 16/12/2010
العمر : 41
الموقع : www.genieboujdour.123.st

مُساهمةموضوع: الإيجابية والسلبية في الشعر العربي بين الجاهلية والإسلام -تتمة4-   السبت 15 يناير 2011, 11:08 am

حركة التوحيد في الجاهلية:
عرف التوحيد لدى عرب الجاهلية، ليس لدى خاصتهم فحسب مثل خالد ابن سنان الحكيم المتأله (40ق.م) وأكثم بن صيفي الواعظ الرشيد وغيرهما، بل لدى عامتهم.( )
"وليس هذا القول بالقول العجيب. فإن الحقيقة التي جاء بها إبراهيم وابنه إسماعيل، والتي تقول بتوحيد الله وتصفه بالكمال والجلال والقدرة والعلم وغير ذلك من صفات التنزيه، كانت معروفة بل وشائعة فيهم، وأن الأصنام والأوثان والآلهة المتعددة ما اخترعتها عقول لعرب إلا للتقرب بها إلى الله العلي القدير"( ) .
وفي هذه الفقرة لا نريد الخوض في ديانات العرب الجاهلية، ففي كتب الأدب العربي شيء كثير عنها( ) ، لكن الجانب الذي يتصل بالبحث هنا، يدور حول المتألهين الموحدين من الشعراء، الذين تشعر قلوبهم بالله حقيقة والذين يملكون شعور الخير، والرجاء آملين، يحسون بالخوف من الخطأ فيجللهم الحياء من اقتراف الموبقات.
وقد وقف الباحثون من هذه القضية على طرفين متناقضين، فنفى بعضهم الحس الديني، وجعل المسألة ديناً متوارثاً عن آبائهم، "فاقتدوا بهم، وساروا على أعرافهم، فكان الشعراء يمدونها ويذكرونها في شعرهم، في حين لا نشعر بوجود حس ديني في شعرهم إلا في شعر عدد قليل من الشعراء"( ) .
وذهب بعضهم الآخر إلى المبالغة فزعم أنهم كانوا موحدين، والمتفحص الباحث يجد شعراً فيه حس ديني متأله كما وجد هذا الحس عند عامة الناس.
وقد ذكر عن قريش أنها "اجتمعت يوماً في عيد لهم عند صنم من أصنامهم كانوا يعظمونه وينحرون له يعكفون عنده ويدورون، وكان ذلك عيداً لهم، في كل سنة يوماً، فخلص منهم أربعة نفرنجياً، ثم قال بعضهم لبعض:
تصادقوا ولْيَكْتُمْ بعضكم على بعض قالوا: أجل،... فقال بعضهم لبعض: تعلمون والله ما قومكم على شيء، لقد أخطأوا دين أبيهم إبراهيم، ما حجرٌ نطيف به لا يسمع ولا يبصر ولا يضر ولا ينفع، يا قوم التمسوا لأنفسكم ديناً، فإنكم والله ما أنتم على شيء.( )
فالحقيقة عند عقلاء القوم كانت واضحة تحت نور الحق ولا شك أن كثيراً من الشعراء مارسوا دورهم تحت نور الحقيقة. وممن جاء عنده ذكر الله منزّهاً من كل شريك عبيد بن الأبرص في معلقته، حين يقول( ) :
من يسأل الناس يحرموه
وسائل الله لا يخيب

والله ليس لـه شريك
علام ما أخفت القلوب

ومشهور قول زهير في معلقته الذي يدل على أنه كان متألهاً، كما في قسمه بالبيت العتيق:
قأقسمت، بالبيت، الذي طاف حوله
رجال، بنوه من قريش، وجُرْهُمِ( )

ويؤمن باطلاع إله على الغيب، مما يشعرنا بإيمانه بالله واحداً( ) :
فلا تكتمنّ الله ما في صدوركم
ليخفى، ومهما يكتم الله يعلم

يؤخّره فيوضع في كتاب، فيدّخر
ليوم الحساب، أو يعجل، فينقم

وقد سمع الرسول  بيت لبيد بن ربيعة العامري المشهور:
ألا كلُّ شيء ما خلال الله باطل
وكل نعيم لا محالة زائل

فقال: أصْدَقُ كلمةٍ قالها شاعر كلمة لبيد "ألا كل شيء ما خلا الله
باطل"( ) .
وقد كان لحركة التوحيد قبل الإسلام أثر في إشعاع حضاري حاز على نفس طيب عند النبي المرسل فيما بعد.
وأهم من قال بالتوحيد من الجاهليين، ورقة بن نوفل( ) ، وزيد بن عمرو بن نفيل( ) ، وأمية بن الصلت( ) ، وقس بن ساعدة الإيادي( ) . كلهم كان موحداً، لكن قساً فاز بقصب السبق.
وقد طيب الرسول  ذكره عندما قدم عليه وفد إياد. فقال: ما فعل قس بن ساعدة؟ قالوا: هلك يا رسول الله. فقال: كأني أنظر إليه بسوق عكاظ يخطب الناس على جمل أحمر، ويقول: أيها الناس اسمعوا وعوا. من عاش مات. وم مات فات، وكل ما هو آتٍ آتْ. ليل داج، ونهار ساج، وسماء ذات أبراج، وأنهار مجراة، وإن في السماء لخبراً، وإن في الأرض لعبرا.
ما بال الناس يذهبون فلا يرجعون؟ أرضوا بالمقام فأقاموا، أم تركوا فناموا يقسم قسّ بالله قسماً لا إثم فيه أن لله ديناً، هو أرضى له، وأفضل من دينكم الذي أنتم عليه. إنكم لتأتون من الأمر منكراً، ثم أنشأ يقول:
في الذّاهبين الأوّليـ
ـن من القرون لنا بصائِرْ( )

لما رأيت موارداً
للموت ليس لها مصادِرْ

ورأيت قومي نحْوَها
يمضي الأكابر والأصاغِرْ

لا يرجع الماضي إليْـ
يَ ولا مِنَ الباقين غابِرْ

أيقنت أني لا محا
لة حيث صار القوم صائِرْ

وكان النبي  قد سمع الشعر، فقال: يعرض هذا الكلام يوم القيامة على قس بن ساعدة، فإن كان قاله لله فهو من أهل الجنة.( )
ومثل هذه الشهادة من الرسول تُعطى لقس، تبشر المؤمنين العارفين للخير وتخسف ركاماً من الفقه أوجد نوعاً من العداوة بين الله والإنسان.
والتيار التوحيدي "لا يظهر في اعتناق اليهودية والمسيحية فحسب فإن المؤلفين المسلمين الذين عُنوا بنشأة الإسلام قد أشاروا إلى وجود أناس متدينين قليلي العدد في مكة أطلقوا عليهم اسم الحنفاء، ثم أن معطيات
هؤلاء المؤرخين.. قد توضحت.. بآيات قرآنية( ) تشير إلى وجود مذهب توحيدي"( ) .
وفي التقويم العصري للسلبي أو الإيجابي في حركة التوحيد الجاهلي، يصبح الإيجابي سلبياً في عصرنا، حيث لم يعد أحد من الناس يعبد صنماً أو وثناً، وتعود للحركة إيجابيتها إذا كشف المعاصرون من الشعراء الحقيقة الأزلية للإيمان في كل نفس، فيرفعون أحقاداً تاريخية ويوحدون الله حق توحيده، عارفين أنه الأول والملجأ، فيأتي التجاوز ليمرر الإنسان المؤمن المقيد بالأغلال الكثيرة والقابع بين النبع وبين الأٌقدام الواقفة على الحافة ظانة نفسها في الوسط الديني المطلوب.
إن إيجابية التوحيد المعاصرة تطلب من الإنسان أن يستخدم مناشط التوحيد للتوصل إلى معانيه.( )




المناحي الاقتصادية


حين نقول المناحي الاقتصادية الجاهلية، نكون قد قصدنا أثر التجارة وأربابها في المجتمع الجاهلي، وأثر الماشية من إبل، وغنم، وخيل، وكل دابة نافعة.
كما نقصد الفوائد التي يجتنيها العرب من حراسة القوافل التجارية، الخارجية والداخلية.
فالبيزنطيون "كانوا يعتمدون في شؤونهم التجارية على قوافل البدو التي كانت تحمل لهم الأحجار الكريمة والتوابل من بلاد الهند، والجلود والمعادن والمواد الغريبة والحرير من الصين، لأجل ثياب أباطرتهم وحظاياهم وكهنتهم، والعطور من بلاد المجوس، والبخور من بلاد اليمن، والصمغ من أفريقية من أجل كنائسهم وقصورهم"( ) .
"وكانت كثرة التجارة مع بلاد العرب الجنوبية تنقل إلى الشام ومصر عن طريق الحجاز. وقبل أن يبدأ القرن السابع كان طريق الحجاز كله في أيدي العرب الذين ينزلون فيه، والذين جعلوا من مكة مركزاً إدارياً لهم"( ) .
كما كانت للعرب أسواق تجارية داخلية، وهي كثيرة منتشرة، ففي أقصى الشمال هناك سوق دومة الجندل، وعلى طول الخليج العربي تنتشر عدة أسواق، حيث سوق المشقر في الهجر، وسوق صحار، وسوق دبي، وفي الجنوب أسواق كثيرة أيضاً. أهمها سوق الشحر، وسوق الرابية بحضرموت، وسوق صنعاء.( )
وقد عرفت مكة أسواق عكاظ وذي المجاز، وسوق مجنة، وعرفت تهامة سوق حباشة( ) ، وهناك أسواق أخرى مشهورة.( )
وقد نتج عن التجارة وكثرة الأسواق، أمور مهمة في حياة العرب، في طليعتها: أنها كانت سبباً في تشكيل طبقة الأغربة في المجتمع العربي الجاهلي. ومنها فرز المجتمع البدوي إلى طبقتين أساسيتين:
طبقة أرباب المخائض، كما يحلو لبعض الشعراء أن يسميهم وهي طبقة ملاك الإبل، والإبل هي الرصيد المالي والمحرك لأحداث حياتهم منها "مهور نسائهم، وديات دمائهم ورهن ميسرهم"( ) .
والطبقة الثانية، هي طبقة الفقراء من الصعاليك وغيرهم، كما نتج عن ذلك سعي إلى تأمين دماء التجار وأموالهم، فأوْجدوا في تلك الأسواق من ينصب نفسه لنصرة المظلوم، ويسمون الذادة المجرمين.( )
هذه هي أهم النشاطات أو الألوان الاقتصادية التي يمكن أن يقتصد فيها الناس، فتكثر لديهم الثروة، والتي يمكن أن يتخذ الشعراء منها مواقف واضحة يمكن ذكرها.
موقف الشعراء من تضخم الثروة:
لا ندّعي أن وعي الشعراء المالي والاقتصادي في الجاهلية كان صاعداً واضحاً، لكننا نحاول أن نثبت، من خلال النصوص الشعرية التي بين أيدينا أن الشعراء كانوا يدركون أثر المال في خلق التفاوت الطبقي، كما يدركون أثره في تسوية العلاقات الاجتماعية.
قبل كل شيء لا بد من الاعتراف بقصور وعيهم الذي لم يمكنهم من إدراك قيمة العمل بصفته نشاط الناس العقلاني الهادف إلى إنتاج الخيرات المادية.
والشاعر الجاهلي يدرك خطأ المجتمع حين يذم الفقير لفقره، ويمدح الغني لغناه، كذلك يدرك بوعي منه جهل الناس الذين يفسرون غنى الأغنياء بنشاطهم وكثرة حركتهم، وفقر الفقراء بكسلهم، إنه تجاوز عن الحقيقة وتجاهل لجهود العاملين الكادحين.

ولكنه يخطئ حين يفسر القضية تفسيراً يعتمد على الحظ والقسمة كما في قول رجل من بني قريع( ) :
متى ما يرى الناس الغنيَّ وجارُهُ
فقيرٌ يقولون عاجز وجليد( )

وليس الغنى والفقر من حيلةِ الفتى
ولكن أحاظ قُسِّمَت وجدود( )

فهذا الظن القاصر، يفرغ المسألة الحقيقية القائمة على الاستغلال.
ويرى بعض الشعراء الجاهليين أن الراحة بالغنى، والتعب بالفقر، فلا يغادر الأغنياء أرضهم، على حين تحصد الغربة الفقراء الباحثين عن مصدر قُوتهم، فيكشف لنا عن طبيعة الحقيقة المتباينة للطبقتين المتباينتين، الأغنياء والفقراء، يقول إياس بن القائف( ) :
تُقِيمُ الرّجال الأغنياء بأرضهم
وترمى النّوى بالمقترين المرامِيا( )

ولا شك أن هذا الوعي وليد مدرسة الحياة والتجربة والحنكة، فقد أدركوا أثر الغنى في نفوس الناس، وكيف يوجد عندهم الحب الكاذب والبغض الكاذب.
فثار بعضهم على نمط التفكير المتخلف، وطالب الفتيان بالعمل، لينالوا مالاً، ويوجدوا سعادة، أو يغنوا دون ذلك. وإنه لعار أن يقصد المرء الفقير رجل سوء يستعطيه دون فائدة، وعلا مدّ الوعي فطالب بعض الشعراء بالعمل، ولو أدى ذلك إلى الهجرة، التي ربما أدت إلى الموت، والموت أشرف من القصود وسؤال مولى السَّوْء الذي يدنو حين اليسر، وينكر حين العسر، وينصح ألا يبطر الغنى عن الأهل وذوي القربى؛ وبهذا يكون متفهماً طابع العمل لتعديل الانحياز الاجتماعي، قال سهم بن حنظلة( ) :

يُدْني الفتى للغنى في الرَّاغِبينَ( ) إذا

لَيْلُ التّمام( ) أهمَّ المُقْتِر( ) العَزَبا( )

حتى يصادفَ مالاً أو يُقال فتىً

لاقى التي تشعب الفتيانَ فانْشَعَبا( )

إن انتيابك( ) مولى السوء تسْألُه

مثلُ القعود ولمّا تتخذ نشبا( )

إنه إدراك لواقع الحالة، لكنه غير مشحون بمضمون ثوري فيه دعوة إلى التغيير، ولا يمكن إعفاء الشاعر من هذه المهمة لأنه كان من المخضرمين، وهؤلاء المخضرمون عاشوا مرحلة المسح والتغيير.
فإدراكه قائم على معرفة نظرية اقتصادية بمفاهيم فطرية مفادها، أن قوة الطبقات الغنية جاءت على حساب الطبقات الفقيرة.
وهو مدرك أخلاق أصحاب تلك الطبقة. فهم إن رأوك غنياً ألانوا جانبهم لك، واقتربوا منك أكثر، وهذا يعني أنهم أدركوا أثر المال في ولادة ظاهرة النفاق، وهي قيمة سلبية، ولنتابع قصيدة سهم بن حنظلة:
إذا افتقرْتَ نأى واشتدَّ جانبه
وإن رآكَ غنياً لانَ واقتربَا

وذو القرابة عند النَّيْلِ يَطْلُبُه
وهو البعيدُ إذا ما جِئْتَ مُطّلِبا( )

لا يَحْمِلَنَّكَ إقْتارٌ على زُهْدٍ
ولا تزل في عطاء الله مُرْتغِبا

ألا ترى أنّما الدنيا مُعلِّلَةٌ
أصحابها ثم تَسْري عنهمُ سلَبا( )

لا تَكُ ضَبّاً إذا استغنى أضرَّ ولم
يَحْفِل قرابةَ ذي قُرْبى ولا نَسَبا( )

أثر المال في العلاقات الاجتماعية:
على الرغم من بساطة وعي الشعراء في الجاهلية، فقد استطاعوا تسليط الأضواء على أغلب مؤثرات المال في العلاقة الاجتماعية.
فالمال قد يفسد الزوجة، فتجاهر زوجها بالمفارقة والمغاضبة لأنه متلاف للمال كما في قول المرقش الأصغر( ) :
آذنت جارتي بوشكِ رحيل
باكراً جاهرت بخطب جليل( )

أزمعت بالفراق لمّا رأتني
أتلف المال لا يُذَمُّ دخيلي( )

ثم ينحسر وعيه فينعى على مكتنزي المال الغافلين عن ريب الزمان، معلناً أن الرزق قدر وتقدير، لا اجتهاد وتشمير، وهذه سلبية اقتصادية مفرطة ما زال لها رصيد من الناس في مجتمعنا المعاصر يعيشون على نظرية "اصرف ما في الجيب، يأتي ما في الغيب":
عجبت ما عجبت للعاقد الما
ل وريبُ الزَّمان جَمُّ الخُبول( )

أجْمِلِ العَيْشَ إنّ رزقَكَ آتٍ
لا يَردُّ الترقيحُ شروى فَتِيْلِ( )

ومحرز بن المكعبر( ) يجعل ماله فدىً لقومه، ووسيلة لخدمتهم. وإذا اشتدت اللزبات، وقامت ساعة القتال، فإن كلَّ ماله تحت تصرف قومه:
فدى لقومي ما جمّعت مِنْ نَشَب
إذ لفّت الحربُ أقواماً بأقوامِ( )

وإذا كانت زوجة المرقش الأصغر تريد تركه لعدم حرصه على المال، فإن زوجة عبيد بن الأبرص استقلت مال زوجها وعابت حاله، فأذاقته مرّ العيش حتى نفر منها فخيّرها بين الفراق والبقاء على هذه الحال، يقول( ) :
تلك عرسي غضبى تريد زيالي
ألبينٍ تريد أم لدلالِ؟

إن يكن طبُّكِ الفراق فلا أحفـ
ـل تعطفي صدور الجمالِ

أو يكن طِبُّكِ الدّلال، فلو، في
سالف الدهر والليالي الخوالي

فاتركي مطَّ حاجبيكِ وعيشي
معنا بالرجاء والتَّأْمالِ

والمال قد يجلب على صاحبه الموت إذا خرج غازياً في سبيله. وإذا كانت كل من الزوجتين السابقتين تريد ترك زوجها لقلة ماله، فإن زوجة مضّاض بن عمرو تمثل وعياً مناقضاً فهي حريصة على زوجها تخشى عليه القتل والهلاك، إن هو خرج غازياً، فيقول على لسانها( ) :
تقول: أقم فينا فقيراً وما الذي
ترى فيه ليلى أن أقيم فقيرا

وإن كثرة حديث النساء عن المال تجعلنا نفرد لها فقرة خاصة بها.
دور المرأة في سياسة المال:
كثيرة هي النصوص الشعرية الجاهلية التي تصور لنا ما كان يدور بين المرأة والرجل ضمن سياسة المال، ورعاية الجار، واحتمال الحقوق والعطف على الفقير والحديث عن الأملاك والموارد الاقتصادية من زرع ونخيل، ومراع وإبل وأغنام؛ حديث شعري واقعي جاء في وقت مبكر على لسان بعض شعراء الجاهلية.
كان العربي يعتز بفرسه ويكرمها لأنه يرى فيها الأداة الرئيسية في الحروب والوسيلة السريعة في الركوب.
وتراقب زوجة سوق الخيل، فتلح على زوجها في بيع فرسه، محتجة في ارتفاع أثمانها، وترى أنها فرصة سانحة لبيعها، مما يدل على أنها كانت تراقب الحركة الاقتصادية، وتشارك الرجل في سياسة المال، وربما قصدت بذلك ألا يذهب زوجها إلى الغزو، فليس لها إلا أن تسلبه فرسه، لكنه لا يرد عليها، ولا يستجيب لها، بل يبين لها مناقب فرسه الأصيلة، كما في الحديث الذي جرى بين حاجب بن حبيب الأسدي وزوجه التي تريده أن يبيع فرسه ثادق( ) :
باتت تلومُ على ثادِقٍ
ليشترى فقد جدَّ عصيانُها

وقالت: أغثنا به إنني
أرى الخيل قد ثاب أثمانُها

فقلت: ألم تعلمي أنّه
كريمُ المكبّة مبدَانُها( )

وهذا يعني أن القضايا الاجتماعية الخاصة بين الزوج والزوجة، قد ارتبطت بنمو إنتاجية العمل، وبالمردود المالي.
فمثل هذه الزوجة تتجاوز آلية الإنتاج (الفرس) على حين يدرك زوجها أن الفرس هي إنتاجية العمل، ولا شك أن المحافظة على إنتاجية العمل دليل هام على تقدمية الوعي الاجتماعي لدى الشاعر، كما أنه لا بد من الاعتراف بأن إنتاجية العمل التي عناها تقوم على اعتماد حركة الصراع.
وهذا التدخل السلبي في آلية الإنتاج الحربي من قبل الزوجة، يفسر لنا جفاء كثير من الشعراء عن آراء النساء لدرجة أن الشنفرى الشاعر الصعلوك صار يفخر بأنه لا يأخذ برأي عرسه، ولا يطالعها في شأنه، ولا يخبرها بشيء من أفعاله( ) :
ولا جبَّأٍ أكْهى مُربٍّ بعرسهِ
يُطالِعُها في شأنهِ كيفَ يفعلُ( )

ويدرك عروة بن الورد( ) أثر المال في المجتمع الذي لا يحترم الفقير لأنه في نظره "شر الناس وأحقرهم، وأهونه عليهم مهما يكن له من فضل، يجافيه أهله، وتزدريه امرأته، حتى الصغير يستطيع أن يذله أما الغني فمهما يفعل يقبل منه، ومهما يخطئ يغفر له، فللغني رب يغفر الذنوب جميعاً"( ) . ولكن منطق الزوجة يختلف، فهي تخشى عليه القتل فيطلب منها أن تتركه وشأنه يسعى في دروب الحياة التي عرفها( ) :
ذريني للغنى أسعى، فإنّي
رأيت النّاس شرّهم الفقيرُ

وأدْنأهُمْ، وأهونهم عليهم
وإن أمسى له حسبٌ وخيرُ

يباعده القريب، وتزدريه
حليلته، ويقهره الصغيرُ

ويُلْقى ذو الغنى، وله جلال
يكاد فؤاد لاقيه يطيرُ

وقد أدرك الصعاليك أسباب الصراع، ووضعوا يدهم على الجرح، فكانوا حرباً على أولئك الذين تكدست لديهم الثروة، فصنعت التفاوت الطبقي. وكأن الصعاليك أرادوا أن يعيدوا توزيع الثروة على أسنة الرماح، ورؤوس السهام، فصاروا يؤثرون على أنفسهم، ويوزعون ما عندهم من مال وثروة على الفقراء من الناس، فكلما أوشك عروة على الغنى، حال بينهما فقير أبو عيال( ) :
إذا قلت قد جاء الغنى، حال دونَه
أبو صِبْيَةٍ يشكو المفاقر أعْجَفُ

له حِلَّةٌ لا يدخل الحق دونها
كريم أصابته خطوب تجرِّفُ

وربما فعل عروة ذلك ليحافظ على تماسك الأسرة التي راحت تتفتت تحت تأثير الحاجة.
ويبدو أن الأغنياء تباخلوا أكثر في سبيل الحصول على بعض زوجات الفقراء اللواتي كن يرحلن عن أزواجهن، ويصدفن عنهم إلى غيرهم من الرجال لا لشيء إلا لأنهم فقراء وغيرهم من الذين اخترنهم أغنياء، كما في حديث سبيع بن الخطيم( ) التميمي وهو يعرض مأساته مع زوجه التي اختارت عليه رجلاً غنياً:
بانت صدوف فقلبه مخطوف
ونأت بجانبها عليك صدوفُ

واستبدلت غيري وفارق أهلها
إنّ الغنيّ على الفقير عنيفُ

وشكواه، ما زلنا نشكو مثلها. فإن كثيراً من نساء عصرنا يغلقن عقولهن، ويذبحن قلوبهن ركضاً خلف مالٍ زائلٍ، أو جاهٍ زائفٍ. ولا شك أن وعي الشاعر الجاهلي هذا، سابق وعي كثير من الشعراء في عصرنا من الذين لم يعالجوا هذه المعضلة المنتشرة في مجتمع نساء اليوم.
فالمرأة لها دورها الكبير في العلاقات المالية سلباً كما رأينا في إيجاد نوع من تفسخ العلاقات الإنتاجية، فرآها الشنفرى مثبطة للهمة، فلم يستشرها، وإيجاباً في مشاركتها الحياة الاقتصادية.
كما دلت على أن وجود الإنتاج الجماعي، يكاد يكون مفقوداً. وأنها الورقة الرابحة التي كانت بيد الأغنياء لهدم الأسر وتفرق الزوجات عن أزواجهن وأولادهن.
ومنطق آخر فيه السلبية أيضاً تمثل في خوف بعض النساء على أزواجهن فيُحاوِلنَ تثبيط الهمم خِيفة القَتْل.
ولما كان أثر المال كبيراً في المجتمع الجاهلي، فإنه لا بد من الاعتراف ببعض أغنياء الجاهلية وحكامها- وهم قلة- من الذين تجاوزت ألمعيتهم حدود قبائلهم فكانوا يدركون أثر المال في جمع الناس، وتفريقهم، ويشركون الفقراء في أموالهم، فلا يقصدهم سائل إلا عاد مخصباً، ومعه ما يركبه من ناقة أو بعير أو فرس، وهؤلاء قوم بشر بن عمرو( ) الشاعر الجاهلي يشكلون وحدة إنتاجية جماعية، فالمرء يعيش بينهم( ) :

في إخوة جمعوا ندىً وسماحةً
هُضْمٍ إذا أزْمُ الشتاء ترعَّبا

غلبت سماحتهم وكثرةُ مالِهِم
لزباتِ دَهْرِ السوءِ حتى تَذْهبا( )

وتَرى الَّذِي يَعْفُوهُمُ لحِبائِهِمْ
يُحْبى ويرجو منهمُ أنْ يَرْكَبا

إنه نوع من العمل الجماعي المباشر يعزز مواقع الطبقة الكادحة. كما أنه نوع من الاشتراك الجماعي الذي يساعد التغلب على العادة الأنانية في معارضة المصالح الاجتماعية في وقت كان التاريخ العربي فيه "يسجل صراعاً مع ظروف الحياة لا صراعاً بين الطبقات فحسب"( ) . فكانت مواقف الشعراء تلك "تقوم على المفاهيم البسيطة التي تعارف عليها الناس في (العصر الجاهلي) نتيجة عوامل غير العوامل التي انبعثت منها الاشتراكية الحديثة"( ) .
ولكن هذا لا يعني أنهم غير ملومين،. كان الأجدى بالشعراء أن يحطموا مفهوم قداسة المال، لا أن يصرعهم بريقه، فيصارعون في سبيل ما يرفع من شأنهم نزولاً عند ما هو سائد في المجتمع عصرئذ.
لقد اعتقدوا بأن مسألة الغنى حظ وقسمة، وهذه سلبية في التفكير، كما رأوا الناس يحترمون الغني لغناه، فأجهدوا أنفسهم للوصول إلى الغنى علهم يحترمون وهذه سلبية في العمل والتفكير أيضاً.
كان عليهم أن يحصروا نفوذهم بالوقوف إلى جانب الحقيقة المتمثلة بسوء توزيع في الثروة قام به الأغنياء حين استغلوا جهود الشغيلة المتعبة. كما كان عليهم رفع قيمة الفرد لأن المكانة قيمة تكمن في الفرد ذاته، في تفكيره وسلوكه، لا في جيبه أو رصيده. إن مواقفهم تنازل كبير ويجب ألا يقع فيه شعراء اليوم، وهم يستلهمون الماضي لتأدية دورهم في الحاضر المشابه لدورات تاريخية كثيرة جاهلية وغير جاهلية.
والسؤال الآن: ما هي المدرسة الأدبية التي ينتمي إليها مثل هذا الشعر؟
الملاحظ أنه ليس إصلاحياً، كما أنه ليس ثورياً. إنهم أخطأوا التفسير فلم يعرفوا كيف يعالجون مواقف الناس من المفاهيم المالية فلم يصلحوا،. كما أنهم ليسوا ثوريين، ليكون شعرهم ثورياً. فما هو الانتماء الأدبي لهذا الشعر؟
إنه صورة واقعية، وصورة صامتة لمجتمع قامت فيه علاقات تسلط.
ولو أتيح للشعراء نظرية سياسية تتبنى واقع الكادحين، وتعمل على تغييره، لفتح أمامهم باباً طويلاً،. ولكن هذا لم يكن لطبيعة الإطار التاريخي العربي عصرئذ. وحتى شعراء الصعاليك فإن وعيهم وطبيعة حركتهم لم تنبعا عن نظرية سياسية ثورية تتمنى تغيير بنية المجتمع، فآلت إلى العقم إنه شعر موضوعي واقعي كما يعبر عنه في اللاتينية إنه يدور في عالم واقعي. كما في قول حاجب بن حبيب السابق( ) :
باتت تلوم على ثادق
ليشترى فقد جد عصيانها

وقالت: أغثنا به إنني
أرى الخيل قد ثاب أثمانها

فهي تراقب السوق، وتلاحظ ارتفاع أثمان الخيل فتطلب بيعه، كما تفعل المرأة المعاصرة وهي تراقب ارتفاع الذهب فتطلب من زوجها بيع ما عنده لتشتري شيئاً آخر وهو واقعي في جوابه لها:
فقلت: ألم تعلمي أنه
كريم المكبة مبدانها

كما أن الحديث عن وضع الطبقات الفقيرة، حديث واقعي، وبكلمة أدق: إن الشعر الذي مر بنا، تناول قسماً مهماً من حياة الأدب، بتعقيدها، يدور حول الإنسان بأوضاعه المادية المختلفة، ومواجهته لهذه الأوضاع، وبهذا فتح هذا الشعر حدود الأدب الجاهلي إلى أقصى أبعاده، وزاده غنى وتنوعاً."
والوجه الإيجابي الذي نراه بمنظور عصرنا، يكمن في نوعية الصدق الفني يحمله هذا الشعر في التعبير عن روح المجتمع، وليس صدقاً في التعبير عن قوانين الحياة وتطورها.
كما أنه الكاشف عن عوامل تقبل الطبقات الكادحة التي ألفت الإسلام فيما بعد.



المناحي التربوية

في المناحي التربوية:
لسنا هنا أمام وثائق تربوية إذ أننا- ولسوء الحظ- لا نملك وثائق في هذا الجانب، ولكننا نقف على ما وصلنا من التراث، من أشعار كثيرة، إلى خطب وأمثال، وقصص، ونوادر.
وأكثر ما نعتمد في بحثنا هذا الشعر لنقف من ورائه على المناحي التربوية في المجتمع الجاهلي. هناك أصول وأعراف تربوية أخذ بها الجاهليون واستمر كثير منها بعد الإسلام.
فقد كان العربي يريد لابنه التربية الحسنة، ولابنته التربية الخلقية الرفيعة ولجيرانه احترام جيرتهم، ثم إنه يملك الغيرة والعفة وهذه سمات فطرية في النفس العربية يربى عليها الجاهلي.
الخصال الحميدة التي يربى بها الفتى:
التصق أدب الجاهليين بحياتهم اليومية التصاقاً وثيقاً، فالعربي كان يقتبس خلقه من تجاربه ومن حنكته، ويجعها سجلاً للمثل والأخلاق العربية الجاهلية والوثائق التربوية الشعرية تسجل تلك المثل وتحببها إلى نفس الفتى العربي، مما جعل للشعر دوراً في مجال التربية، يمكن استخدامه في التربية الحديثة.
ومثل هذا الشعر يعتبر من الأدب الرفيع والخلق السامي. فقصيدة مفضلية من أولها إلى غايتها سياسة رسمها الشاعر لابنه "جبيل" اقتبسها من خلق العربي ومن تجاربه وحنكته. فهي بذلك سجل للمثل الأخلاقية العالية عند العرب ودليل على عناية هؤلاء القوم بتربية أبنائهم، وحرصهم على السمو بها، وهي للشاعر عبد قيس بن خفاف( ) قال( ) :
أجُبيْلُ إنّ أباك كارَبَ يَوْمُه
فإذا دُعيت إلى العظائِمِ فاعمَلِ( )

أوصيك إيصاءَ امرئٍ لك ناصِحٍ
طَبِنٍ بريب الدَّهرِ غير مُغَفَّلِ( )

الله فاتَّقِهِ وأوف بنذرِهِ
وإذا حلفت محارباً فتحلَّل( )

والضيفَ أكْرِمْهُ فإنَّ بيتَهُ
حقٌّ، ولا تك لُعْنَةً للنزَّلِ( )

واعلم بأنّ الضيفَ مخبرُ أهْلِهِ
بمبيت ليلتهِ وإنْ لم يُسْألِ

ودع القوارص للصّديقِ وغيرهِ
كي لا يروك من اللئام العزَّلِ( )

فهو يضع الخطوط العريضة فيحمله على الأخذ بتقوى الله، وإيفاء النذور، ومواصلة الصديق الوفي بالود، وألا يدخل في جدال عقيم، ويحثه على إكرام الضيف، وتجنب الكلام القبيح.
ثم يحذره في قسم آخر من الإقامة في دار الهوان، فمن أقام في دار الهوان سهل عليه الهوان، وليس من يرفض الهوان، كمن يعتمل الضيم ويقوم عليه، يقول( ) :
وصِلِ المواصِلَ ما صفا لك وُدُّه
واحذر حبال الخائن المتبدِّلِ

واترك محل السوء لا تحلل به
وإذا ؟؟ منزل فتحوَّلِ

دار لهوان لمن رآها دارَهُ
أفَراحِلٌ عنها كمن لم يَرْحَلِ

ولْيتَّئد المرء إذا تحدثه نفسه بالشر، وليسرع إلى عمل الخير عاجلاً. هذه تعليمات لاحقة في القصيدة ذاتها في وقت كان الناس فيه يكيلون الصاع صاعين.
وهذا لا يعني أن ينصاع الإنسان للقوارص، فيطلب منه ألا يسكت على الظلم وأن يدفع العدوان بالعدوان، ولكن العدوان هنا دفاع عن النفس ونفي للذل والهوان، يقول( ) :
وإذا هممت بأمْرِ شرٍّ فاتَّئِدْ
وإذا هممت بأمر خيرٍ فافْعَلِ

وإذا أتتك من العدوِّ قوارِصٌ
فاقرُصْ كذلك ولا تقُل لم أفْعَلِ

وليس مطلوب من المرء أن يتجشع ويتذلل إن حل به الفقر، كما يجب ألا يرجو زيادةً أو فضلاً عن غير المفضلين.
وفي الحرب على المرء أن يكون فتاكاً شجاعاً، يتقيه الناس ويتحامونه كما يتحامون الأجرب وطلاءه.
وخير ما يستغني به الإنسان عن الناس هو الله، فحين يغني الله يكون الصرف من ماله، وإذا وقع الفقر، فليس أفضل من التجلد وتكلف الصبر، يقول:
وإذا افتقرت فلا تكن متخشناً
تزجوا الفواضل عند غير المُفْضِلِ

وإذا لقيت القوم فاضرب فيهم
حتى يروك طلاء أجربَ مُهْمِلِ

واستغن ما أغناك ربك بالغنى
وإذا تصبك خَصاصةٌ فتجمَّلِ( )

والجاهلي يريد لولده أن يتعلم الأناة والصبر في الأمور كلها، ولا يريد له التودد( ) ، كما يدربه على حسم الأمور، فإذا حدث ونازعته نفسه في أمرين، ما عليه إلا أن يلجأ إلى العفيف منهما. والتفريج عن الكرب أمر يريده الجاهلي لولده، فمواساة المحتاج وإجابته لما يريد وتخليصه من الهم والكرب أمر ذو قيمة رفيعة فيها دربة تربوية، قال:
واسْتَأنِ حلمك في أمورك كلِّها
وإذا عزمت على الهوى فتوكَّلِ( )

وإذا تشاجَرَ في فؤادِك مرّةً
أمرانِ فاعْمِدْ للأعفّ الأجْمَلِ

وإذا لقيتَ الباهشين إلى النَّدى
غُيْراً أكفُّهم بقاعٍ مُحصلِ( )

فأعِنْهمُ وايْسِرْ بما يَسَروا بهِ
وإذا هُمُ نَزَلُوا بِضَنكٍ فانْزِلِ( )

والذي نأخذه على أصحاب تلك الوثائق التربوية أنها تأتي متأخرة عند الكبر والشيخوخة، أو عند الموت. والأصل في هذا أن تصدر عن قوة وعزيمة فتكون ورقة نافعة وعملية، بدل أن تكون عظةً مؤثرة في ساعة موت. فهذا عبدة بن الطبيب( ) لما أسنّ ورابه جمع بنيه يوصيهم في هذه القصيدة. فأنشأ يسرد لهم ما خلف من مآثر باقية. ثم نصحهم بتقوى الله وبر الوالد، والاتحاد وترك التنابذ، والحذر من النمّام والمنافق ثم نوّه بحسن رأيه في المفضلات وغلبته في المفاخرة.
ثم صور يومه الأخير، وذكر البكاء والقبر، وقدم لبنيه عزاء بأن الموت غاية كل حي، قال( ) :
أبنيْ إنّي قَدْ كبرتُ ورابَني
بَصَري، وفي المصلِحِ مستمتعُ( )

فلئنَ،ْ هَلكْتُ لَقَدْ بنيتُ مساعياً
تبقى لكم منها مآثِر أرْبَعُ( )

ذِكْرٌ إذا ذُكِرَ الكرامُ يزيّنكُم
ووراثةُ الحَسب المقدّم تنْفَعُ( )

ومَقامُ أيامٍ لهنَّ فَضِيْلَةٌ
عندَ الحفيظَةِ والمَجامِعِ تجمعُ( )

ولُهىً من الكسب الذي يغنيكم
يوماً إذا احْتَضَر النّفوسَ المطمعُ( )

ونصيحةٌ في الصَّدْرِ صادِرَةٌ لكُمْ ما دمْتُ أبصر في الرّجالِ وأسمعُ

أُوْصِيكم بتقى الإله فإنَّه
يُعْطي الرّغائبَ مَنْ يشاء ويمنعُ( )

وببرّ والدكم وطاعةِ أمْرِه
إن الأبر من البنين الأطمعُ

إن الكبير إذا عصاه أهْلُهُ
ضاقَتْ يَداه بأمره ما يصنعُ

ودعوا الضَّغيْنَةَ لا تكُنْ من شَأْنِكم
إنَّ الضَّغائن للقرابة توضعُ( )

واعصُوا الذي يزجي النمائم بيْنكم
متنصحاً، ذلك السّمام المنقعُ( )

إنّ الحوادث يخترمن، وإنّما
عمر الفتى في أهله مستودعُ( )

يسعى ويجمع جاهداً مستهتراً
جداً، وليس بآكلٍ ما يَجْمعُ( )

ويلاحظ أن هذه الخطوات والتوجيهات التي يريدها الشاعر- ولنا عودة إليها- ما هي إلا استجابة لحاجات كانت قائمة في المجتمع الجاهلي.
الخصال الحميدة التي تربى بها الفتاة:
بالإضافة إلى تلك القيم التي مرت هناك أمور تربوية أخرى تتلقنها الفتاة في الجاهلية مرةً عن أبيها ومرةً عن أمها.
ففي الزواج هناك تعليمات خاصة ونصائح تربوية قيمة تقدمها الأم لابنتها حرصاً منها على سعادتها ونجاح زوجها.
من ذلك ما روي عن خطبة عمرو بن حجر إلى عوف بن محلم الشيباني. فقد خطب عمرو أمَّ إياس ابنة عوف، فقال: نعم أزوجها على أن أسمي بنيها وأزوج بناتها. فقال عمرو بن حجر: أما بنونا فنسميهم بأسمائنا وأسماء آبئنا وعمومتنا، وأما بناتنا فيكحن أكفاؤهن من الملوك، ولكني أصدقها عقاراً في كندة وأمنحها حاجات قومها، لا ترد لأحد منهم حاجة، فقبل ذلك منه أبوها وأنكحه إياها.
فلما كان بناؤه بها خلت بها أمها، فقالت: أي بُنَيَّة، إنك فارقت بيتك الذي منه خرجت، وعشك الذي فيه درجتِ، إلى رجل لم تعرفيه وقرين لم تألفيه، فكوني له أمة يكن لك عبداً، واحفظي له خصالاً عشراً يكن لك ذخراً.
أما الأولى والثانية فالخشوع له بالقناعة، وحسن السمع له والطاعة. وأما الثالثة والرابعة: فالتفقد لموضع عينه وأنفه، فلا تقع عينه منك على قبيح، ولا يشم منك إلا طيب ريح.
وأما الخامسة والسادسة: فالتفقد لوقت منامه وطعامه، فإن تواتر الجوع مهلكة وتنغيص النوم مغضبة.
وأما السابعة والثامنة: فالاحتراس بماله، والإرعاء على حشمه وعياله، وملاك الأمر في المال حسن التقدير، وفي العيال حسن التدبير.
وأما التاسعة والعاشرة فلا تبقين له أمراً ولا تفشين له سراً، فإنَّكِ إن خالفت أمره أوغرت صدره، وإن أفشيت سره لم تأمني غدره. ثم إياك والفرح بين يديه إذا كان مهتماً، والكآبة بين يديه إذا كان فرحاً.( )
وأحياناً كانت التربية الجاهلية تحسن إلى المرأة في اختيار زوجها وتستشار بأمر زواجها فتختار من تريد.
ذُكر أنَّ هند بنت عقبة بن ربيعة- بعد أن فشلت في زواجها الأول من الفاكه بن المغيرة المخزومي- قالت لأبيها:
يا أبت إنك زوّجتني من هذا الرجل ولم تؤامرني في نفسي، فعرض لي معه ما عرض، فلا تزوجني من أحد حتى تعرض عليَّ أمره، وتبين لي خصاله. فخطبها سهيل بن عمرو وأبو سفيان بن حرب، فدخل عليها أبوها، وهو يقول( ) :
أتاكِ سهيلٌ وابنُ حَرٍْ وفيهما
رضً لك يا هند الهنودِ ومَقْنَعُ

وما منْهُما إلا يُعاشُ بِفَضْلِهِ
وما منهما إلا يضرُّ ويَنْفَعُ

وما منْهُما إلاّ كَريْمٌ مرزّأٌ
وما منْهُما إلا أغرّ سمَيْدَعُ

فَدُونَكِ فاخْتَارِي فأنت بَصِيْرَةٌ
ولا تُخْدَعي إن المُخَادع يخدَعُ

قالت: يا أبت، والله ما أصنع بهذا شيئاً، ولكن فسّر في أمرهما وبيّن لي خصالهما، حتى أختار لنفسي أشدهما موافقة لي. فبدأ بذكر سهيل بن عمرو فقال: أما أحدهما ففي سطة( ) من العشيرة وثروة من العيش، إن تابعته تابعك، وإن ملت عنه حط إليك، تحكمين عليه في أهله وماله.
وأما الآخر فموسّع عليه منظور إليه، في الحسب الحسيب، والرأي الأريب، مِدْره أرومته، وعزّ عشيرته، شديد الغيرة، كثير الطّيرة، لا ينام على صفة ولا يرفع عصاه عن أهله.
فقالت: يا أبتِ، الأول سيّد مِضْياع للحرّة، فما عست أن تلين بعد إبائها، وتصنع تحت جناحه، إذا تابعها بعلُها فأشِرَت، وخافها أهلها فأمّنت، فساءت عند ذلك حالها، وقبح عند ذلك دلالها، فإن جاءت بولد أحمقت، وإن أنجبت فعن خطأ ما أنجبت، فاطو ذكر هذا عني ولا تسمّه لي.
وأما الآخر فبعل الفتاة المزيدة، الحرة العفيفة، وإني للتي لا أريب له عن عشيرة فتغيره، ولا تصيبه بذعر فتغيره لأخلاف مثل هذا لموافقة، فزوِّجنيه، فزوّجها من أبي سفيان.
وهناك مواقف أخرى من المرأة، بعضها أيّده العلم، وبعضها لا يؤيده علم ولا شرع.
فإنهم يرون أن الغرائب أنجب وبنات العم أصبر، ويقولون في هذا اغتربوا ولا تضووا. أي انكحوا في الغرائب، فإن القرائب يضوين البنين. ومن عجيب معتقدهم في الوقوع على المرأة أنه يتم هذا إذا أراد الرجل أن يصلب ولد المرأة، فله أن يغضبها ثم يقع عليها، وفي هذا يقول أبو كبير الهذلي( ) :
ممن حُمّلن به وهنّ عواقد
حُبكِ النِّطاق فشبَّ غيرَ مهبَّلِ

حَمَلَتْ به في ليلةٍ مزؤدةٍ
كرهاً وعقدِ نطاقها لم يُحْلَلِ

وفي العقد الفريد جزء يسير من هذه الأخبار.( )
وهناك رؤى ترتبط بالنظرة العامة التي يراها العربي الجاهلي في المرأة، حيث ينظر إليها على أنها مكمن اللذة تطارد في الرجل شبابه وماله، وهو أيضاً لا يجد فيها إلا ملاذاً للذة، فيأتي برؤية قاصرة ذات حدين، وقد اعتبر أبو عمرو ابن العلاء علقمة بن عبدة( ) أعلم الناس بالنساء في الجاهلية إذ يلخص رأي المجتمع الجاهلي في المرأة ويحدثنا عما تبتغيه في الرجل، وإذا كان لقول علقمة التالي الذكر من وجهة إيجابية فهو يعطينا صور عن نظرة المجتمع الجاهلي إلى المرأة، لكنها في الحقيقة صورة قاسية سلبية تحصر المرأة التي تشكل نصف المجتمع البشري في نطاق ضيق من الحياة، وفي رؤية المصلحة المادية واللذة الذاتية، يقول( ) :
فَإنْ تَسْألُوني بالنّساءِ فإنّني
بصيرٌ بأدْوَاءِ النّساءِ طَبيْبُ

إذا شابَ رأسُ المرء أو قلَّ ماله
فليس لـه من ودّهُنّ نَصيْبُ

يُرِدْنَ ثراء المالِ حيثُ عَلِمْنَهُ
وشرخُ الشّباب عندهنَّ عَجِيْبُ( )

وهذه النظرة القاصرة امتدت في التربة العربية حتى أيامنا حيث ما زال قسم كبير من الأعراب والعرب لا يرى في المرأة إلا الغدر، وقصر النظر وأن مودتها لا تعطى إلا لمن كثر ماله أو كان شديد سواد الشعر.
وهذه النظرة تقرير يقدمه الشاعر الجاهلي عن نظرة أهل الجاهلية إلى المرأة في وقت كان أغلب فكره فيه محصوراً في الانتقاء والتفضيل بعيداً عن العلة والتحليل.
مظاهر أخرى في التربية الجاهلية:
ومن هذا المنحى التفضيلي في عالم التربية تفضيلهم بعض الأصدقاء على الأقارب، واختيار القرين، وهذا أمر هام، فمن خلال هذا القرين يُحْكَم على المرء، كما في قول عدي بن زيد( ) :
عَن المَرْءِ لا تَسَل وسَل عَنْ قَرِيْنِه
فكلُّ قَرِيْنٍ بالمقارن يقْتَدِي

ومن هذه القيم التربوية التحبب إلى الناس، وإظهار صفات المودة والمحبة. وشعارهم في هذا الوفاء لأهل عصبيتهم ولمن يعطى العهد فلا يسعهم أن يغدروا، وإذا حدث وغدر الرجل منهم رفعوا له في سوق عكاظ لواء ليعرف الناس غدره، فيفضحوه، فيرتدع غيره عن مثل عمله لتكون للتربية جوانب عملية، وإلى هذا اللواء كان قطبة بن أوس الحادرة يشير إذ قال( ) :
أسمّي ويحكِ هل سمعتِ بِغَدْرَةٍ
رفع الواء لَنَا بها في مَجْمَعِ

ومن أسس التربية السليمة التي سار عليها الجاهليون، مبدأ ولا تزر وازرة وزر أخرى، فقد كانوا يرون أن أولى الأمور بالإنسان خصال نفسه، فإن كان كريماً ولداً لآباء لئام لم يضره ذلك، وإن كان لئيماً ولداً لآباء كرام لم ينفعه ذلك، وفي هذا يقول عامر بن الطفيل العامري( ) :
وإنّي وإن كنتُ ابنَ سيد عامر
وفارسها المشهور في كلّ موكبِ

فما سوّدتني عامرٌ عن وراثةٍ
أبى اللهُ أنْ أسمو بأمٍّ ولا أبِ

ومن الشعر التربوي ما يعلم مكارم الأخلاق كما في لامية الشنفرى. فهذه اللامية تحتوي على اصول تربوية عريقة استقاها الشاعر من الحياة وفيها يبحث على الإباء، ودعوة إلى مفارقة من لا يرجى خيره، ودعوة إلى الصبر والجلد، وتحمل المشاق في سبيل المآرب الجليلة.
وقد نسجت حول هذه القصيدة أقاويل كثيرة( ) . وتبقى في ذهننا القصيدة التي تعطي صورة حية عما يريده الجاهلي من تربية ويراه خير ما يتوصل إليه الإنسان العربي، يقول:
أقِيْموا بني أُمّي صدورَ مطيكُمْ
فإنّي إلى قَوْمٍ سواكم لأَمْيَلُ

وفي الأرض منأىً للكريم عن الأذى
وفيْها لِمَنْ خافَ القِلَى مُتَحوَّلُ

لَعَمْرُكَ ما في الأرضِ ضيقٌ على امْرِئ
سرى راغِبَاً أو رَاهِباً وهو يَعْقِلُ

فالدعوة إلى إباء الضيم، ومفارقة من لا خير فيه، وترك البلاد التي تؤذي المرء صريحة واضحة. ويقدم كشفاً بالصفات السلبية التي لا يرتضيها:
ولستُ بمهيافٍ( ) يعشّى سوامَه( )


مجدّعة( ) سُقْبانُها( ) وهي بُهّلُ( )

ولا جبأٍ( ) أكْهَى( ) مُربٍ( ) بعِرْسِهِ

يُطالعُها في أمْره كَيْفَ يَفْعَلُ

ولا خَرِقٍ( ) هَيْفٍ( ) كأنّ فؤادَه


يظلُّ به المكّاءُ( ) يعْلُو ويَسْفُلُ

ولا خالف( ) داريه( ) متغزّل

يروحُ ويغدو داهناً ؟؟

ولستُ بِعُلٍّ( ) شرُّه دونَ خَيْره


ألفّ( ) إذا ما هجتَهُ اهتَاجَ أعزَلُ( )

ولستُ بمِحْيار الظَّلاَم إذا انْتفَتْ

هدى الهَوْجَل( ) العسيف( ) بهماء هَوْجَلُ( )

وكثيراً مما افتخر به الشاعر وعابه ما زال ماثلاً في أذهان العرب في عصرنا هذا، ففي الجزيرة الفراتية. ما زال الناس هنا يعيبون على الرجل جلوسه في البيت ويعيبون عليه استشارته لزوجه، ويفتخر بعضهم بأنه لا يعبأ برأي المرأة ولا يأخذ له اعتباراً مهما كان. كما أنه من المعيب عند بعضهم أن يطالع زوجه بما يريد أن يفعل. ثم يسرد صفات إيجابية أخرى تصلح مثالاً في تربية الأعرابي، يقول:
إذا الأمعزُ( ) الصّوان لاقى مناسمي
تطايَر منه قادحٌ ومغلَّلُ

أُدِيْمُ مُطال الجُوْع حتى أمِيْتُه
وأضْرِبُ عَنْهُ الذكر صَفْحاً فأذهَلُ

جلد على المتاعب، وصبر على المشاق، وإقدام وقوة. كما يخط سياسة الإباء في رفض تحمل منة الناس، مهما كانت الحاجة ماسة:
وأستفُّ تُرْبَ الأرض كيلا يرى له
عليّ من الطول امرؤ متطولُ( )

ولولا اجتناب( ) الذأم لم يلف مشرب
يعاش به إلا لديّ ومأكلُ

ولكنّ نفساً حرّةً لا تُقِيْمُ بي
على الضيمِ( ) إلا ريْثَما أتحولُ

اســـــتنتاج:
يلاحظ الباحث التربوي أن هذه النصوص الشعرية التربوية- على قلتها- تؤكد أموراً تربوية مهمة.
فمن جهة تظهر على أنها استجابة لحاجات كانت قائمة في المجتمع الجاهلي، ومن جهة أخرى فإنها تؤكد أموراً تربوية عربية معاصرة كما سيظهر معنا في نهاية الاستنتاج. كما أنها تقرير تربوي ميداني عن تأديب النفس، ورياضتها على مكارم الأخلاق، وتنمية التفكير، والنهوض بتكاليف إيجابية كثيرة ترتكز على الأصالة.
"إن التربية في جوهرها عمليات نفسية واجتماعية تصدر عن شخصية الإنسان بجملتها، جسماً وفكراً ووجداناً وإرادة وخلقاً، تتحقق على خير وجوهها إذا شملت تلك النواحي وعملت على تكاملها وهي إنما تفهم طبيعتها بالاستناد إلى الفكر الإنساني وتطور العلم الحديث في مجال العلوم السلوكية خاصة، والممارسة الواقعية والتجريب، وتحتاج خاصة إلى سند من التحليل الفلسفي والتحليل العلمي، يعني الأول خاصة بالأهداف، والغايات، والثاني خاصة بالأساليب والوسائل والعمليات"( ) .
أمام هذا النص المطول نستطيع أن نعود مرة أخرى إلى القصائد التي مرت بنا. فعبد القيس البرجمي مجرّب مرت عليه سنون من دراسة المجتمع حولـه بأشكاله، وأنواع معاملاته، فيخرج لابنه بتحليل نفسي وعلمي ليرسم له أهداف وجوده في هذه الحياة، وليصنع له الوسائل الكفيلة بتحقيق تلك الأهداف، ويؤكد له قيمة وصيته النابعة من أصالة المجتمع الذي يعيشه بقوله:
أوصيكَ إيصاء امرئٍ لكَ ناصِحٍ
طَبنٍ برَيْب الدَّهْر غير مغفَّلِ

ثم يضع له خطوطاً تربوية كثيرة يبدأها بالخط الإيجابي، أو المبدأ الإيماني بالمصطلح المعاصر، فيطلب منه تقوى الله، وتقوى الله أمر كبير يوجد شخصية متزنة في مناحيها الكثيرة، اتزان بين الروح والجسد، واتزان بين المعرفة والوجدان، وبين الفكر والعمل، وبين الإرادة والمسؤولية، وهي الأنواع المتعددة الشاملة المنظمة لشؤون الحياة عامة( ) .
وبعد أن وضح له المبدأ الإيماني، راح يغرس فيه مجموعة من القيم النفسية المستمرة، ويعتبرها نظام حياة شاملة، ومتكاملة في تفاعلها مع ظروف الزمان والمكان.
ثم يأتي عبدة بن الطبيب ويقدم مجموعة أخرى من القيم، ثم يؤكد على تقوى الله كذلك بحلة إيمانية موحدة. ومع أن الشاعر مخضرم أدرك الإسلام إلا أن هذا النَّفَس التربوي في قصيدته لا يعني أنه سالم من كل ما هو جاهلي، وتكاد تكون كسابقتها، عدا أنها تأخذ طابع وصية أكثر من كونها تعاليم تربوية.
فهو يذكرهم بالمكارم التي بناها لهم، من شرف وصيت وحسب ومال. وهذه القيم النفسية والمادية مما يعتز به الجاهليون والمسلمون ويظهر أن التعاليم الإسلامية بارزة التأثير في الأبيات السبعة الأخيرة ففيها إنجاز الحركة الإسلامية الفاصلة من صدٍّ عن نزعات الغي، والهوى الشخصي، وتذكيرٍ بنهاية المرء والحياة.
ومن خلال النظر في هذه النصوص تتبين لنا مكانة الإنسان الصالح في الوجود.
فهي تسعى إلى شمولية في النظر إلى تكوين هذا الإنسان. وهذه مبادئ "تسعى إليها أرقى النظم الاجتماعية المعاصرة، وتحاول المذاهب التربوية الحديثة تمثلها والدعوة إليها"( ) .
فصلاح المجتمع من صلاح الفرد، وصلاح الفرد يأتي من خلال نظرة تربوية شاملة.
والحقيقة أن هذه الخطوات، أو فلنقل المبادئ التي طرحت هنا لا تخلو من سلبيات وإيجابيات.
فالسلبيات التي نحصلها من هذه النصوص- على ضوء الدراسة الاجتماعية والتاريخية- تتمثل في مظاهر مختلفة ولكنها متداخلة.
فهناك انقطاع تام بين التربية العربية الجاهلية وتربية الأمم المجاورة وذلك لما قلناه من أنها استجابة لحاجات كانت قائمة في المجتمع الجاهلي.
وهناك واقع عربي في إطار قبلي فقير يجعل التربية في حالة من الركود. ويجعلها تسعى إلى تغير معالم الفقر عن طريق الحث على الكرم والسخاء، فتأخذ طابعاً إصلاًحياً.
كما أن هذا الأمر يهز أهداف التربية الديمقراطية... ويجعلها متفاوتة بتفاوت الوضع الطبقي. فإذا دعا الغني ابنه إلى الكرم والسخاء، فإلامَ يدعو الفقير ابنه في هذا الجانب؟..
كذلك السنّ التعليمية أو الوقت التعليمي الذي يبدأ الشاعر فيه، سلبية بحد ذاته، وهذه السلبية تجعل من التعليم التربوي مجرد نصائح خاصة تأتي للكبار، ومن بعد عمر مديد.
والإيجابيات نستطيع إجمالها بقيمة الأهداف السلوكية التي تبتغيها هذه التربية، فهي تملك خصائص أصلية نابعة من حاجة المجتمع، لكنها لا تملك المعاصرة.
كما تبرز هذه الإيجابيات في الوحدة الإيمانية، وفي وحدة العادات والتقاليد، وفي وحدة الهدف اللغوي.
وعلى ضوء المبادئ الاستراتيجية( ) المقترحة في التربية العربية المعاصرة والمتمثلة بالمبادئ التالية:
1-المبدأ الإنساني.
2-التربية للإيمان.
3-المبدأ القومي في التربية.
4-المبدأ التنموي.
5-المبدأ الديمقراطي.
6-مبدأ التربية للعلم.
7-مبدأ التربية للعمل.
8-التربية للحياة.
9-مبدأ التربية للقوة والبناء.
10-مبدأ التربية المتكاملة.
11-مبدأ الأصالة والتجديد.
12-مبدأ التربية للإنسانية.
من هذه المبادئ العربية المعاصرة، ما جاء في وثائق الجاهليين والإسلاميين الشعرية والتربوية. فمبدأ التربية للإيمان وجدناه في الدعوة إلى تقوى الله وما ينجم عنها. وكذلك مبدأ التربية للقوى والبناء مع اختلاف بين البناء القبلي والبناء القومي، ومبدأ التربية المتكاملة كذلك مع الاختلاف الذي ذكرناه أيضاً.
أما المبدأ الإنساني، والتنموي، ومبدأ التربية للحياة، والمبدأ الديمقراطي، ومبدأ التربية للعمل وللعلم، ومبدأ التربية للإنسانية فقد أكدت عليها التربية الإسلامية فيما بعد.
يزداد حرصي في نهاية الحديث عن العصر الجاهلي أن أيبن شيئاً ربما تبادر إلى ذهن القارئ أنه سلبي في هذه الدراسة الخاصة بالسلبية والإيجابية.
الحقيقة أنني حاولت أن أحشد أهم المواقف السلبية والإيجابية من أهم المفاهيم الجاهلية.
وقد جعلنا هذا الأمر نتجاوز الكيف أحياناً في معالجة بعض المواقف فبدا الأمر كأن خللاً في تأليفنا هذا.















الباب الثاني:

العصـــر الإســـلامي







الفصـــل الأول



1- الشعر ونفوذه في الإسلام.
2- التغيّرات البنيويّة في المجتمع العربي.









الشعر ونفوذه في الإسلام( ) :


يمكن تلخيص أهم المتغيرات التي أحدثها الإسلام بما يلي:
استنكار قريش للدين الجديد استنكاراً مدعّماً بأقوال الشعراء المشركين مما جعل القرآن يرد عليهم وينزل بحقهم آيات بينات تفضح مواقف الشعراء السلبية كما في قوله: والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون( ) .
كما أن أهم صور الانقلاب جعل (يثرب) التي سميت المدينة فيما بعد عاصمة الدولة الدينية. حيث أحدث الرسول  ثورة في (التأهيل) والاقتصاد والسياسة والنفوذ الديني.( )
ولا شك أن الدين الجديد، وقد اعتنقه أغلب أهل المدينة قد رفع من شأنها، وصار مؤكداً على بدء سيطرة شرقي الجزيرة العربية وكان لا بد من الرد على المشركين باللغة التي يفهمونها، فجعل شعراء ا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://genieboujdour.123.st
 
الإيجابية والسلبية في الشعر العربي بين الجاهلية والإسلام -تتمة4-
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى فريق جيني بوجدور :: منتدى دراسة الشعر-
انتقل الى: