منتدى فريق جيني بوجدور
شكرا على زيارتكم

منتدى فريق جيني بوجدور

التربية والتعليم
 
الرئيسيةالتسجيلدخول
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
» ما هو الكوتيزون ؟
الثلاثاء 11 سبتمبر 2012, 3:24 am من طرف أبوعمر

» الإنسان كلٌ واحد: رؤية تكاملية للمنهج
السبت 04 أغسطس 2012, 11:57 am من طرف سعاد

» كيفية التعامل مع المراهقين
السبت 04 أغسطس 2012, 9:57 am من طرف سعاد

» كيف نتعامل مع الطفل العصبي ؟
السبت 04 أغسطس 2012, 9:50 am من طرف سعاد

» دروس في مادة الرياضيات
الجمعة 24 فبراير 2012, 12:01 pm من طرف islam fajr

» مصوغات برنامج التكوين جيني مساهمة الأستاذ hssini
الجمعة 13 مايو 2011, 9:55 am من طرف naimamz

» إنجازات عمر بن الخطاب الحضارية رضي الله عنه (نقلا عن موقع ينابيع التربوية )
الثلاثاء 22 مارس 2011, 4:51 pm من طرف JAMAL

» موقع مدرسة النهضة بوجدور
الثلاثاء 22 مارس 2011, 4:08 pm من طرف JAMAL

» دعاء مستجاب إنشاء الله
الثلاثاء 22 مارس 2011, 12:48 pm من طرف JAMAL

المواضيع الأخيرة
» ما هو الكوتيزون ؟
الثلاثاء 11 سبتمبر 2012, 3:24 am من طرف أبوعمر

» الإنسان كلٌ واحد: رؤية تكاملية للمنهج
السبت 04 أغسطس 2012, 11:57 am من طرف سعاد

» كيفية التعامل مع المراهقين
السبت 04 أغسطس 2012, 9:57 am من طرف سعاد

» كيف نتعامل مع الطفل العصبي ؟
السبت 04 أغسطس 2012, 9:50 am من طرف سعاد

» دروس في مادة الرياضيات
الجمعة 24 فبراير 2012, 12:01 pm من طرف islam fajr

» مصوغات برنامج التكوين جيني مساهمة الأستاذ hssini
الجمعة 13 مايو 2011, 9:55 am من طرف naimamz

» إنجازات عمر بن الخطاب الحضارية رضي الله عنه (نقلا عن موقع ينابيع التربوية )
الثلاثاء 22 مارس 2011, 4:51 pm من طرف JAMAL

» موقع مدرسة النهضة بوجدور
الثلاثاء 22 مارس 2011, 4:08 pm من طرف JAMAL

» دعاء مستجاب إنشاء الله
الثلاثاء 22 مارس 2011, 12:48 pm من طرف JAMAL

ازرار التصفُّح
 البوابة
 الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 بحـث
ازرار التصفُّح
 البوابة
 الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 بحـث
منتدى
منتدى
التبادل الاعلاني
التبادل الاعلاني

شاطر | 
 

 الإيجابية والسلبية في الشعر العربي بين الجاهلية والإسلام -تتمة3-

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أبوعمر
Admin


عدد المساهمات : 81
تاريخ التسجيل : 16/12/2010
العمر : 41
الموقع : www.genieboujdour.123.st

مُساهمةموضوع: الإيجابية والسلبية في الشعر العربي بين الجاهلية والإسلام -تتمة3-   السبت 15 يناير 2011, 11:06 am

المناحي التربوية

نتفق مع منكري وجود النصوص التربوية الجاهلية، لكننا نختلف معهم إذا نظرنا إلى الوصايا التي ترد في سياق نصوص شعرية كثيرة. ومنذ اللحظة الأولى يجب الاعتراف بأن هذه المفاهيم التربوية السلبية ذات علاقة قوية بالواقع الاجتماعي، ولا سيما تلك المفاهيم الاجتماعية السلبية من ذلك الواقع.
إذا أردنا أن نقف عند أهم هذه المفاهيم التربوية السلبية، وجب علينا أن ننظر إلى المفاهيم الاجتماعية القاصرة من وجهة أخرى غير تلك التي رأيناها، ومع هذا فقد نعود مرة أخرى إلى مناقشة مفاهيم اجتماعية من زاوية تربوية.
أهم ما نراه سلبياً في هذه المناحي التربوية ذات العلاقة الاجتماعية هو التوجيه السلوكي الاجتماعي والأخلاقي الخاطئ حيث كان جزء من هذا التوجيه الخاطئ منصباً على الفتاة العربية وعلى مكانتها الوضيعة في المجتمع الجاهلي..
كانت الفتاة العربية الجاهلية تتعرض كثيراً إلى أنواع مختلفة من المهانة والمذلة، ولكن ما نريد ذكره هنا هو فقدانها المعيل.
وما ينتج عن هذا الأمر من مفهوم الوأد الخطير وغير ذلك من المفاهيم الأخرى التي شملت البنين والبنات. كذلك سوف نتحدث عن أهم ما يراه الجاهلي من قيم يستحق العيش من أجلها، ثم نقف عند المفاهيم الغيبية الأخرى التي عالجناها في المناحي الاجتماعية.
ولنبدأ أولاً بالحديث عن:
توجيه السلوك الاجتماعي والأخلاقي بشكل خاطئ:
جُبِل المجتمع الجاهلي على كراهية الفتاة! وقد حكينا قصة هذا المفهوم الاجتماعي السلبي، وكيف عالج الشعر الاجتماعي بعضاً من نتائجه السيئة( ) .
كان من هوان النفس الإنسانية في الجاهلية أن انتشرت عادة وأد البنات خوف العار أو خوف الفقر! وحكى القرآن عن هذه العادة ما يسجل الشناعة في الجاهلية، التي جاء الإسلام ليرفع العرب من وهدتها ويرفع البشرية كلها. فقال في موضع: وإذَا بُشِّرَ أحَدُهُم بالأُنْثى ظلَّ وجهُه مسوداً وهو كَظيمْ يَتَوارى من القومِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بهِ أيمسكه على هُون أم يدسُّهُ في التُّراب؟ ألا سَاءَ ما يَحْكُمُون( ) .
واستمر القرآن يفضح مواقفهم السلبية من قضية الفتاة، فقال في موضع آخر: وإذا بُشِّر أحدُهُم بما ضربَ للرحمن( ) مثلاً ظل وجهه مسوداً وهو كَظِيمْ..( ) .
وكشف أوراقهم المزيفة التي يقتلون بناتهم بموجبها في قوله: لا تقتلوا أولادَكم خشْيَةَ إمْلاَقٍ نحنُ نرزقُهم وإيَّاكُم( ) .
ولكن أعظم الصور التربوية والاجتماعية المخزية تلك هي صورة الوأد التي كشفها القرآن في قوله: وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت( ) .
قد كان الوأد يتم في صورة قاسية. فمنهم من كان إذا ولدت له بنت تركها حتى تكون في السادسة من عمرها، ثم يقول لأمها: طيبيها وزينيها حتى أذهب بها إلى أحمائها! وقد حفر لها بئراً في الصحراء، فيبلغ بها البئر فيقول لها: انظري فيها ثم يدفعها دفعاً ويهيل التراب عليها! وعند بعضهم كانت الوالدة إذا جاءها المخاض جلست فوق حفرة محفورة. فإذا كان المولود بنتاً رمت بها فيها وردمتها. وإن كان ابناً قامت به معها! وبعضهم كان إذا نوى ألا يئد الوليدة أمسكها مهينة إلى أن تقدر على الرعي، فيلبسها جبة من صوف أو شعر ويرسلها في البادية ترعى له إبله!
فأما الذين لا يئدون البنات ولا يرسلونهن للرعي، فكانت لهم وسائل أخرى لإذاقتها الخسف والبخس.



كانت إذا تزوجت ومات زوجها جاء وليه فألقى عليها ثوبه. ومعنى هذا أن يمنعها من الناس فلا يتزوجها أحد فإن أعجبته تزوجها. لا عبرة برغبتها هي ولا إرادتها! وإن لم تعجبه حبسها حتى تموت فيرثها أو أن تفتدي نفسها منه بمال، في هذه الحالة أو تلك... وكان بعضهم يطلق المرأة ويشترط عليها ألا تنكح إلا من أراد. إلا أن تفتدي نفسها منه بما كان أعطاها... وكان بعضهم إذا مات الرجل حبسوا زوجته على الصبي فيهم حتى يكبر فيأخذها. وكان الرجل تكون اليتيمة في حجره يلي أمرها، فيحبسها عن الزواج، رجاء أن تموت امرأته فيتزوجها. أو يزوجها من ابنه الصغير طمعاً في مالها أو جمالها.( ) . فهذه كانت نظرة التربية الجاهلية إلى المرأة من خلال المفاهيم الاجتماعية القاصرة. ومعلوم أن علاقة الفرد بالمجتمع تنضج من خلال موقف الفرد بإزاء قواعد السلوك السائد في هذا المجتمع.( )
على ضوء هذه القواعد السلوكية التي كانت سائدة في بعض مجتمعات القبائل الجاهلية، ولدت ظاهرة المعاناة والخوف من فقدان المعيل.
وهذا سر تخوف المرأة الجاهلية على زوجها في مسعاه للقتال، إنها في الحقيقة تخشى فقدان المعيل، وكذلك البنت الجاهلية تخشى على أبيها الموت لأنها تخاف التشرد، فوق عاطفة الأبوة، قال سلامة بن جندل( ) :
تقولُ ابنتي: إن انطلاقَك واحِداً
إلى الرّوعِ يوماً تاركي لا أَبَا لِيا

دَعيْنَا من الإشْفَاقِ، أو قدّمي لَنَا
من الحَدَثانِ والمنيّةِ راقِيَا

سَتَتْلفُ نفسي، أو سأجْمَعُ هَجْمَةً
ترى سَاقِيَيْهَا يَأْلَمانِ التراقِيَا( )




وقد أدرك بعض الشعراء خوف بناته من التشرد والضياع بدافع حبه الكبير، وأيقن أن عليه حراستهن، والسعي أمامهن، قال حطان بن المعلى( ) :
لولا بنيّاتٌ كزُغْبِ القَطَا
حُطِطْنَ من بَعْضٍ إلى بَعْضِ

لَكَانَ لي مضطَرَبٌ واسِعٌ
في الأرْضِ ذاتِ الطّولِ والعرْضِ

وإنَّما أوْلادُنا بَيْنَنَا
أكْبَادُنا تَمْشِي عَلى الأرْضِ

ولم يفلح الجاهليون بالقيام على أمر الإعالة فكان الوأد نتيجة من نتائج الخوف هذا؛ ومع أن الفقر لم يكن السبب الرئيسي لهذا الوأد إلا أنه أقوى الأسباب.
صحيح أن الإسلام أبطل الوأد إلى غير رجعة، ولكن مظاهر أخرى متفرعة ظلت فيما بعد وكلها تحتقر المرأة وتهون من شأنها.
ولا شك أن محاربة تعليم الفتاة- غير القرآن- من أعظم تلك المظاهر السلبية التي تمثلت في العقلية العربية فيما بعد، فكانوا يكرهون لها تعلم الشعر حتى قال القابسي:
وأما تعليم الأنثى القرآن والعلم فهو حسن ومن مصالحها، فأما أن تعلم الترسل والشعر وأشبهه فهو مخوّف عليها( ) . وقال الجاحظ:
"كان يقال لا تعلموا بناتكم الكتاب ولا ترووهن الشعر وعلموهن القرآن ومن القرآن سورة النور"( ) .
وهذا كله نتيجة من نتائج الحيف الذي نشأت عليه الفتاة العربية في الجاهلية، ولا تستطيع الحالات الخاصة التي ظهر فيها تعلم بعض فتيات المسلمين ونبوغهن في الشعر أو الأدب في العهود الإسلامية أن تسد تلك الفجوة الهائلة في التربية العربية القديمة.
ومن هذا التوجيه الأخلاقي الخاطئ حديث بعض الشعراء عما يستحق المرء أن يعيش من أجله محصوراً في بعض القيم السلبية التي تضر بالأخلاق، ولاسيما إذا كانت الدعوة إلى الفتيات والفتيان من أبناء الأمة.
إن تهذيب الأخلاق في نظر بعض المربين، هو الغرض الأسمى من التربية فإذا عني المتعلم بتغيير ما في نفسه من بعض النواحي، وأهمل هذه الناحية المهمة، كانت تربيته وبالاً عليه ومفسدة لمجتمعه، إذ ليس ثمة ما يمنعه من استعمال عقله وعلمه في سبيل الشر"( ) .
وقد كانت البوادي العربية مدرسة كبيرة يتعلم فيها الأبناء الشعر ومحكم القول( ) . وفي هذا الشعر من السلبيات التربوية ما ينعكس على تصرفاتهم حين يكبرون، أو حين يعودون إلى المدن، ويتسلمون المناصب والمراتب، فيتصرفون في بعض تصرفاتهم حسب ما حفظوه من شعر ذي أثر سلبي.
فالفرد لا بد أن يتأثر بالمحيط من حوله، وإذا كان الشعر ذا نفوذ كبير في هذا المحيط- وقد رأينا ذلك في المقدمة- فلا بد أن يتشرب ماءه صافياً كان أم معكراً ماهجاً.
فحديث طرفة بن العبد عن القيم الثلاث التي جعلها من أسباب عيش الفتى في الحياة، يضر ويحدث تغييراً سلبياً في سلوك من حفظه ليعمل به. قال طرفة( ) :
فلولا ثلاثٌ، هنَّ من عيشةِ الفتى
وجدّكَ لم أحْفل: متى قام عُوّدي

فمنهنَّ سبقُ العاذلاتِ، بشربةٍ
كُميتٍ، متى ما تُعْلَ بالماءَ تُزْبِدِ

وكرّي، إذا نادى المضافُ، مُحنّباً
كسيد الغضى، نبَّهَتْهُ المتورّدِ

وتقصيرُ يوم الدَّجنِ، والدجنُ معجب
بِبَهْنَكةٍ، تحت الطِّرافِ، المعمَّدِ

فالحياة هينة عليه لولا لذات ثلاث يجد فيها متعة تنسيه الهم والحزن، وتذهب عنه الوحشة واليأس، وتدعوه إلى القوة والبأس، هذا في نظره دون أن يعلم الخلفيات السلبية لأثر هذا الشعر في المجتمع من الناحية التربوية.


الخمر، والمرأة، والنجد. مثل عليا، اثنان منها يتصلان بشخصه. وهما الخمر والمرأة، وثالث بقبييلته، وهو الدفاع عنها ونجدة المستغيث والهدف الثالث إيجابي رفع بشكله العام خارج إطار الزمان والمكان.
ولكن الخمر والمرأة لا يمكن أن يكونا كل شيء في حياة المرء، وليس لقائل أن يقول: إنها خاصة بطرفة فهذا من شعر الشعب، سلبياته وإيجابياته تعود على الشعب.
فالمرأة جعلها ملاذاً للذة والشهوة، متجاهلاً أنها الأم أو الأمة.
فالأم والأمة مَشْغَلة الباحثين في التربية والسياسة. والحقيقة التربوية ملتقى الأم والأمة.( )
ولكن الشاعر ضيق الأبعاد للمرأة، وجعلها في اللذة والمتعة فكانت هذه النظرة من أهم العوامل المساعدة التي أدت إلى ظهور وانتشار مفهوم الوأد سابق الذكر.
وأما الخمر، فهي مفسدة للأجساد، مهلكة للأموال، مضيعة للعقول. ومع ذلك جعلها هدفاً لذاتها، وهذا أمر مشين عرف أثره السيئ بعض عقلاء الجاهلية فحرّمها.
كان قيس بن عاصم( ) قد عانى من هذه الخمر التي اخترقت عليه درع شرفه، ولباس فروسيته حين شرب ذات يوم فسكر سكراً شديداً، فجذب ابنته وتناول ثوبها. فلما صحا أخبرته ابنته بما صنع، فآلى لا يذوق الخمر أبداً، وقال( ) :
رأيتُ الخمرَ صالحةً وفيها
خصالٌ تُفْسِدُ الرَّجُلَ الحكيمَا

فَلا والله أشْرَبُها صحيحاً


ولا أشْفى بها أبداً سَقِيْما

ولا أَعْطِي بها ثَمَناً حَياتِي
ولا أَدْعُو لها أبداً نَدِيْما

وقد صدق الأعرابي الذي سئل عن الخمر، فقال: لا أشرب ما يشرب( ) عقلي. كذلك مما يشين التربية في هذا التوجيه عدم الاكتراث بالأولاد فأحياناً كانت سورة الغضب تدفع الجاهلي فيراهن على بنيه غير مكترث بهم وغير مدرك ضرر قوله فيهم، قال أحيحة ابن الجلاّح( ) :
يُرَاهِنُني فيرهنني بَنِيه
وأرهنه بنيَّ بما أَقُولُ

ومن المعلوم أن هذا الحديث مؤذٍ، ومثبطٌ لعزائم الأولاد، ومذيب عاطفة الأبناء. كما أنه محرّض لهم على التمرد، ودافع لهم على التشرد، وهذا ما يفسر لنا الدعوة التي رأيناها عند الشنفرى وغيره من الشعراء في الدعوة إلى مغادرة العشيرة والأهل بحثاً عن الاحترام والشعور بوجود الغير. ومن المؤلم أن "أُحَيْحَة" هذا كان يرى المالَ فوق القرابة والنسب، ويقول( ) :
فلا يغرّنكَ ذو قُرْبى وذو نَسَبٍ
من ابن عمٍّ ومن عمٍّ ومن خَالِ

كلُّ النّداء إذا ناديْتُ يَخْذِلُني
إلا ندائي إذا ناديْتُ يا مالِي

بينما يرى الحطيئة أن السعادة ليست في جمع المال، وإنما هي
تقوى الله( ) ، قال:
وَلسْتُ أرى السعادةَ جمعَ مالٍ
ولكن التّقى هو السّعِيْدُ

وَتَقْوَى الله خيرُ الزّاد ذُخْراً
وعنْدَ الله للأتْقَى مَزيْدُ

فكان الآباء يوصون أبناءهم أن يعملوا بقول الحطيئة هذا( ) . وإذا كانت التربية تسعى إلى تغيير ما في نفس الفرد عن طريق تنمية مواهبه وتعديل ميولـه وإصلاح سيرته، فإن هذه المفاهيم التي طرحت تنمي المواهب السلبية لدى الفرد.
وأما ذكر الجن والعفاريت والأشباح والعوالم الخفية الأخرى التي لا يراها المرء، فقد مر ذكرها بالمناحي الفكرية السلبية، ولا ضرورة للعودة إليها هنا، ولكن لا بد من التذكير بالتعزيز السلبي الذي يضعف الحقائق الموضوعية، والحاصل من وراء تلك المعتقدات التي تبعدنا عن الواقع الموضوعي وتشدنا إلى عالم الأوهام. فتكون من أخطر السلبيات في تربية الأطفال، وقد نشأ عليه الناشئ، وربى به الطفل( ) .





الفصل الثاني:

المفاهيم الإيجابيّة


1-المناحي الاجتماعيّة.
*حل المشاكل الاجتماعيّة.
*تسجيل خيانة القبائل وذمها.
*مواقف وقيم إيجابية أخرى.
2-المناحي الفكريّة.
* المظاهر العقلية.
(حلم- علم وفلسفة- حكمة).
* حركة التوحيد.
3-المناحي الاقتصاديّة.
* مواقف الشعراء من تضخم الثروة
* أثر المال في العلاقات الاجتماعية
* دور المرأة في سياسة المال
4-المناحي التربويّة.
* الخصال الحميدة التي يربى بها الفتى.
* الخصال الحميدة التي تربى بها الفتاة.
* مظاهر أخرى في التربية الجاهلية.






المناحي الاجتماعيّة


كان الشعر في الجاهلية مطولات شغلت الناس، ومقطعات لم تأخذ مكانها لا عند الجاهليين، ولا عند الإسلاميين، ولكن حركة التدوين لم تهملها. وإذا كانت المطولات قد عاشت مادة لمتحاربين( ) في خصومة طويلة، بين مشكك ومثبت، فإن المقطعات لم تكن كذلك.
من هنا تكون المرآة التي تعكس لنا الحياة الاجتماعية الجاهلية بكل دقائقها، بشكل يجعلها سجلاً لكل ما وقعت عليه عين الجاهلي، أو دار فيه فكره فعلل، وقدم هذا التعليل بشكل سريع، فالبيتان والثلاثة والأربعة والخمسة قادرة على تصوير حدثٍ ما، أو معتقدٍ ما دون خضوع لمراقبة الشاعر لنفسه، ودون خضوع للزمن، وهي الشعر الفوري، كما التصوير الفوري، يعلق على الحادثة ويخلدها قبل أن تغيب عن الأذهان والوجود، إنها مُتحف فني مؤلف من آلاف الصور الفردية لم تعرض في معرضٍ معيّن.
في كل عصر زوايا معتمة لا تستطيع كل القصائد الوصول إليها وإنارتها، ولكن المقطعات تستطيع ذلك لأنها في الأصل مبنية لتلك الزوايا، فيكون حديث المقطعات قادراً على وصف الضئيل والغريب من الأمور مهما كان صغيراً. كما يتنوع حديثها عند أصحابها، فلا يتركون شيئاً دون أن يصفوه مهما كان ضئيلاً منبوذاً، "من عَظْمٍ بالٍ إلى حَجَرٍ مَطْروحٍ، وإبلٍ، وجُعَلٍ، ووردة، وحية، وخنفساء، وكل المظاهر الطبيعية( ) ".
والمظاهر الاجتماعية أيضاً جناحها في معرض المقطعات واسع كبير: يوميات الأفراد، عاداتهم، تقاليدهم، قيمهم، ومثلهم، أمانيهم أحلام الشباب منهم، وطموح الرجل، وضع المرأة ومكانتها بينهم. ويبقى الدخول إلى المعرض الذي تشكله المقطعات هو القلم الموضّح لكل هذه الأمور.
حل المشاكل الاجتماعية:
الشعر قادر، وليس كل شعر قادراً!.. وقدرة التحويل والتبديل موجودة في زوبعة الشعر الإيجابي الذي يدفع النفوس إلى سبيل الرشاد، والخير، والعلو بها نحو أهداف يسعى إليها المفكرون والأدباء.
وقد أدرك الشعراء واجبهم نحو مجتمعهم، فتحركوا نحو حل كثير من مشاكله، ونستطيع أن نقف في الجانب الإيجابي على مثالين اثنين لبيان أثر الشعر في دفع النفوس نحو طريق سليم، يضغط مراحل زمنية كثيرة، ويحرق شوطاً من الزمن طويلاً.
الأول : يمثل قدرة الشعر فرداً في القضاء، على مشكلة اجتماعية معقدة، كان الجاهلي يعاني منها كثيراً.
والثاني : يمثل القدرة الإعلامية للشعراء في إطفاء نار الحرب بين الأخوة والأعمام وأفراد الجنس العربي.
أما قدرة الشعر فرداً فمثاله عند الشعراء الذين كانوا يحسون بآلام الناس من المفاهيم الخاطئة، التي أوجدتها ظروف مختلفة مجتمعة، فعانى المجتمع الجاهلي منها وتمنى الخلاص، ولكن مَنْ مِن الناس يملك القدرة على محاربة المفاهيم الموروثة؟.. ليس لها إلا أناس يملكون احترام المجتمع، ولهم حماية جماعية، وهؤلاء هم الشعراء في مجتمعهم الجاهلي.
والأمثلة كثيرة نكتفي بواحد منها، فنقف عند الأعشى( ) الشاعر، والمحلق الرجل التائه في أنواع المفاهيم التي تزدري أمثاله من الناس، بإغراق القيم، والنظر إلى المرأة على أنها عبء ثقيل يجب التخلص منها بوأدها، أو بذلها وهوانها، والنظر إليها على أنها عالة وحمل ثقيل.
ومهما كانت الأسباب الواعية، وغير الواعية التي كانوا يتذرعون بها فلا عذر لهم في دوامة المقت التي كانوا يغمسون فيها المرأة دون رحمة أو شفقة.
وهكذا كان دأبهم في المدر والوبر، يبحثون عن أودية يتوارون فيها من القوم حين يبشر الواحد منهم بالأنثى كما في الشريعة القرآنية التالية: وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم، يتوارى من القوم من سوء ما بشر به، أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون( ) .
إنها محاربة للتشاؤم بها ولولادتها جاء به القرآن. كما أسس لها مكانة عالية في المجال الإنساني، والاجتماعي، والحقوقي ليبدد سواد الوجه، ويبعد الخوف من نفوس الرجال.
ومما يؤلم أن عِلْيَة القوم كانوا على غير ذلك، فالفرز الطبقي وارد هنا تماماً أيضاً( ) ، فحال بنات الأشراف لم يكن كذلك.
وهكذا خلق الجاهليون بأنفسهم، لأنفسهم، مفهوماً اجتماعياً متخلفاً عاشوا في دوامته، وعمقوا مأساة المرأة العربية، وأشعروا الرجل المئناث بأنه وضيع منبوذ، كما نبذوا المرأة المئناث، فكان هذا الأمر أحد الأسباب التي أدت إلى تعدد الزوجات بحثاً عن الذكور، في مجتمع وسيلة الإنتاج فيه يد رجل، ووسيلة المواصلات فيه يد رجل، وآلة الدفاع فيه يد رجل.
وقد تجاوز قوم من العرب ما زالوا على ضفاف الفرات، كل
المواقف الإسلامية الرامية إلى بيان الإنسانية، التي أناطت أمر الذكر والأنثى بالذات الإلهية العليا، يخلق ما يشاء ويهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكور( ) .
وتجاوزوا معطيات العصر وكفاح الأحرار من المفكرين الذين قادوا حركات ثورية مريرة لتحرير المرأة، تجاوزوا- على حد مفاهيمهم- الدين والدنيا وعادوا إلى نظرة أجدادهم الجاهليين في التواري من القوم، أو دسّ الوجه في التراب إذا ما بشر بالأنثى. فانظر إلى أي حد كان خطر هذا المفهوم السلبي. من هنا يصبح المتصدي لهذا المفهوم، المفلح في إزالته ذا مكانة عالية بين صفوف المغيّرين المفكرين الأحرار.
في هذا الوضع الاجتماعي الصعب يأتي نوع من الشعر فيذيب جليد المفهوم المتخلف، ويرفع ضيم الرجل المئناث، وحيف المرأة، متجاوزاً حاليهما إلى حديث "حريري" عن الأخلاق، والقيم الكريمة التي تهم الفرد في المرأة، وتعمق إحساس الناس بمكانتها.
ومع أن وعي بعض الشعراء كان قاصراً في معالجة هذا المفهوم، إلا أنه كان مقبولاً منه أن ينافح بوعي مهما كان مدّه.
وقد اشتهر الأعشى بحادثة طريفة عندما قدم مكه ذات يوم، فتسامع به الناس، وسمعت به امرأة عاقلة، عاملة على رفع قيود، وتحطيم أغلال ترسف بها وبناتها، قيل: هي زوجة للمحلق( ) وقيل: بل أمه، ونحن نقول: هي المرأة... التي قالت لزوجها، للرجل: أن الأعشى قدم، وهو رجل مفوه مجدود في الشعر، ما مدح أحداً إلا رفعه، ولا هجا أحداً إلا وضعه، وأنت رجل كما علمت فقير خامل الذكر ذو بنات، وعندنا لقمة نعيش بها، فلو سبقت الناس إليه فدعوته إلى الضيافة، ونحرت له، واحتلت لك فيما تشتري به شراباً يتعاطاه، لرجوت لك حسن العاقبة، فسبق إليه المحلق، فأنزله ونحر له، ووجد المرأة قد خبزت خبزاً وأخرجت (نِحْياً) فيه سمن وجاءت بوَطْب لبن، فلما أكل الأعشى وأصحابه، وكان في عصابة قيسية، قدم إليه الشراب، واشتوى له من كبد الناقة وأطعمه من أطايبها، فلما جرى فيه الشراب، وأخذت منه الكأس سأله عن حاله وعياله، فعرف البؤس في كلامه، وذكر البنات، فقال الأعشى كفيت أمرهن( ) ، وأصبح بعكاظ ينشد قصيدته:
أرِقْتُ وما هذا السُّهاد المُؤرِّق
وما بيَ مِنْ سُقْمٍ وما بيَ مَعْشِقُ( )

ورأى المحلق اجتماع الناس، فوقف يستمع، وهو لا يدري أين يريد الأعشى بقوله، إلى أن سمع:
لَعَمْري لقد لاحَت عيونٌ كثيرةٌ
إلى ضوء نارٍ باليفاعِ تُحرّقُ( )

تُشبُّ لمَقْرُورَيْن يصطليانها،
وبات على النّار النّدى والمحلّقُ( )

رَضِيْعَي لبانٍ ثَدْيَ أمٍّ تحالفا،
بأسحَم داجٍ عَوْضُ لا نتفرّقُ( )

ترى الجودَ يجري ظاهراً فوق وجههِ
كما زانَ متنَ الهندوانيِّ رَوْنَقُ( )

نفى الذمَّ عن آلِ المحلّق جَفْنَةٌ
كجابيةِ الشّيخ العراقيِّ تَفْهَقُ( )

ترى القومَ فيها شَارِعِيْنَ، ودُوْنَهُمْ
من القوْمِ وِلْدانٌ من النّسلِ دّرْدقُ

طويلُ اليدَيْنِ، رَهْطُهُ غيرُ ثِنْيَةٍ،
أشمُّ كريمٌ جاره لا يُرَهَّقُ( )

فما أتم القصيدة، إلا والناس ينسلّون إلى المحلق يهنئونه، والأشراف من كل قبيلة يتسابقون إليه جرياً يخطبون بناته، لمكان شعر الأعشى، فلم تمس منهن واحدة إلا في عصمة رجل أفضل من أبيها ألف ضعف.( )
وحسبك من الأعشى أن امرأة كسدت عليها بناتها، فرغبت إليه في أن يشبب بواحدة منهن لعلها تنفق، فشبب الأعشى بإحداهن فتزوجت ثم شبب بالثانية فوجدت قريناً، ثم شبب بالثالثة فأسرع إليها الخاطبون، وما زال يشبب بهن واحدة واحدة، ويتقاضى على ذلك جزوراً حتى زوجهن جميعاً( ) .
وبهذا يكون الشعر قد خدمنا فقدم لنا صورة اجتماعية تمثل العوامل التي تشد الناس إلى الزواج، فإذا بالكرم عامل جذاب يشد الناس إلى صاحبه ويزاوجونه، وإذا بالشهرة والمفاخرة التي يجلبها الشعر تنتج مصاهرة وخلاصاً من واقع مؤلم، وتحطم مفهوماً اجتماعياً متخلفاً. كل هذا بفضل حسن استخدام الشاعرية.
وأما الذي يمثل قدرة الشعر قوة في إطفاء نار الحرب بين الأعمام والأفراد العرب، فهو عند زهير بن أبي سلمى.
وقد رأينا فيما مضى أن وعي الشاعر لا يكاد ينفصل عن وعي القبيلة، وإذا كانت العلاقات الإنسانية داخل القبيلة قد قامت على التأييد والتضامن، فإنها مع القبائل الأخرى تقوم على التنافس والتناحر. وإذا قامت حرب بين قبيلتين، فإنه من النادر كبح جماحها، ولما كان زعماء القبيلة أنفسهم لا يملكون القوة التنفيذية أيضاً، فقد انعدم عند البدو وجود القانون الجنائي وأمسى من الضروري أن يفزع كل فرد إلى استخلاص العدالة من قاتل نسيبه أو سالبه، بالطرق الشخصية.( )
وصحيح أن من واجب الزعماء في القبيلة أن يعملوا على إيجاد تسوية بين المتخاصمين، من غير أن يملكوا حق فرضها عليهم، ولكن العشائر كثيراً ما لا تنتهي إلى الأخذ بهذه التسويات إلا بعد أن تكون قد تفانت ودقت بينها عطر مَنْشم.( )
وإذا كانت الحال هكذا، فإنها بحاجة إلى شاعرية قوية يمتلكها شاعر فيه ميل شديد إلى الخير والمحبة والسلام، يملأ عقول القوم بشعر عظيم فيه تصفية للإحسان والبغضاء وتنقية لقلوبهم من الضغائن والثارات، ويدمل الجراح ويوحد بين الصفوف.
ويلمع بين شعراء الجاهلية زهير بن أبي سلمى يرسى دعائم السلام في أشهر قصائده، وهي معلقته التي نظمها مشيداً بهرم بن سنان والحارث بن عوف حين سعيا بالصلح بين ذبيان وعبس، اللتين خافتا حرباً ضروساً في المذبحة المشهورة بحرب داحس والغبراء.
قد أدرك زهير وظيفته فشذّ عن ذوق الجاهليين وأفكارهم التي تطالب بالثأر وتدعو إلى القتال وسفك الدماء، وقضى يظهر سلبيات الحرب في صور مفزعة مخيفة، لعل الناس يرتدعون عنها وينتهون منها. فهي حيناً أٍسدٌ مفترس، وحيناً آخر نار ملتهبة تلتهم الأخضر واليابس، وثالثة رحى تطحن الناس بلا رحمة ولا رأفة، ورابعة حامل تلد ذراري الشؤم.
ولم يفته أن يسخر من الحرب، ويتهكم بها عن طريق عرض الصور التي تنبه إلى خطورة الحرب الحرة التي تغل لهم ما لا تغله أرض العراق من الغلال، والدراهم، قال( ) :
وما الحربُ إلاّ ما عَلِمْتُمْ، وذقتُمْ
وما هُو، عنّها، بالحديث، المرجَّمِ( )

متى تبعثُوها تبعثُوها، ذميمةً
وتَضْرَ، إذا أضْرَيْتُموها، فَتَضْرَمِ( )

فتعرُككُمْ عَرْكَ الرّحى، بثفالِها
وتَلْقَح كشافاً، ثم تُنْتِجْ، فَتُتْئِمِ( )

فتَنْتِج لكم غِلْمانَ أشْأَمَ، كلُّهم
كأحمر عادٍ، ثم تُرْضِع، فتفطِمِ

فَتُغْلِلْ، لكم( ) ، ما لاتُغلُّ لأهلها
قرىً بالعراق من قفيز( ) ، ودِرْهَمِ

وتصوير سلبيات الحرب، وما تخلفه وتنتجه من مصائب، وويلات دعوة إيجابية في الالتزام بأمر السلام. والدعوة إلى الخير والطمأنينة. ثم يعطف على ما هم فيه من بوار فيصور حروبهم التي توردهم موارد تزخر بالرماح والدماء، فيقول:
رَعَوْا ما رَعَوْا، من ظمئهم، ثم أوْرَدُوا
غماراً، تفرَّى، بالسّلاحِ، وبالدَّمِ

فقضُّوا منايا، بينهم، ثم أصْدَرُوا
إلى كلأٍ، مُسْتوْبِلٍ، متوخَّمِ( )

فهو ينشد السلم من بابه الواسع، ويقيمه على النية الطيبة والرغبة الصادقة ليدوم ولينتفع الناس به.
كان زهير أخلاقياً اجتماعياً، مرتفعاً في تفكيره وفي مثاليته على المستوى السائد في عصره الجاهلي، ومقاومته لمقاييس الجاهليين الذين كانوا يتباهون بالبطش والاعتداء وقسوة الانتقام، ونزعته العميقة إلى السلم والتصالح، وحملته القوية الحارة على الحرب وبطولاتها الدموية، ومديحه الجميل المخلص لأفراد سموا هم أيضاً بطباعهم وعاداتهم على الشائع المألوف في ذلك العصر. كل هذا يحله في ضميرنا الحيدث محلاً رفيعاً.( )
وعلى الصعيد الفردي نجد زهير بن أبي سلمى، يستخدم شاعريته في تدعيم خط الخير والصلاح والعدل، فيحسم الموقف. وذلك فيما كان من غارة الحارث بن ورقاء الأسدي على عشيرة زهير، فساق إبلاً وغلاماً لزهير يسمى يساراً. وغضب زهير غضباً شديداً، وهدده إن لم يرد عليه إبله أن يهجوه هجاء مقذعاً، مذكراً له بما بين عشيرتيهما من مواثيق وعهود نقضها نقضاً، واكتفى بالسخرية قائلاً:
ومَا أدْرِي وسَوْفَ إِخَالُ أدْرِي
أقومُ آلُ حِصْنٍ أمْ نِسَاءُ

وهو إلى ذلك ذو شعر حكيم فيه أخلاق ومحبة وإخاء، وما يكرهون، وليست تغل لهم استخدام الإيجابية في الشعر، وقد كان عمر بن الخطاب يعجب بقوله:
فإنَّ الحقَّ مقطعُهُ ثلاثٌ
يمينٌ أو نِفارٌ أو جَلاءُ( )

وكان يقول: لو أدركته لوليته القضاء لحسن معرفته ودقة حكمه.( ) وقد أدرك الشعراء دورهم في مواجهة الولاة الطغاة، فانقسموا قسمين، بعضهم انتهج الواقعية الثورية، فراح يفضح طغيان الملك، ويظهر جوره ليعمق إحساس الناس بالمصائب التي يصبها عليهم الملك الجائر، فيرفض الانقياد للقصور ويكشف للجماهير باطنها فاضحاً أصحابها كما في قول شاعر جاهلي يفضح حكم عمرو ابن هند في الحيرة( ) :
أبى القلبُ أنْ يَهْوَى السَّديرَ وأهْلَهُ
وإن قِيْلَ عَيشٌ بالسَّديرِ غريرُ( )

به البقُّ والحُمَّى وأُسْدُ خفيّةٍ
وعمروَ بن هندٍ يَعْتَدي ويَجُورُ

ويفضح بعضهم الآخر بطريقة جمع الضرائب، ويهدد بقتل الملوك الذين يسلبون الشعب ويثقلون كاهله بالضرائب، والإتاوات التي يؤدونها في أسواق العراق وغيرها من أسواقا لعرب، ويلوح بالدم مهدداً، بقول جابر بن حني التغلبي( ) :
ويَوْماً لدى الحشّارِ( ) من يَلْوِ حقّه( )
يُبَزْبَزْ( ) وينزع ثوبَهُ مُتلطًَّمِ

وفي كلّ أسواقِ العراقِ إتاوةٌ
وفي كلّ ما باعَ امرؤٌ مَكْسُ دِرْهَمِ

ألا تستحي منّا ملوكٌ وتتَّقِي
محارِمَنا لا ؟؟ الدَّمُ بالدَّمِ

نُعاطي الملوكَ السِّلْمَ ما قصدوا بنا
وليسَ عَلَيْنا قَتْلَهُم بمُحَرَّمِ( )

فهذه صورة رائعة مطموسة في أدبنا القديم فيها فضح لمظالم الملوك، وكشف لمواقف الشعراء الإيجابية التي كانوا يتخذونها من مجتمعهم، فالصورة تفضح الجابي الذي كان يحشر المال حشراً، وتظهر لنا طريقة انتزاع الضرائب. فذلك الذي يمطل (يلوي) يرغم على الدفع وينزع عنه ثوبه ويجلد حتى لا يعود إلى تأخير الدفع وتتحدث القصيدة عن الخَراج الذي يدفع في كل أسواق العراق للملوك، فكل سلة عليها دراهم معينة يجب أن تدفع!..
وهذه اللوحة محشوة بنفَس المُعاصرة، فكثير من القرى العربية كانت إلى حد قريب جداً تعيش طريقة جمع الضرائب الجاهلية التي تحدث عنها الشاعر، حيث العنف والإرهاب والقسوة لمن يتأخر عن الدفع ومثلها مع السجن وربما القتل لمن لا يدفع.( )
واتخذ بعض الشعراء الآخرين مواقف إصلاحية فيها الاستجداء والاستعطاف وذلك أن بعض الملوك كان يهم بغزو بعض القبائل، فيستعطفه شعراؤها راجين منه ألا يفعل. فقد روى أن عمرو بن المنذر الأكبر همّ بغزو عبد القيس فقال الممزَّق( ) العبدي يستعطفه:
أحَقّاً أبيتَ اللَّعْنَ أنَّ ابنَ فَرْتَنا
على غَيْرِ إجْرامٍ بريقي مُشرِّقي( )

فإن كنتُ مأْكولاً فكنُ خَيْرَ آكِلٍ
وإلاَّ فأدْرِكْني ولمَّا أُمَزَّقِ

وظنّي به أنْ لا يكَدِّرَ نِعْمَةً
ولا يَقْلِبَ الأعداءَ منه بمَعْبَقِ( )

تسجيل خيانة القبائل وذمها:
ويعمل الشعر الإيجابي عمله فيحافظ على العهود والمواثيق بطريقة طريفة يخشاها العرب ويرهبونها.
والطريقة تعتمد على سجل يضبطه هذا الشعر بخيانة من يخون أو يغدر من القبائل، تشهيراً وإظهاراً للخيانة الفردية أو الجماعية، على أنها أمر محتقر منبوذ فينفر الناس منها ويبتعدون عنها.
اعتمد الشعراء لهذا الأمر الصور التي تقوم على عناصر السخرية والهزء، كي تتولد طاقة الكره والاشمئزاز من الشر وعناصره، ويتعود الناس الأمانة والوفاء فيستقيم المجتمع، وتحترم المواثيق، وتسود الثقة بين الناس المحتاجين إليها حقاً وحقيقة.
وقد سجل أعشى( ) باهلة لبني نفيل خيانتهم، وغدرهم بالمنتشر( ) الذي خرج يريد مكاناً، وكان بنو نفيل أعداء له، فغدروا( ) به بعد أن أمنوه، فلجأ الشاعر إلى فضح من لم يحترم عهده ولا مواثيقه، فلا تأمنه العرب بعدها فقال يفضح صاحب رأى الغدر بعد الأمان هند بن أسماء، وقبيلته نفيل:
أصبْتَ في حَرَمٍ منّا أخا ثِقَةٍ
هندَ بنَ أسماء لا يهنئ لك الظّفَرُ

إمّا سلكْتَ سبيلاً كُنْتَ سالِكَها
فاذهب فلا يبعدنك الله مُنْتَشِرُ

لَوْ لَمْ تَخَنْه نفيل وهي خائِنَةٌ،
ألمَّ بالقومِ وِرْدٌ منه أو صَدَرُ( )

وقد كان الشاعر الجاهلي يغتفر بضمير الجماعة التي يمثلها، ويرى مجده من مجدها، وعزته من عزتها، فيقف منافحاً عنها ومادحاً في سبيلها من يرى أنهم يضايقون أفرادها، ويشفع لهم ليخلصهم من الذل إن حلَّ بهم أو الأسر إن وقعوا فيه.
وترتفع نسبة وعيه عالياً حين لا يقنع إلا بخلاصهم جميعاً.
كان الحارث بن أبي شَمِر( ) الغساني قد أوقع بالمنذر بن ماء السماء( ) فقتله وأسر جماعةً من أصحابه، فيهم شأس بن عبدة، ثم من بني حنظلة مائة أسير فوفود علقمة بن عبدة الشاعر- وهو أخو شأس- على الحارث مستشفعاً مادحاً، إلا ليخلّص أخاه وحده، وإنما طمعه في تخليص جميع الأسرى، ثم دخل عليه، وأنشده( ) :
إلى الحارثِ الوهّابِ أعملتُ ناقَتي
لكلكلها والقُصْريين وجَيْبُ

إليك أبيتَ اللّعنَ كان وجيفُها
بمشتبهات هَوْلُهُنَّ مهيْبُ( )

وهَدانِي إليكَ الفَرْقَدان ولاحِبٌ
له يومُ أعلام المتان علوْبُ

فلا تحرمّنّي نائلاً عن خباية
فإنّي امرؤ وسط القباب غَريْبُ

وفي كل حيّ قد خبطت بنعمةٍ
فحُقّ لشاسٍ من نداك ذنوْبُ

فلما بلغ إلى قوله: "فحق لشاس من نداك ذنوب" قال الملك: إي والله وأذنبه، ثم أطلق شأساً وقال له: إن شئت الحياء وإن شئت أسراء قومك؟ وقال لجلسائه: أن أختاء الحباء على قومه فلا خير فيه. فقال: أيها الملك ما كنت لأختار على قومي شيئاً. فأطلق له الأسرى من تميم وكساه وحباه، وفعل ذلك بالأسرى جميعهم وزوّدهم زاداً كثيراً فلما بلغوا بلادهم أعطوا جميع ذلك لشأس وقالوا: أنت كنت السبب في إطلاقنا فاستعن بهذا على دهرك، فحصل له مال كثير من إبل وكسوة وغير ذلك.( )
فانظر كيف حل هذا الشعر وثاق الأسرى وبدّل وجهة نظر الحارث فجلا القلوب من إخنها، وأثّر في مسار الأحداث، وحمى القبيلة وغيرها ممن عرفهم الشاعر. وعاد عليه بالفائدة المادية، وإذا كان هذا الشعر قد حرك فرداً ليحل مشاكل المجموع، فإن شعراً يحرك مجموعاً لتحل مشاكل الأفراد، ويؤدي إلى تشكيل حلف لحماية المظلوم والذود عن الضعيف.
تحدثت كتب الأدب( ) وغيرها( ) عن سبب تشكيل حلف الفضول، ومفاد الحديث أن رجلاً من بني زبيد قدِم مكة معتمراً في الجاهلية ومعه تجارة له، فاشتراها منه رجل من بني سهم، فأواها إلى بيته، ثم تغيب فابتغى متاعه الزبيدي، فلم يقدر عليه، فجاء إلى بني سهم يستعديهم عليه، فأغلظوا عليه، فعرف أن لا سبيل إلى ماله، فطوف في قبائل قريش يستعين بهم، فتخاذلت القبائل عنه، فلما رأى ذلك أشرف على أبي قبيس( ) حين أخذت قريش مجالسها في المسجد، ثم قال:
يا آلَ فِهْرٍ لمظلوم بِضاعَتُه
بِبَطْنِ مكّة نائي الدّار والنَّفَرِ

ومُحْرِمٍ شَعِثٍ لم يقضِ عُمْرَته
يا للرّجال وبين الحِجْرِ والحَجَرِ

هل مخفرٌ من بني سَهْم بخَفْرَتِه
فعاذلٌ أم ضلالٌ آل معتَمرِ( )

إنَّ الحرامَ لمن تمت حرامته
ولا حرامَ لثوبِ الفاجرِ الغُدْرِ( )

فاجتمعوا في دار عبد الله بن جُدْعان، ووضع لهم طعاماً يومئذ كثيراً، وكان رسول الله  يومئذ معهم، قبل أن يوحي الله إليه، وهو ابن خمس وعشرين سنة. فاجتمعت بنو هاشم وأسد وزهرة تَيْم، وكان الذي تعاقد عليه القوم: تحالفوا على ألا يُظْلَم بمكة غريب ولا قريب ولا حرّ ولا عبد إلا كانوا معه، حتى يأخذوا له بحقه، ويؤدوا إليه مظلمته من أنفسهم ومن غيرهم( ) . وفي هذا أنشد بعض أهل العلم قول بعض الشعراء( ) :
تيمُ بن مرَّةَ إن سألت وهاشمٌ
وزهرةُ الخير في دار بن جُدعانِ

متحالفون على النَّدى ما غرَّدت
ورقاء في فَنَنٍ من جِزْع كُتْمانِ

لقد فرز الموقف الإيجابي مفهوماً إيجابياً في الشعر، فأدى إلى تشكيل هذا الحلف، أو شارك في الحماس والإباء لحفظ حق الغريب والقريب، فكان، بمثابة الحكومة التي تضرب يد الظالم والباغي، لتعيد الحق إلى نصابه.
وفيما بعد ظهرت آثار الحلف الإيجابية واضحة جلية. جاء رجل من قبيلة (خثعم) إلى مكة وبصحبته ابنة جميلة له يقال لها (القتول) فعَلِقَها رجل يقال له (نُبيه بن الحجاج) وغلب أباها فيها، فأتى أبوها حلف الفضول فمنعوها منه، وصانوا عرضها، فقال نُبيه( ) :
لولا الفضولُ وحِلْفُها
والخوفُ من عُدوانِها

لدَنَوْتُ من أبْياتِها
ولطفتُ حَوْلَ خِبائِها

وشربْتُ فضلةَ رِيْقِها
ولَنِمْتُ في أحْشائِها

وهذا يعكس لنا مهمة الحلف الذي أخذها على عاتقه، والمتمثلة بحماية المال والعرض ولا شك أن هذا المر غاية ما يريده المرء في هذه الحياة، الطمأنينة والحماية والسلامة لكل ما يملك.
ويجب أن نلاحظ فوائد قريش التي تجنيها من وراء هذا الحلف، فحين يعلم التجار أن بضاعتهم مؤمّنة في مكة، وأن حقهم مضمون، فإنهم سوف يوجهون قوافلهم إليها، فتتحرك الأسواق التجارية وتعود عائدات مالية كثيرة على أهل مكة.
وهكذا فحصادٌ مادي وحصاد معنوي، ومن هنا أثبت موجودية تاريخية ما زالت في المعاصرة إيجابية.
والقيم الأخلاقية التي تغنى بها شعراء الجاهلية كثيرة تصور المفاهيم الفاضلة التي كانت عرضة لكثير من الباحثين( ) والمفكرين( ) .
فالحلم، والكرم، والوفاء، والشجاعة، والصدق، والدفاع، عن حمى القبيلة، وحماية الجار، وسعة الصدر، والإعراض عن الشتم، والغض عن العورات ونجدة المحتاج والملهوف، قيم تغنّى بها العرب وخلدها في شعره ونثره.
ولعل خير من مثل شخصية العربي في شعر عمرو بن كلثوم( ) ، حيث الأنفة والإباء ورفض الهوان، وإنكار الضيم، وإعلان الصرخة الأبية في حينها، والإصرار على التمتع بنعم الحرية كما فهمها الجاهلي، ومما يمثل ذلك قوله وهو يخاطب عمرو بن هند الملك:
أبا هنْدٍ، فلا تَعْجَل علينَا
وانظرْنا، نخبّرك اليقينا( )

بأنّا نورد الرايات بيضأً
ونُصْدِرُهُنَّ حمراً قد روينَا

وأيامٍ، لنا غُرٍّ طوال
عصينا الملكَ، فيها، أنْ نَدِينا

ألا، لا يجهَلَنْ أحدٌ علينا
فنجهلَ، فوقَ جَهْلِ الجاهِلِيْنا

بأيِّ مشيئة عمرَ بن هندٍ
نكونُ لقِيْلكم فيها قطِيْنا

فإنَّ قناتنا يا عمرو، أعْيَتْ
على الأعداء، قبلكَ أن تَلِيْنا

وليس ألصق بطباع العربي من الشهامة والتضحية بذاته تضحية لا يرجو من ورائها شيئاً في سبيل أصدقائه، والشعر القديم خاصة يضع بين أيدينا الدليل على أنهم كانوا يجزعون أشد الجزع إذا رأوا جاراً ينكث بعهد جاره على أن هذا ليس في كل الأوقات والحالات إذ يكون الطمع دافعاً للغدر، حتى لو كان المغدور قريباً.
ولأننا سنفرد قسماً خاصاً للمناحي الفكرية الإيجابية في الجاهلية نغض الطرف عن الحديث المفصل في هذه القيم الأخلاقية الكثيرة، مكتفين بما أوردناه عن شخصية العربي التي لم يستطع نيكلسون( ) في تاريخه للأدب العربي تحديد صفاتها السلبية كما سيرد معنا.






المناحي الفكريّة


المظاهر العقلية في العصر الجاهلي
كانت الصحراء الممتدة أمام العربي مدرسة فكرية على ترابها درج الجاهلي ونشأ، ومن سعتها تعلم كيف يعشق الحرية، ومن مظاهرها تعلم كيف يفكر. فكل ما في الصحراء يدعو الإنسان إلى التفكير، الطبيعة الصحراوية الممتدة برمالها وكثبانها، وسمائها وشمسها ونجومها والتي لا أثر لليد الإنسانية فيها، عامل مساعد يبعث على التفكير. وقد عكس الشعر الجاهلي تلك المظاهر العقلية التي كانت الصحراء عاملاً رئيسياً في ولادتها.
ولعل أعظم المظاهر العقلية عند عرب الجاهلية تنحصر في الحكمة والحلم وفي الخطرات النفسية والعلمية.
فالحكمة جزء من الفلسفة، التي تكون في الشعر إذا احتوى على نظام شامل ذي مقدمات ونتائج منطقية، لا يشترط لها أن تخوض في تعليل( ) مظاهر الوجود فقط بل تسعى إلى إدراك الواقع الاجتماعي للعرب والسعي بهذا الواقع نحو الأفضل بفهم الأسباب والنتائج التي تحقق لهم السلامة والحكمة في تصرفاتهم اليومية.
والمنتظر أن تكون الحكمة في الأمثال، "على أنك واجد في الشعر الجاهلي أمثالاً وحكماً أبرع لأنها لم تدخل الشعر إلا بعد إعادة نظر ولأن الشاعر يتخير منها ما هو خليق بشعره، فتجيء عصارة للاختبار العام ونظرة أعمق في الحياة وأشمل لها"( ) .
وبإمكان الدارس أن يقف على كثير من شعر الحكمة، ولكننا سنقف عليه عند ثلاثة شعراء، زهير الشيخ الحكيم( ) ، وطرفة( ) الشاب القتيل، وعبيد بن الأبرص( ) الرجل المحتاج.
أما زهير بن أبي سلمى، فقد تجلت عبقريته في الدعوة إلى السلم، في زمن كان العالم كله غارقاً في الحروب، يعتقد أن الحرب هي السبيل الوحيد لحل المشاكل. فقد كانت أوربة منذ أواخر القرن الرابع للميلاد غارقة في غزوات( ) البرابرة الهون والجرمان في اليونان، وفي إيطالية وفرنسة، وانكلترا وفي شبه الجزيرة الإيبيرية، حيث قام الوندال بحروب طاحنة.( )
وكذلك كانت الحرب بين الإمبراطوريتين الفارسية والرومية قائمة على قدم وساق. وكانت أوربا حافلة بالشعراء، وأثناء الحروب الطاحنة لم ينقطع النبلاء في أوربا عن نظم الشعر( ) ، ولم نسمع بينهم من دعا إلى نبذ الحرب والعيش بسلام.
في تلك الأجواء التي لا تسمع فيها الأذن إلا أصوات السلاح، ولا ينصرف الفكر فيها إلى غير الحرب، ولا يقضي البشر حياتهم في غير العداوة، قام زهير بن أبي سلمى يدعو إلى السلم وينفّر الناس من الحرب بإظهار ويلاتها، ويعلن أن كل غرامة مهما كانت باهظة تعود خفيفة في جانب النعمة التي يضفيها السلام على الناس.( )
وحين قام هرم بن سنان والحارث بن عوف يدفعان ديات القتلى من مالهما، نهض زهير يمدحهما، ويجسم بشاعة الحرب، ليرى الناس العمل العظيم الذي قام به الرجلان، فقال( ) :
سعى ساعيا غيظ بن مُرَّة، بعدما
تبزَّلَ ما بين العشيرةِ بالدَّمِ

يميناً، لنعم السَّيّدان وجدتُما
على كلِّ حالٍ، من سحيل ومُبْرَمِ

تداركتُما عَبْساً وذبيانَ، بعدما
تفانوا، ودقّوا بينهم عطرَ مَنشِمِ( )

وَقَدْ قُلْتُما إن نُدْرك السلمَ واسعاً
بمالٍ، ومعروفٍ من القولِ، نَسْلَمِ

وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم
وما هو عنها بالحديث، المُرَجَّمِ

متى تبعثوها تبعثوها ذميمةً
وتضرَ، إذا ضّريتموها، فتَضْرَمِ

فتَعْرُككُم عركَ الرّحى، بثفالها
وتلقح كشافاً، ثم تنتج فتُتْئِمِ

وأما طرفة بن العبد البكري، فقد أساءت الحياة إليه وأساء إليه أهل الحياة؛ وأهله أيضاً فاشتد عليه الظلم، وزادته الحياة ألماً حين حرمه أعمامه من إرث أبيه، فانقلب مادياً لا يبصر من الحياة إلا كل لذة عاجلة ولا يرى الدنيا إلا شجرة مثمرة إن أنت لم تتمتع بظلها وتأكل من ثمرها فاء الظل وفسد الثمر وسقط( ) . فليس للبشر حظ إلا في ما يأتونه في حياتهم الدنيا، أما الخلود في هذه الحياة فليس إلا لبقايا الأحجار على الجثوة توضع فوق القبر، ولقد عبر طرفة عن ذلك كله تعبيراً بارعاً، فقال( ) :
ألا أيُّهذا اللائمي، أحْضُرَ الوغى
وأن أشْهدَ اللّذّاتِ، هل أنتَ مُخْلِدي؟

فإن كُنْتَ لا تستطيع دفعَ منيّتي
فدعني، أبادرها بما مَلَكَت يَدِي

أرى قبرَ نحَّامٍ بخيلٍ بمالِه،
كقبرِ غويّ، في البطالة مُفْسِدِ( )

ترى جُثْوَتين من تُرابٍ عليهما
صفائح صمٌّ من صفيحٍ مُنضَّدِ

أرى الموتَ يَعْتامُ الكرامَ، ويصطفي
عقيلةَ مال الفاحش، المتشدِّدِ( )

أرى الدّهرَ كنزاً، ناقصاً كلَّ ليلةٍ
وما تنقصُ الأيامُ، والدَّهْرُ، يَنْفَدِ( )

لعمرك، إن الموتَ، ما أخطأ الفتى
لكالطّولِ المرخى، وثنْياهُ باليَدِ( )

وظُلْمُ ذوي القربى أشدُّ مضاضةً
على المرء من وقعِ الحُسامِ، المهنَّدِ( )

وقد أجاد طرفة وأبدع حين قال:
سَتُبْدِي لكَ الأيامُ ما كنْتَ جاهِلاً
ويأتيكَ بالأخْبارِ من لَمْ تُزَوِّدِ

أي ستظهر لك الأيام ما لم تكن تعلمه، ويأتيك بالخبر من لم تسأله عن ذلك ولم تزوده. وقد كان الرسول  يتمثل هذا البيت دائماً.( )
وقد كانت حكمة العربي الجاهلي مبنية على إيحاء منظر خاص أعجبه فتحرَّك له. ولكنها ليست وليدة نظرة عامة شاملة، فما هي إلا خطرات تملأ صدره. فحديث الحياة والموت والغنيمة والخيبة، وحصر السؤال بالله، ووحدانيته، والبلاغ بما قد يدركه الضعيف أخذ من تفكير الشعراء كثيراً، فربما أدرك الضعيف، بضعفه ما لا يدركه القوي بقوته، وقد يخدع الأديب العاقل، عن عقله، والدهر خير واعظ للناس، ومن لم يتعض به، فإن الناس لا يقدرون على عظته، وقد عبَّر عن هذا عبيد بن الأبرص، فقال( ) :
وكُلُّ ذِي غيبةٍ يَؤوبُ
وغائبُ الموتِ لا يَؤُوبُ

أعاقرٌ مثلُ ذاتِ رحْمٍ؟
أوْ غانِمٌ مثلُ من يَخيْبُ؟

من يسأل النّاسَ يحرموه
وسائِلُ اللهِ لا يَخيْبُ( )

بالله، يُدْرَكُ كُلُّ خَيْرٍ
والقَوْلُ في بَعْضِه تَلْغيْبُ

والله، ليسَ لـه شَريْكٌ
علاّمُ ما أخْفَتِ القُلوبُ

أفلح بما شئت، فَقَدْ يَبْلغَ الـ
ـضَّعيفِ، وقد يُخْدَعُ الأرِيْبُ

لا يَعِظُ الناسُ من لا يعظ الـ
ـدَّهْر، ولا ينفع التَّلْبِيبُ

وإذا كانت مظاهر الحياة العقلية في الجاهلية معروفة في اللغة والشعر والأمثال والقصص، فإنها غير ظاهرة في العلم والفلسفة. فما رأيناه وأمثاله لا نستطيع أن نطلق عليه مذهباً فلسفياً، إنها خطرات فلسفية، وهناك فرق كبير بين مذهب فلسفي وفطرة فلسفية، فالمذهب الفلسفي نتيجة البحث المنظم وهو يتطلب توضيحاً للرأي وبرهنة عليه، ونقضاً للمخالفين.
وهذه منزلة لم تصل إليها العرب في الجاهلية. اما الخطرة الفلسفية فدون ذلك لأنها لا تتطلب إلا التفات الذهن إلى معنى يتعلق بأصول الكون، من غير بحث منظم وتذليل وتفنيد، وهذه درجة وصل إليها العرب".( )
فمجتمع العرب "ذو أفق عقلي محدود"( ) ، وهذا لا يمنع أن "نجد في بيت من الشعر الجاهلي أو في مثل من أمثالهم أو قصة من قصصهم فكرة راقية، وربطاً للأسباب بالمسببات، ولكن حتى هذه يعوزها العمق في التفكير، كما يعوزها الشرح والتعليل".( )
وإذاً فطبيعة هذا التفكير تكون بعيدة عن العلم ومع أنه "كان عندهم معرفة بالأنساب والأنواء والسماء، وبشيء من الأخبار، ومعرفة بشيء من الطب، ولكن من الخطأ البيّن أن تسمى هذه الأشياء علماً"( ) .
وهذا لا يمنع من مجيء خطرات علمية أيضاً وقد اعتبر ابن خلدون( ) علم الجبر والمقابلة من فروع علم العدد، وهو صناعة يستخرج بها العدد المجهول من العدد المعلوم إذا كانت بينهما صلة تقتضي ذلك. وقد "وصل( ) شيء من هذا الفن إلى عرب الجاهلية، فكثير ذكر( ) المعادلة ذات المجهول الواحد في الشعر" قال النابغة( ) :
واحْكُمْ كَحكْمِ فتاةِ الحيّ إذْ نظرت
إلى حمام سراعٍ واردِ الثَّمَدِ( )

قَالَتْ: ألاَ لَيْتَما هذا الحَمَامُ لَنَا
إلى حَمامَتِنا مع نصفهِ فَقَدِ

فحسبوه فأَلْفَوه كما ذَكَرَتْ:
تسعاً وتسعين لم تنقصْ ولم تزِدِ

فكملَّتْ مائة فيها حمامتها
وأسرعت حسبةً في ذلك العَدَدِ

لقد أعجب النابغة بالمدرك الاستقرائي( ) : س + س/2 + 1 = 100
وليس صعباً أن نعرف العلم الذي يأتي عن طريق الشعر، وإذا كان تعريف العلم دراسة تتعلق إما بمجموع من الوقائع المبرهنة أو بمجموع من الوقائع الملاحظة التي ترتّب ثم يجمع بعضها إلى بعض على نظام مخصوص ليستخرج منها قوانين عامة، على أن يقوم ذلك كله على أساليب موثوقة تمكّن الدارس من اكتشاف حقائق جديدة في الناحية التي يوليها اهتمامه"( ) . إذا كان تعريف العلم كذلك- وهو كذلك- فإن الحقائق التي يكتشفها الشعر، ويريد فرضها اكتشاف علمي في الفكر وهذا تعريف مطلق يشمل كل مظاهر الوجود بما فيها الشعر.
والعلم شيء غير الحلم، وأحياناً تختلط الأمور بينهما، وقد يسمى بعض الناس الشيء علماً وليس بعلم. وقد فضّل العقل على المنطق حكمه، وفضّل المنطق على العقل هجنه. وخير الأمور ما صدّق بعضها بعضاً كما في قول زهير بن أبي سلمى( ) :

وكائن تَرى من صامتٍ لكَ معجبٍ
زيادَتُه أوْ نَقْصُه في التكلّمِ

لسانُ الفتى نِصْفٌ ونصفٌ فؤادُهُ
فلم يَبْقَ إلا صورةُ اللّحْمِ والدَّمِ

والحلم "نوع من رحابة الصدر المسمى بالحلم وهو مزيج غريب من كبر النفس والحيلة الناجحة"( ) .
وقد أدرك الجاهليون أن الحلم يجب أن يحمى بحد السيف وإلا فإنه ينقلب ضعفاً وشتان بين الضعف والحلم، كما أن الجهل في قبيلة ما يصبح نقمة كبير
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://genieboujdour.123.st
 
الإيجابية والسلبية في الشعر العربي بين الجاهلية والإسلام -تتمة3-
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى فريق جيني بوجدور :: منتدى دراسة الشعر-
انتقل الى: