منتدى فريق جيني بوجدور
شكرا على زيارتكم

منتدى فريق جيني بوجدور

التربية والتعليم
 
الرئيسيةالتسجيلدخول
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
» ما هو الكوتيزون ؟
الثلاثاء 11 سبتمبر 2012, 3:24 am من طرف أبوعمر

» الإنسان كلٌ واحد: رؤية تكاملية للمنهج
السبت 04 أغسطس 2012, 11:57 am من طرف سعاد

» كيفية التعامل مع المراهقين
السبت 04 أغسطس 2012, 9:57 am من طرف سعاد

» كيف نتعامل مع الطفل العصبي ؟
السبت 04 أغسطس 2012, 9:50 am من طرف سعاد

» دروس في مادة الرياضيات
الجمعة 24 فبراير 2012, 12:01 pm من طرف islam fajr

» مصوغات برنامج التكوين جيني مساهمة الأستاذ hssini
الجمعة 13 مايو 2011, 9:55 am من طرف naimamz

» إنجازات عمر بن الخطاب الحضارية رضي الله عنه (نقلا عن موقع ينابيع التربوية )
الثلاثاء 22 مارس 2011, 4:51 pm من طرف JAMAL

» موقع مدرسة النهضة بوجدور
الثلاثاء 22 مارس 2011, 4:08 pm من طرف JAMAL

» دعاء مستجاب إنشاء الله
الثلاثاء 22 مارس 2011, 12:48 pm من طرف JAMAL

المواضيع الأخيرة
» ما هو الكوتيزون ؟
الثلاثاء 11 سبتمبر 2012, 3:24 am من طرف أبوعمر

» الإنسان كلٌ واحد: رؤية تكاملية للمنهج
السبت 04 أغسطس 2012, 11:57 am من طرف سعاد

» كيفية التعامل مع المراهقين
السبت 04 أغسطس 2012, 9:57 am من طرف سعاد

» كيف نتعامل مع الطفل العصبي ؟
السبت 04 أغسطس 2012, 9:50 am من طرف سعاد

» دروس في مادة الرياضيات
الجمعة 24 فبراير 2012, 12:01 pm من طرف islam fajr

» مصوغات برنامج التكوين جيني مساهمة الأستاذ hssini
الجمعة 13 مايو 2011, 9:55 am من طرف naimamz

» إنجازات عمر بن الخطاب الحضارية رضي الله عنه (نقلا عن موقع ينابيع التربوية )
الثلاثاء 22 مارس 2011, 4:51 pm من طرف JAMAL

» موقع مدرسة النهضة بوجدور
الثلاثاء 22 مارس 2011, 4:08 pm من طرف JAMAL

» دعاء مستجاب إنشاء الله
الثلاثاء 22 مارس 2011, 12:48 pm من طرف JAMAL

ازرار التصفُّح
 البوابة
 الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 بحـث
ازرار التصفُّح
 البوابة
 الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 بحـث
منتدى
منتدى
التبادل الاعلاني
التبادل الاعلاني

شاطر | 
 

 الإيجابية والسلبية في الشعر العربي بين الجاهلية والإسلام

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أبوعمر
Admin


عدد المساهمات : 81
تاريخ التسجيل : 16/12/2010
العمر : 41
الموقع : www.genieboujdour.123.st

مُساهمةموضوع: الإيجابية والسلبية في الشعر العربي بين الجاهلية والإسلام    السبت 15 يناير 2011, 10:40 am

الإيجابية والسلبية
في الشعر العربي
بين الجاهلية والإسلام


مقدمة البحث

الباب الأول :
العصر الجاهلـي
الفصل الأول: المفاهيم السلبية:
المنَاحي الاجتماعيَّة
- التفاخر بالأنساب.
- العصبية القبلية:
شعر التحريض:
المناحي الفكريّة
في المناحي الفكرية:
الطيرة والأوهام والخرافات:
الغيلان والسعلاة، ومزاعم أخرى:
المناحي الاقتصادية
المناحي التربوية
توجيه السلوك الاجتماعي والأخلاقي بشكل خاطئ:
الفصل الثاني: المفاهيم الإيجابيّة
المناحي الاجتماعيّة
حل المشاكل الاجتماعية:
تسجيل خيانة القبائل وذمها:
المناحي الفكريّة
المظاهر العقلية في العصر الجاهلي
حركة التوحيد في الجاهلية:
المناحي الاقتصادية
موقف الشعراء من تضخم الثروة:
أثر المال في العلاقات الاجتماعية:
دور المرأة في سياسة المال:
المناحي التربوية
في المناحي التربوية:
الخصال الحميدة التي يربى عليها الفتى:
الخصال الحميدة التي تربته عليها الفتاة:
مظاهر أخرى في التربية الجاهلية:
اسـتنتاج:
الباب الثاني:
العصر الإسلامي
الفصل الأول
الشعر ونفوذه في الإسلام
التغيرات البنيوية في المجتمع العربي بعد الإسلام:
الفصل الثاني : المفاهيم السلبيـّة
المناحي الاجتماعية
شعر الفتن والتحريض:
شعر التحريض:
العصبية القبلية:
المناحي الفكرية
الاستخفاف بالدين!..
المناحي الاقتصادية
المناحي التربوية
-توجيه السلوك الاجتماعي والأخلاقي بشكل خاطئ.
- تصعيد النزوات السلبية:
-التقليل من قيمة المعلم:
-ذكر الضحايا والموت والدمار:
-ذكر الجن والعفاريت والأشباح:
الفصل الثالث: المفاهيم الإيجابيّة
المناحي الاجتماعية
حل المشاكلات الاجتماعية:
التنديد بالفساد وفضح المرتشين:
المناحي الفكرية
المحاكمة العقلية:
إظهار كلمة الحق، وفضح الباطل:
الأخلاق الفاضلة:
المناحي الاقتصادية
ـ بدايات الاقتصاد العربي في الدولة الإسلامية:
- تصوير الواقع السلبي الذي خلفه التناقض الطبقي:
فضح أصحاب الخراج وأصحاب الصدقات:
المناحي التربوية
- التربية
بناء الشخصية كما جاء في الشعر التربوي الإسلامي
الفضائل التي دعا إليها الشعر التربوي
نتائج التربية الفاشلة
ثمرة البحث
الفهارس الفنية
ـ فهرس المصادر والمراجع.
فهرس الأعلام
فهرس البلدان والمواضع
فهرس الفهارس

مقدمة البحث


تحدثت كتب( ) النقد عن الخصومة والسّرقة بين الشعراء، كما تحدثت عن الصراع بين القديم والجديد في المعاني والمباني. وغدا ما نعرفه عن الشعر القديم مقسّماً إلى عصور تاريخية ضمّت نظريات مدرسية؛ وما نعرفه عن الشعراء موزعاً إلى زمر متعددة؛ فمنهم شعراء للمديح وآخرون للغزل، وغيرهم للوصف، وتسميات أخرى كثيرة ومعروفة، مرتبطة بأغراض الشعر المختلفة.
ويظل الحديث دائماً يدور في ساحة محصورة بين جدارين من القول الأول: يمثل السّلف من الشعراء، كما يمثل نوعية الشعر الذي قالوه والثاني: يمثل الخلف من الشعراء، كما يمثل نوعية الشعر الذي قالوه أيضاً. والناقد المبصر لهذا وذلك، يمثل حكم لعبة الكرة، يحدثنا عن انتقالها من فريق إلى آخر.
والسعي في الخروج إلى نوع آخر من الدراسة الأدبية ضروري في عالمنا المعاصر، فقد مللنا نظرية النقد على أساس هذا أمدح بيت قالته العرب، أو أهجى بيت سمعناه؛ كما مللنا نظرية هذا جديد وهذا قديم. نريد وضع شعر الخلف والسلف في طرف، ووضع مقياسٍ جديدٍ للشعر العربي نُبصر بموجبه الإيجابي والسلبي في طرف مقابل.
ومهمّة هذا المقياس أن نعرف في الشعر ما كان، وما يجب أن يكون بما قد كان.
وانطلاقاً من إيماننا بدور الأدب الفعال في حياة المجتمعات البشرية، نعلن ثقتنا بقدرة الشعر العربي على التغيير والتأثير إذا أحسن من يمارسه دوره الموكل إليه.
إن الفائدة المرجوة من ذلك تبصير الإنسان العربي المعاصر بالصفحات الأخرى من التاريخ حين يكون بعيداً عن ضغط عامل من العوامل مهما قل، وقد يبدو هذا مستحيلاً، ولكن المقياس الذي نضعه هو الضابط الذي نأمل فيه منعاً من التهور أو الشطط في القول.
إن كثيراً من الكتب الأدبية التي تغص بها المكتبة العربية، ولاسيما الكتب التي تتناول العصور القديمة غير كافية، ولا تعطي الصورة الكاملة لشعر تلك العصور، وهي كما نراها ونلاحظها تسير على خطوط كثرة. أهمها خطّان اثنان.
الأول: خط يحتوي على كتب تاريخ الأدب بما فيها مصادر حياة الشعراء، وهي كثيرة.
الثاني: خط يحتوي على كتب الحياة الأدبية عامة بما فيها مصادر المادة الفنية، ومصادر النقد الأدبي، ودواوين الشعراء.
ربما كان من المفيد أن ندرس خطاً جديداً في الأدب يرفد الخطوط السابقة بناءً على نظرة أخرى جديدة. وهذا هو هدف البحث الذي يسعى إلى ترسيخ خط جديد في دراسة الشعر العربي من خلال كشف واسع بالمواقف الإيجابية والسلبية التي اتخذها الشعراء من المفاهيم المتعددة في العصور التي ندرسها.
وفي مثل هذا البحث خطورة تظهر في مراجعة بعض فصول التاريخ ومراجعة بعض المفاهيم الأدبية، وربما قلب البحث كثيراً من المفاهيم الفكرية الموروثة، وهذا يساعد الشعراء المعاصرين والقادمين من العرب في التعرف على الخطوات الإيجابية التي يجب أن تكون، كما يساعدهم في تجنب الخطوات السلبية التي كانت.
إن التاريخ يكتب باليد الحاكمة، وليس الذي يكتب نفسه شقيا بعاقل ما دام القلم بيده. وإن اللوحة الفكرية التي رسمتها قصائد المشهورين من الشعراء والتي تتصدر الأدب العربي القديم ليست وحيدة، وليست تامة. هناك لوحة أخرى غيرها ترسمها المقطعات الشعرية.
إن عدد الشعراء الذين ذكروا في المدارس الأدبية يكاد يكون محصوراً وإننا نتساءل: هل يعقل أن يكون عدد الشعراء محصوراً، في أمة لها تراثها الضخم العظيم!؟.. والجواب عندنا: لا.. طبعاً. فهل من ضير إذا راحت كلمات شعراء آخرين ترسم لنا صورة أخرى، وهل من ضير إذا وقفنا عند صور أخرى للشعراء المشهورين المعروفين أنفسهم؟. إن الشاعر ذو دور عظيم في المجتمع العربي. والشعر سجل بالإيجابي والسلبي من مواقف الشعراء والحاكمين، والمحكومين، سجل بالمفاهيم المختلفة التي تسود في كل عصر من العصور، ومن هنا فإنه يمكن الاعتماد على الشعر في إعادة تسجيل جزء من التاريخ. لكن الحديث عن نفوذ الشعر والشاعر في حياة العرب قد يجد معارضين، فلابد من التثبت واليقين في هذه المسألة لأهميتها من جهة، ولأننا نعتمدها في بحثنا كلّه من جهة ثانية.
كان ملوك العرب وزعماؤهم يدركون أثر الشعراء في حياتهم، فكانوا يحسبون حسابهم، ويرضونهم لكسب الرضى العام، ويأخذون بآرائهم، ويعملون غالباً على كسب جانبهم، وإلا فلابدّ للحاكم من ملك أو أمير أن يأخذ الشاعر بالعقاب ليتخلص منه بطريقة يضمن فيها بعده ، ونجاته من لسانه. أرسل الملك عمرو بن هند طرفة بن عبد الشاعر الجاهلي بكتاب إلى المكعبر عامله على البحرين، وعمان، يأمره فيه بقتله، لأبيات بلغ الملك أن طرفة هجاه بها( ) ، فتخلص منه.
كما روى أن النّوار زوجة الفرزدق، كانت احتكمت إلى عبد الله بن الزبير في زوجها. فقال: إمّا أن ترجعي مع ابن عمك وتتزوجيه وإمّا أن نقتله فلا يهجونا( ) " وهكذا يصبح الشاعر مرهوب الجانب مما يحمل القوم على معاملته بالحسنى والعناية به بوصفه ضيفاً خارقاً للعادة( ) . ولسيرورة الشعر على الأفواه، تجنب الأشراف ممازحة الشعراء( ) خوفا من ألفاظ تسمع منهم. فالشعراء أصحاب ألسنة حداد، على العورات موفية، وعن الخبايا باحثة. والاحتكاك المباشر بهم من أجل قضيّة ما قد يولد شعراً لا يريده الأشراف، فيحاولون كبح جماح الشاعر بالقوة؛ ولكن تلك القوة لم تكن تحول دون انتشار الشعر في جانب سلبي أو إيجابي.
روي أن الشّعبيّ( ) - وهو أحد قضاة الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان – حكم بين رجل وامرأته، فحكم للمرأة، فقال زوجها:
فُتن الشّعبيُّ لمّا رفع الطّرف إليها

فتنتهُ ببنان وبخطيِّ حاجبيها

ومشت مشياً وَئِيد ثم هزّت منكبيها

قال للجلواز: قَرّبْها وأَحضر شاهديها

فقضى جوراً على الخصم ولم يقض عليها

فأمر الشّعبيّ بالرجل فعوقب، ولكن العقاب لم يمنع الأبيات من الانتشار، فسارت مع الركبان شرقاً وغرباً. وحكى الشعّبيّ ذاته قال: مررت في البصرة بفتاة تملأ جرتُها وتتغنّى "فتن الشّعبيّ... فتن الشّعبيّ"، ولم تستطع أن تكمل البيت، فقلت لها:
فتن الشّعبي لمّا رفع الطرف إليها

ففرحت به فرحاً شديداً، وشكرتني، وانصرفت، وهي تتغنى بالبيت( ) هذا الشعر.
وأما الشعراء فهم ".. أمراء الكلام يقصرون ويمدّون المقصور، ويقدمون ويؤخرون، ويؤشرون ويشيرون، ويختلسون ويعيرون، ويستعيرون"( ) .
كان الشاعر على بصيرة من أمره عارفاً مكانته في المجتمع، عاملاً على حفظ تلك المنزلة الرفيعة. وقد ورد أن الشاعر "الطفيل الدوّسي قدم مكة، ورسول الله بها، فحذّره رجال من قريش من سماع النبي  حتى لا يتأثر بقوله. قال الطفيل: فما زالوا بي حتى أجمعت لا أسمع منه شيئاً، ثم قلت في نفسي: واثكل أمي!... والله إني رجل لبيب شاعر، ما يخفى عليّ الحسن من القبيح، فما يمنعني من أن أسمع هذا الرجل ما يقول؟ فإن كان الذي يأتي به حسناً قبلته، وإن كان قبيحاً تركته( ) .
وعلى الرغم من وضوح هذا الأمر، فإن بعض نقاد الأدب، ادّعى أن أشراف الجاهلية، كانوا يأنفون من قول الشعر، فينهون أولادهم عنه، ويحتجون بقصة امرئ القيس مع أبيه، وأن أباه نهاه عن قول الشعر، فلمّا خالف أباه في وجوب ترك الشعر، واستمر على قوله، طرده بسببه، وأخرجه من داره.
"وقد غفل أكثر الناس عن السبب، وذلك أنه كان خليعاً، متهتكاً شبّب بنساء أبيه، وبدأ بهذا الشعر العظيم، واشتغل بالخمر والزنا عن الملك والرئاسة، فكان إليه من أبيه ما كان ليس من جهة الشعر، لكن من جهة الغي والبطالة، فهذه، وقد جازت كثراً من الناس، ومرّت عليهم صفحا"( ) .
وربما أعرض عنه بعض الأشراف، لكن ليس لعيب فيه، بل لأنه وسيلة للتكسب. وكانوا يدركون قيمته تماماً ويعيبون من يتكسب به فهو "لجلالته يرفع من قدر الخامل، إذا مدح بهن مثلما يضع من قدر الشريف، إذا اتخذه مكسباً كالذي يؤثر من سقوط النابغة الذبياني في امتداحه النعمان بن المنذر، وتكسبه عنده بالشعر، وقد كان أشرف بني ذبيان. هذا وإنما امتدح قاهر العرب،وصاحب البؤس والنعيم"( ) .
وهكذا فإن عالماً "تخطى الكلمة فيه بأهمية كبرى هو عالم يقدر الموهبين. فربّ خطبة أو كلام مرتجل يقعان في محلهما، قد يغيران مجرى الحوادث. إن الشعر يستمد قوته من ذاته وتبقى مكانة الشاعر الملهم الاجتماعية ثانوية( ) .
ويبقى نفوذ الشعر ذا دور مهم في حياة العرب العقلية، وتصرفاتهم الاجتماعية، وربما أهلك الشعر قبيلة برمتها، وهل أهلك عنزة وجرما وعكلا، وسلول، وباهلة، وغنيا إلا الهجاء؟!..
وهذه فيها فضل كثير وبعض النقص، فمحق ذلك الفضل كلّه هجاء الشعراء. وهل فضح الحبطات، مع شرف حسكة بن عتاب، وعباد بن الحصين وولده، إلا قول الشاعر:
رأيت الحمر من شر المطايا
كما الحبطات شرّبني تميم( )

وإذا كان الشاعر مدركاً مكانته في المجتمع، فإنه مدرك أثر شعره وهيبته أيضاً، فيطالب بمنزلته الخاصة. "كتب هوذة بن علي الحنفي، إلى النبي  يجيبه على رسالته التي أرسلها إليه: (ما أحسن ما تدعو إليه، وأجمله، وأنا شاعر قومي وخطيبهم، والعرب تهاب مكاني،فاجعل لي بعض الأمر أتبعك( ) ".
وربما قلل التحضر من مكانة الشاعر، فلم يعد الناس يخشون لسانه كما هو الأمر في مجتمع البداوة، ولكن هذا لا يعني انتهاء نفوذ الشعر إنه "ديوان العرب، وخزانة حكمتها ومستنبط آدابها ومستودع علومها"( ) .
وجاء الإسلام، وبقي أثر الشعر في المجتمع كما كان، تلهّى عنه الناس مدة من الزمن، ثم عادوا إليه. وربما حث الخليفة على تعلمه واتقانه، فقد كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري واليه على البصرة قائلاً: مُر من قبلك بتعلم الشعر، فإنه يدل على معالي الأخلاق وصواب الرأي، ومعرفة الأنساب"( ) . ومن الملاحظ أنه مهما تكن المكانة التي يمثلها الشاعر في قبيلته فهو يهم بالتظاهرات الأساسية في حياة الجماعة"( ) .
وإذا ثبت بالدليل مقام الشعر والشاعر في البيئة العربية، فهذا عزّ مطلبنا لتثبيت خط جديد، ولتصحيح الفكرة القائلة بأن موقف الالتزام في الشعر المعاصر، هو وليد مفهوم سياسي معاصر، وفي مخالفة صريحة لكثير من الباحثين( ) ، وحين نؤكد صحة ما ندعيه، ونجد فيه إقناعاً كافياً، نكون قد أسقطنا تلك الفكرة، و حققنا هدفنا بأقدمية المواقف الصحيحة التي اتخذها الشعراء من أمهم، والتي تسمح باتخاذ مواقف جديدة بموجبها.
إن الشعر تعبير عن حالة نفسيّة يعيشها الشاعر، تظهر تحت تأثير المفاهيم التي يستقيها من البيئة؛ وهناك علاقة متبادلة بين المفاهيم والمواقف، فكلما ظهر مفهوم جديد في أمّة من الأمم، اتخذ شعراء تلك الأمة منه موقفاً ما، قد يكون سلبياً وقد يكون إيجابياً.
إن دور شعراء العرب من المفاهيم المتجددة في حياتهم أمر كبير، ربما تجاوز دوره في الأمم الأخرى. ويتبين للباحث أن دور الشعراء كان شاملاً لكثير من جوانب الحياة. إنه نفوذ اجتماعي، وسياسي، وفكري واقتصادي. بمعنى أن مناحي الحياة العربية كلها كانت واقعة تحت تأثير ونفوذ الشعر. و هذا يعزز ما ذهبنا إليه من دور الكلمة في تدعيم أركان الحياة السليمة أو تهديدها، تبعاً للمعنى سلباً أو إيجاباً.
ومن الجدير ذكره هنا أن هذا البحث غير خاضع لطريقة الناقد الفرنسي
(SAINTE -BEVBE)( ) من حيث العناية بالشخصيات الأدبية، وتعقب حياتهم، ولكنه محاولة جادة لتبيان طبيعة نوع من الشعر خدم الحياة العربية. ودفعها شوطاً في سير الحضارة، وهو الشعر الإيجابي، وتسليط الضوء على نوع آخر من الشعر أخّر مسيرة الحضارة، هو الشعر السلبي.
رب شاعر مغمور، جاهلي، أو إسلامي، أدّى خدمات جلّى لقومه، واتخذ المواقف الإيجابية في شعره، دون أن يتصل بالقصور، مما جعله غير معروف في أمة ارتبط أغلب تاريخها بالحكام، إلا أن التاريخ يثبت صحة سلوكه في استخدام شاعريته، وهو المطلوب.
ورب شاعر مشهور كان رفيق الملوك والأمراء، غير أنه لم يحسن استخدام شاعريته، فكان في سلوكه بعيداً عن المواقف التي يجب أن يقفها من هو في مثل ذكائه من الشعب، موصوف عندنا بالسلبية.
ولعل القارئ لهذا البحث يفاجأ بأمرين اثنين.
الأول : كثرة الشعراء الذين لم يسمع بهم ا\إلا المختصون. فالمنهج يقضي الالتفات إلى المغمور من هؤلاء الشعراء نسد بشعرهم الفجوات التي تطالعنا بها حياتنا الأدبية، نسمع أصواتهم العذبة تطل على الدنيا. وأغلب هؤلاء كان بعيداً عن القصور، فكانت رؤيته للأحداث بعيدة عن منظار أصحاب تلك القصور. إن مجموع شعر هؤلاء يشكل تياراً كبيراً في الأدب العربي، يقابل تيار أدب القصور يمكن تسميته أدب الشعب( ) .
الثاني : شعر المقطعات، فالقضية دائرة بين مفهوم وموقف، و عادة يأتي رد الفعل سريعاً عند الشعراء، وحين يكون رد الفعل سريعاً لابد أن يكون قصير النفس. أنه من غير الممكن خضوع التراث الأدبي العربي كله لشعراء المطولات، إن شعر المقطعات قد يسلط ضوءاً قوياً على كثير من المفاهيم الدينية والتاريخية والأدبية.
والقيام بهذا عبء ثقيل وكبير، والمؤونة فيه كثيرة غير أنها ضائعة مبعثرة في بطون الكتب والدواوين في أغراضها المختلفة، والبحث في هذه الذخيرة الواسعة يحتاج إلى تحليل مسهب، وتقويم سليم وزمن مديد، وأمانة على النصوص، واستقامة في السيرة، والخلق.
نرجو الله أن يوفقنا لتحقيق هدفنا في هذه الدراسة، وهو القاهر فوق عباده القادر على ما شاء. وهي دراسة قصدت بها أن أمرّن الشعر لخدمة الأمة فإن أفلحت فهذه أمنيتي، وإن فشلت فعذري أنني إنسان، وقد خلق الإنسان ضعيفاً.
أصبح واضحاً أن غاية هذا البحث ترسيخ خط جديد في دراسة الشعر العربي، ليأتي ما قد يكون من هذا الشعر العربي المعاصر والمستقبلي متجنباً السلبي فيما كان، وآخذاً بالإيجابي الذي كان فيما يكون.
ومادام الشعر ذا أثر كبير في حياة العرب، فمن المؤكد أنه يستطيع أن يشارك في نهضتهم المعاصرة، وهذا هدف لنا أيضاً نبتغيه ونسعى إليه من خلال دراستنا. وعلى الرغم من انخفاض نسبة هذا النفوذ الذي كان للشعر في حياة العرب المعاصرة، فإنه يظل في طليعة ما يحرك الإنسان العربي، ويؤثر فيه. فمن الملاحظ أن غياب النصوص( ) الشعرية الأصلية – في مضامينها – من كتب التعليم، أعطى الوحدة التعليمية الشعرية مفهوماً سلبياً، فغدت صفحة القوم معرضة عن الشعر راكضة خلف ما يطربها وينسيها شيئاً من آلامها في هذا الشعر.
ليس من اليسير أن نعيد النظر في تراث ضخم من الشعر الجاهلي لنستنتج مفاهيم جديدة كان الشعر يعالجها، كما أن أمر الوقوف على الشعر الإسلامي أصعب من سابقه. فهذا يقتضي منّا فرزا دقيقاً، لنقف على المتبقي من المفاهيم الجاهلية في المجتمع الجديد، ولنرى المفاهيم الجديدة التي جاء بها الإسلام. في ضوء هذه الغاية نستطيع تحديد المنهج، وأنه من المهم جداً – ونحن بصدد وضع خط يرفد الخطوط السابقة في دراسة الأدب – أن تعرض تعريف الإيجابية والسلبية بالشكل الذي نقصده في دراستنا، لا على أنه الأصل في الدراسة الأدبية فقط، وغنما لأنه المقياس الذي نقيس بموجبه الثروة الشعرية الكبيرة التي نتعامل معها، فنأتي بالتعريف بعد توضيح المنهج.
جاء هذا البحث في: مقدمة، وبابين، وثمرة رجوناها.
فالمقدمة: تناولنا فيها ضرورة الوقوف على مفاهيم جديدة في الشعر الجاهلي والشعر الإسلامي، من خلال استعراض كبير لمجموعة كبيرة منه ولاسيما شعر المقطعات. وقد اقتضى هذا أن نتعرض لمكانة الشاعر والشعر في المجتمع العربي القديم وأثرهما في توجيه المفاهيم والمواقف العربية القديمة كما اقتضى أمر هذا الخط الذي نسير عليه في هذه الدراسة، والذي ندعو إليه الباحثين والشعراء والمعاصرين. ثم كان لابد من ثبت بالتعريف الذي وضعناه عنواناً ليحثنا.
في الباب الأول: وقفنا عند (العصر الجاهلي) فدرسنا فيه مظاهر الحياة الاجتماعية، والفكرية، والاقتصادية، والتربوية، من خلال المفاهيم السلبية التي أفردنا لها الفصل الأول، والمفاهيم الإيجابية التي أفردنا لها الفصل الثاني.
ففي الفصل الأول، وقفنا عند المناحي الاجتماعية، لأنها تظهر لنا التكوين الاجتماعي بما فيه من قيم سلبية كالتفاخر بالأنساب، والعصبية القبلية، وشعر التحريض.
ومن الطبيعي أن ندرس المناحي الفكرية التي كانت تتحكم بحياة العرب الاجتماعية، لأنها تفسّر لنا مواقفهم الأولى من الإسلام، وما تسرّب منها إلى الدين الجديد واستطاع أن يحافظ على حياته حتى هذه الساعة من الواقع العربي المعاصر. كالطيّرة والأوهام، والغيلان والسّعلاة والمزاعم الأخرى الكثيرة.
وحين نأتي إلى الجوانب السلبية في المناحي الاقتصادية نقف على مفاهيم جديدة غير تلك التي اشتهرت في قيم العرب، كالبخل، والغدر، والطمع، واحتقار المهن!..
ونختم هذا الفصل بالحديث عن المناحي التربوية السلبية التي نعتبرها حصيلة طبيعية للمناحي السابقة فنقف على ما يؤذي التربية عامة، وما يؤذي تربية الأطفال خاصة.
فإذا تمت لنا دراسة المفاهيم السلبية، مضينا إلى دراسة المفاهيم الإيجابية في الفصل الثاني.
وكان طبيعياً أن نقف عند المناحي الاجتماعية أولاً، مراعاة للترتيب السابق فندرس أهم هذه المناحي الاجتماعية التي ظهرت في حل المشكلات على مستوى الأسرة وعلى مستوى القبيلة. وتسجيل خيانة القبائل في محاولة لتغير أفرادها من الخيانة والغدر. ثم نستعرض مجموعة من القيم الإيجابية الأخرى التي وجهت حياة العرب نحو الأفضل.
فإذا انتهينا من هذا وصلنا إلى المناحي الفكرية الإيجابية، تلك التي كان لها أثر كبير في قبول الدين الجديد فيما يعد عند كثير من الناس الذين لم يقاوموه كثيراً، فقد استجابوا لهذا القول الجديد، وكان للمظاهر العقلية، ولحركة التوحيد أثر عظيم في إحداث تلك الاستجابة، حيث رقّقت النفوس وهذبت وصارت قاعدة صالحة لاستقبال الدين الإسلامي.
وإذا انتهينا من توضيح هذا المنحى، انتقلنا إلى المناحي الاقتصادية، وبيان أثر المال في خلق التفاوت الطبقي، وأثره في العلاقات الاجتماعية ودور المرأة في سياسة المال.
وفي نهاية المطاف في الفصل الثاني من الباب الأول ندرس المناحي التربوية لنتعرف على الخصال الحميدة التي كان الشعراء يدوّنونها شعرا، ويحملون أولادهم عليها، وتلك التي تراد للفتيات العربيات. ثم نمضي إلى مظاهر أخرى في التربية الجاهلية.
فإذا تمت لنا دراسة العصر الجاهلي، واتضحت لنا المفاهيم السلبية الإيجابية فيه مضينا إلى الباب الثاني وفيه ندرس العصر الإسلامي.
ونبدأ هذا الباب بالفصل الأول الذي ندرس فيه موقف الإسلام من الشعر ممثلاً بموقف القرآن الكريم والرسول  والصحابة الكرام. ونحاول أن نرى الموقف من خلال رؤية جديدة لكثرة الدراسات( ) التي تطرقت لهذا الموضوع من جهة،ولطبيعة البحث من جهة ثانية،وسوف نركز في هذه الرؤية على الشعر ونفوذه في الإسلام.
ثم نمضي بعد هذا إلى التغيّرات البنيوية التي حصلت في المجتمع العربي بعد الإسلام، فنناقش أهم الأوجه السلبية والإيجابية في هذه التغيرات.
ثم نبدأ الفصل الثاني بالمفاهيم السلبية المنتشرة في المناحي المتعددة. ونأخذ المناحي الاجتماعية أولاً، ونحاول استجلاء أغلب هذه المناحي السلبية من خلال الوقوف على شعر الفتن وإثارة الضغائن، وعلى شعر العصبية القبلية، وشعر التحريض!...
فإذا انتهينا من هذه المناحي الاجتماعية، مضينا إلى المناحي الفكرية حيث نقف على مفاهيم جاهلية استمرت في وجودها بالرغم من وجود الإسلام، وبالرغم من سلبيتها!.. كما نقف على شعر الاستخفاف بالدين! ثم نتناول المناحي الاقتصادية. ثم المناحي التربوية من خلال ما يؤذي التربية عامة وما يؤذي تربية الأطفال خاصة مستغلين المفاهيم الاجتماعية السلبية الأخرى، لتوظيف هذا الهدف التربوي، فندرس مظاهر التربية السلبية من خلال المظاهر الاجتماعية السلبية، ونترك هذا الحديث المفصل إلى المناحي الإيجابية في التربية الإسلامية.
وكان طبيعياً أن ننتقل إلى الفصل الثالث وهو الأخير من الباب الثاني لنتحدث عن تلك المفاهيم الإيجابية. فنبدأ أولاً بالمناحي الاجتماعية من حل للمشكلات الفردية والعامة، إلى تنديد بالفساد، وفضح للمرتشين.
ثم انتقلنا إلى المناحي الفكرية حيث وقفنا على النتائج الإيجابية في المحاكمة العقلية، وعلى إظهار دعوة الحق، وتمجيد الأخلاق الفاضلة.
فإذا انتهينا من المناحي الفكرية نفذنا إلى المناحي الاقتصادية، كما صوّرها الشعر الاقتصادي ممهدين له بنبذة عن نشوء الاقتصاد الإسلامي، فركزنا على تصوير الواقع السلبي الذي خلفه التناقض الطبقي، لأننا لم نركز على هذا المنحى كثيراً في الفصل الثاني حيث الحديث السلبي، وذلك للتداخل الذي رأيناه في هذا المنحى.
ووقفنا على فضح أصحاب الخراج وأصحاب الصدقات لإكمال الدائرة الاجتماعية بالحديث عن الفساد، وفضح المرتشين.
ثم نفذنا إلى المناحي التربوية خاتمين بها الفصل الثالث والأخير، فوقفنا على أهداف التربية المعاصرة، وعلى أهداف التربية الإسلامية، كما مثلها الشعر التربوي، ورأينا المؤتلف والمختلف في التربية العربية من خلال منظور العصر.
وأنهينا البحث عن الثمرة المرجوّة منه، والتي تتلخص بظهور خط آخر في دراسة الشعر العربي، ودور المقطعات في إعطاء صور متعددة عن مناحي الحياة العربية. ودور الشعر خاصة في نهضة الأمة العربية المعاصرة.
ومن الملاحظ أن دراستنا كلها تخضع لربط الشعر بالحياة، السلبي منه والإيجابي، من خلال مواقف الأدباء المتباينة، من المفاهيم المتعددة، تحت سلطان الشعر ونفوذه.
ومن الملاحظ كذلك أننا لا نعتمد الفصل التاريخي الرياضي في العصور التي ندرسها، ونمضي إلى الاعتقاد بتداخل العصور، والتأثير المتبادل بينها.
وعلى ضوء الهدف الذي أردناه لبحثنا، نريد الوصول إلى فصول من التاريخ نعتقدها غامضة، صار فيها لغط كبير.
فهذه المقطعات تتناول أغراضاً شعرية ندر أن تناولتها المطولات: حيث الحديث عن الصراع الطبقي، أو فضح أساليب القمع والقهر، والمساعدة في تحليل الواقع التاريخي. كما أن هناك شيئاً مهمّاً في شعر المقطعات، فإن ذلك الشعر المطوّل المشهور لا يمثل الشاعرية بصفاء النفس وصدقها، فالمقطوعة التي تطفر من النفس تحت تأثر درجة عالية من المشاعر الصوفية الصادقة هي الشعر الحقيقي، والذي نعنيه بالصوفيّة هنا، صفاء الدافع الذي وراء المقطعات.
ونجدّ في البحث عن تلك المقطعات القابعة في كتب التاريخ وكتب النقد وكتب تاريخ الأدب، وتاريخ النقد، ونأمل من وراء ذلك كلّه دعم الخط الجديد في الشعر العربي لنتوصل إلى جوانب الحياة المختلفة.
وهذا الخط الجديد يكاد يكون هو الحالة الثالثة التي نريد الوصول إليها "فالضوء المتولد من السالب والموجب، لا هو السالب ولا هو الموجب إنما هو الحالة الثالثة( ) .
كنّا ندرس تيار الأحداث لنصل من ورائه إلى الشعر، والأصل أن ندرس الشعر لنصل من ورائه إلى تيار الأحداث التي تكشف الجوانب المتعددة للحياة العربية.
سوف يتأكد لنا شيء مهم في نهاية هذا البحث فقد نرى أن حاجتنا عظيمة في تعديل كتبنا المدرسية الرخيصة في تاريخ الأدب، و حتى كتبنا الجامعية في هذا التاريخ!...
إن تلك الكتب بما تحتويه من شعر خاضع للدراسة المدرسية، أو تنوّع الأغراض الشعرية، وترسم للشعراء العرب الجاهليين والإسلاميين صورة مشوهة تثير استهزاء بعض النقاد المعاصرين، وتفتح للكثير منهم باباً للطعن في ذلك الشعر، لاسيما وأن تلك الكتب تسهّل عليهم إثبات ما يريدون.
كذلك بالنسبة لصورة العرب التي ترسمها قصائد الشعر المدرّس هي صورة تثير استهزاء أعداء العرب وتفتح لهم باباً للطعن.
إن هذا الخط الجديد في دراسة الشعر العربي ينسج لنا صورة أخرى للشعر والشعراء العرب، وللمجتمع العربي الجاهلي والإسلامي نحلّها محلّ الصورة الحالية.
ومن حقي أن أتحدث عمّا عانيته في هذا البحث، ففي غالب الأحيان كنت أصل إلى درجة اليأس والملل، والتعب المضني، ثم أعود فأسأل نفسي: من الذي ألزمني بهذا المنهج؟!..
إنها رغبتي، ولابد من تحمل كل الصعوبات في سبيل تحقيق الهدف الذي أردته من وراء البحث.
ويبقى أن أشير إلى المعاناة التي تصادف الباحث وهو يسعى ليبتعد عن الخمول من الشعر، الذي جانبته ما قدّر لي، لأكون واقفاً على قاعدة صلبة في بحثي، الذي لا أدّعي له التسنّم، بل كل ما أصبو إليه أن يكون ذا نضج، فيرفد المكتبة العربية بما تفتقر إليه، وأرجو أن يجد فيه الباحث والقارئ خطوة جديدة جديّة في عالم النقد والدراسة الأدبية.

الإيجابية والســـلبـية

لغة ودلالة


أولاً: الإيجابيّة لغة ودلالة:
لغة:
مصطلح الإيجابية غير موجود في المعاجم العربية؛ وما نجده في باب الجيم وفصل الواو هو جوب، ومصدره الإجابة كالطاعة، والطاقة. وهو غير الإيجابية التي نثبتها هنا، والإيجابية مصدر صناعي.
وقد جاءت في معاجم اللغة الإنكليزية على أنها (Positvist) ولها معان أخرى كثيرة منها (Positive) بمعنى الصورة الموجبة،وكذلك جاءت على أنها الإيجابي، ومنها قولهم: (positive-charge) بمعنى الشخصية الموجبة وكذلك جاءت على أنها (Positivist check) بمعنى عائق إيجابي؛ وتأتي كلمة
(Positive) منفردة بمعنى متيقّن، موجب حاسم، أو بات( ) .
وفي الإنكليزية قولهم: (positive tur of mind) يعني عقلية إيجابيّة أو واقعية( ) . ومن تلك المعاني والمصطلحات نستطيع أن نقول: إن (Poetery posicive) مصطلح يعني الشعر الإيجابي. ويبقى مصطلح الإيجابية في الإنكليزية (posicivist) هو الأصل، ومنه اشتقّت بقيّة التسميات التي مرت بنا. ثم انتقلت الكلمة إلى الاستخدام السياسي والمنطقي، وأكثروا من استخدامها في علم النفس وشؤون التعليم وها نحن ندخلها في عالم الأدب( ) .
وهذا المعنى تشترك فيه عدة لغات أوربية أخرى منها الفرنسية( ) ، والإسبانية( ) ، والألمانية، كذلك تشترك الإنكليزية مع تلك اللغات بمصطلح
(Affirmatie) الذي يعني الإيجابي.
دلالة:
تدل كلمة الإيجابية على معان متنوّعة متعددة، تختلف باختلاف الفن الذي تضاف إليه: فهناك إيجابيّة التعليم، وإيجابية علم النفس والمنطق، وإيجابية الأدب، وهي مقصودنا، وفيها نقتصر على الشعر الذي قيل في العصرين الجاهلي والإسلامي، الذي يشتمل على عصر بني أمية أيضاً.
فالذي يدل على الإيجابية في الشعر، فضح قوى الظلم، وأداته البغي في صور متعددة، أهمها:
نبرة الاحتجاج الغاضب الذي يعمل على تحريك الرفض، وتعميق الوعي، وقرن القول بالفعل، بمعنى ربط الشعر بالممارسة العملية.
والذي يدل على الإيجابية فيه، التزام القيم الحميدة، والأخلاق الفاضلة المجيدة، والاهتمام بمصلحة الأمة وقضاياها الكثيرة، فنحن حين نحكم على شيء بوجود آخر فيه يكون إيجابياً وإذا حكمنا على شيء بعدم وجود آخر فيه فهو سلبي. فإذا حكمنا بوجود حل لمشكلة ما!.. في قصيدة ما!.. فهي إيجابيّة، وهو شعر إيجابي، وإلاّ فهي سلبية وهو سلبي.
ويكاد القارئ يعتقد أننا نريد بالإيجابية هنا أدب الواقعية الاشتراكية الأدب الذي يتناول قضايا الطبقات الكادحة؛ ومع أن هذا ليس قصدنا إلاّ أننا في معنى من معاني المصطلح نراه الشعر الذي يهتم بقضايا المجتمع، ويسعى إلى الأخذ بيده نحو ما فيه صلاحه.
والإيجابية في هذه الدراسة تدور حول المفاهيم والمواقف الاجتماعية والاقتصادية، والسياسية، والتربوية، في إطار من الشعر توجد فيه معاني تخدم القيم الفاضلة، وتغذي الأمة بالأخلاق السامية، والمفاهيم السوية، فتربّي المجتمع وتأخذ بيده نحو الأمثل.
ومثل هذا الأدب يدل على الحالة الاجتماعية صادقةً، بعيداً عن التزلف والتملّق، فهو المقياس الذي نميز بموجبه المواقف السليمة التي اتخذها الشعراء، من المواقف الخاطئة أمام مفهوم من المفاهيم.
وهذا المقياس يحتفظ بقوته وأصالته، وطاقة البقاء لديه داخلية، لأنه بعيد عن التعاريف التي تخضع لمذهب سياسي أو أدبي معين.
كذلك فإن الإيجابية مصطلح يدل على الاهتمام بالقضايا الاجتماعية حين يعطيها الصفة الواقعية في التصوير، ويضع لها الحلول التي تأخذ بيد المجتمع نحو الرقي والتقدم.
ومن هنا كان الشعر الإيجابي مقصوراً على شعر المنطقة الحارة بعيداً عن شعر الزخرفة والصنعة، منفصلاً عما يصدر من المنطقة الباردة فشعر المنطقة الحارة، هو الشعر النابع من الأحداث مباشرة، وله دلالة الصدق العاطفي والفني.
إن مدلول الإيجابية في الشعر يمثل المفاهيم الخيّرة التي يتبناها الشعر. وهو يوجه الأشياء، والأمور وجهة تخدم مجموع الأمة، ولا يقتصر على فرد معين فيها، مهما كان سلطانه، اللهمّ إلا إذا ساقه الشعر فرداً إلى خدمة الأمة التزاماً وإقداماً( ) .
وهو مدلول يشجع على السير في موكب الحق، يقاوم الشر وعوامل الفرقة والفساد يعالج الأمور بحكمة وروية معتمداً العقل بعيداً عن العصبية الفكرية الطائشة، أو العقلية المتهورة وهذا ملتقى طريق مع المنطق.
والحديث عن الحروب وويلاتها، وما تحمله من دمار وأذى، وبيان مضارها ذو مدلول إيجابي أيضاً. فكم عملت الحروب على هدم المجتمعات وإتلاف الخيرات، وقهر الناس وإذلالهم؟!.. وكم من أُسَرٍ مزقتها الحروب وقطعت أوصالها. فانتهى كل شيء فيها بطرفة عين.
والمدلول الإيجابي في الشعر دعوة إلى نبذ الحرب، والجنوح إلى السلم، وبيان آثار السلام في انتعاش الأمة، مع ملاحظة الضرورة الحربية أحياناً للدفاع عن الأمة وكرامتها ومقدارتاتها، فتكون الدعوة إلى القتال. – في هذه الحالة – أمراً إيجابياً.
إن اتخاذ المواقف الفكرية المناسبة في الوقت المناسب، بعيداً عن المحاباة والمراوغة للفكر المتحكم بمصير الأمة، وحياة الناس أمر إيجابي؛ فيه شرح للمواقف الواجب اتخاذها إزاء المفاهيم المنتشرة، وتزيين لها في أعين الناس إن كانت زيْنَة، ومحاربة لها وإظهار لمفاسدها مع التضحية بكل شيء في سبيل إبادة تلك المفاهيم إن كانت شيْنَة، وغير ملائمة الشعب.
ولا نستطيع أن نبعد الشعر الذي يعالج دور المال في الحياة عن المدلول الإيجابي. فالشعر هنا قانون يحارب سوء توزيع الثروة، ويدعو إلى اتخاذ المواقف الجيدة من المفاهيم الاقتصادية، وهو بهذا يؤرخ لنا تطور الفكر المالي العربي، فيخدمنا في الاطلاع على أساليب استخدام الثروة عند العرب، ويساعدنا في تحليل كثير من الظواهر التاريخية التي مرت على الأمة العربية.
كذلك فالإيجابية مدلول على نوع من الشعر يكوّن وثائق تربوية فيها دعوة إلى الخصال الحميدة، وإلى زرع بذور العلم والحلم والحكمة في الأمة، متبنياً دعوةً غيريّة خيّرة.
نحن لا نحمّل الشعراء أمراً فوق طاقتهم، فقد كانت مكانتهم الاجتماعية تحتّم عليهم تبنّي مثل هذه المفاهيم التي احتواها المعنى الإيجابي للشعر كما نفهمه من خلال نظرتنا العصرية، لا كما فهمه بعض نقاد العرب القدامى وشعراؤهم، صنيع أبي علي الحسن بن رشيق القيرواني، حين قال( ) :



الشّعر شيء حسن ليس به من حرج

أقلّ ما فيه ذهابُ الهمّ عن نفس الشجي

وحاجةٍ يسّرها عندَ غزالٍ غنج

وشاعرٍ مُطّرح مُغْلِقٍ، بابَ الفرج

قَربّه لسانُه من ملك متوّج

فعلّموا أولادَكم عِقارَ طُبّ المُهَج

[u]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://genieboujdour.123.st
 
الإيجابية والسلبية في الشعر العربي بين الجاهلية والإسلام
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى فريق جيني بوجدور :: منتدى دراسة الشعر-
انتقل الى: