منتدى فريق جيني بوجدور
شكرا على زيارتكم

منتدى فريق جيني بوجدور

التربية والتعليم
 
الرئيسيةالتسجيلدخول
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
» ما هو الكوتيزون ؟
الثلاثاء 11 سبتمبر 2012, 3:24 am من طرف أبوعمر

» الإنسان كلٌ واحد: رؤية تكاملية للمنهج
السبت 04 أغسطس 2012, 11:57 am من طرف سعاد

» كيفية التعامل مع المراهقين
السبت 04 أغسطس 2012, 9:57 am من طرف سعاد

» كيف نتعامل مع الطفل العصبي ؟
السبت 04 أغسطس 2012, 9:50 am من طرف سعاد

» دروس في مادة الرياضيات
الجمعة 24 فبراير 2012, 12:01 pm من طرف islam fajr

» مصوغات برنامج التكوين جيني مساهمة الأستاذ hssini
الجمعة 13 مايو 2011, 9:55 am من طرف naimamz

» إنجازات عمر بن الخطاب الحضارية رضي الله عنه (نقلا عن موقع ينابيع التربوية )
الثلاثاء 22 مارس 2011, 4:51 pm من طرف JAMAL

» موقع مدرسة النهضة بوجدور
الثلاثاء 22 مارس 2011, 4:08 pm من طرف JAMAL

» دعاء مستجاب إنشاء الله
الثلاثاء 22 مارس 2011, 12:48 pm من طرف JAMAL

المواضيع الأخيرة
» ما هو الكوتيزون ؟
الثلاثاء 11 سبتمبر 2012, 3:24 am من طرف أبوعمر

» الإنسان كلٌ واحد: رؤية تكاملية للمنهج
السبت 04 أغسطس 2012, 11:57 am من طرف سعاد

» كيفية التعامل مع المراهقين
السبت 04 أغسطس 2012, 9:57 am من طرف سعاد

» كيف نتعامل مع الطفل العصبي ؟
السبت 04 أغسطس 2012, 9:50 am من طرف سعاد

» دروس في مادة الرياضيات
الجمعة 24 فبراير 2012, 12:01 pm من طرف islam fajr

» مصوغات برنامج التكوين جيني مساهمة الأستاذ hssini
الجمعة 13 مايو 2011, 9:55 am من طرف naimamz

» إنجازات عمر بن الخطاب الحضارية رضي الله عنه (نقلا عن موقع ينابيع التربوية )
الثلاثاء 22 مارس 2011, 4:51 pm من طرف JAMAL

» موقع مدرسة النهضة بوجدور
الثلاثاء 22 مارس 2011, 4:08 pm من طرف JAMAL

» دعاء مستجاب إنشاء الله
الثلاثاء 22 مارس 2011, 12:48 pm من طرف JAMAL

ازرار التصفُّح
 البوابة
 الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 بحـث
ازرار التصفُّح
 البوابة
 الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 بحـث
منتدى
منتدى
التبادل الاعلاني
التبادل الاعلاني

شاطر | 
 

 الشــــــعر الموريتاني الحديث مـــن 1970--- إلــى 1995دراسة نقدية تحليلية تأليف د. مباركه بنت البراء (باته) الفصل 5

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
واد نون



عدد المساهمات : 11
تاريخ التسجيل : 16/12/2010

مُساهمةموضوع: الشــــــعر الموريتاني الحديث مـــن 1970--- إلــى 1995دراسة نقدية تحليلية تأليف د. مباركه بنت البراء (باته) الفصل 5   الأحد 30 يناير 2011, 4:47 am

الفصــــــــل الخامــــــــس
البنيـــــــة التركيبـيـــــة

التركيب في المدونة:
حاولنا في الفصول السابقة الحديث عن المتن الشعري في جزئياته الصوتية والصرفية والإيقاعية، وذلك من خلال البنيتين الإيقاعية والمعجمية، أما الآن فسنحاول أن نتجاوز مستوى الأصوات والمفردات إلى دراسة البنيات الأساسية للنص وذلك من خلال التراكيب النحوية والبلاغية.
"فالشعر بنية ذات عناصر متضافرة (أصوات، ومعجم، وتركيب، ودلالة)"( ) والدراسة الصوتية أو المعجمية أو الإيقاعية لوحدها تسيء إلى النص الشعري لأنها تفصل الألفاظ عن سياقها التركيبي، أي عما قبلها وما بعدها.
وإذا كان المستوى النحوي يرصد من خلال الجمل فإن المستوى البلاغي أو الصورة الفنية تظهر كذلك من خلال الجمل مما يجعل الفصل بينهما أمراً صعباً وهي حقيقة تفطن إليها عبد القاهر الجرجاني وطرح نظريته الشهيرة في النظم حين يقول: "ومن البين الجلي أن التباين في هذه الفضيلة (البيان) والتباعد عنها إلى ما ينافيها من الرذيلة ليس بمجرد اللفظ كيف والألفاظ لا تفيد حتى تؤلف ضرباً خاصاً من التأليف، ويعمد بها إلى وجه دون وجه من التركيب والترتيب، فلو أنك عمدت إلى بيت شعر أو فصل نثر فعددت كلماته عدا كيفما جاء واتفق، وأبطلت نضده ونظامه الذي عليه بني، وفيه أفرغ المعنى وأجري، وغيرت ترتيبه الذي بخصوصيته أفاد وبنسقه المخصوص أبان المراد.. أخرجته من كمال البيان إلى مجال الهذيان"( ).
غير أن هذا الفصل الذي سنقوم به بين المستويين النحوي والبلاغي لا يتعدى كونه إجراء منهجياً نتعدى من خلاله الوقوف عند الاستقلال والإفادة في الجملة إلى دراسة القيمة الفنية للاختيار والتصرف النحويين داخل هذه البينات الأساسية الكبرى للجمل من أجل إقامة الصورة الفنية أهم مميز للشعر.
وسنحاول أن ننظر إلى هذين المستويين نظرة وصفية بنيوية تعتمد إبراز السمات النحوية والبلاغية المهيمنة ثم نشفع الإحصاء بقراءة تأويلية لما توصلنا إليه، وسنبدأ بالتركيب النحوي أولاً ثم نشفعه بالتركيب البلاغي.
آليات التركيب النحوي:
عندما نتحدث عن التركيب النحوي فإننا نعني بذلك دراسة الجمل أي الوحدات المفيدة الصغرى للكلام، وقد اختلف النحاة العرب في تحديد مفهوم الجملة، فمنهم من يجعلها رديفة الكلام ويشترط فيها الإفادة في حين يعتبرها البعض أعم من الكلام ويتفقون على أن لها ركنين مسنداً ومسنداً إليه( )، يقول ابن هشام في المغني: "الكلام هو القول المفيد بالقصد والمراد بالمفيد مادل على معنى يحسن السكوت عليه والجملة عبارة عن الفعل وفاعله كقام زيد "والمبتدأ وخبره "كزيد قائم" وماكان بمنزلة أحدهما"( ) ولا نريد أن نتعرض في هذا المقام للتحديدات المختلفة للجملة والكلام وإنما نحدد ما أردنا التعامل معه في هذا المقام من التراكيب وهو الجملة ونتبنى تعريف عبد القادر لمهيري لها: "بأنها أدنى حد من الكلام يفيد السامع المعنى المقصود"( ).
وتأتي الجملة في المرحلة الثالثة من نظم الكلام حيث تؤلف بين المفردات في شكل منتظم يعطي معنى تاماً.
وعملية التأليف هذه تنتظمها رتب تختلف في اللغة الواحدة وتختلف من لغة إلى لغة أحياناً إلا أن تغيرات الرتبة في اللغة الواحدة أوفى في اللغات المختلفة ليست اعتباطية أو غير محددة، بل هناك مايدل على وجود قيود على رتب المكونات الكبرى داخل الجمل (من فعل وفاعل ومفعول) أو رتب مكونات أصغر داخل المركبات الإسمية أو الحرفية أو الفعلية.( )
إن دراسة التركيب النحوي للنصوص تقوم إذن على وصف القواعد البنيوية التي تخضع لها جملة، محاولة رصد القواعد التحويلية التي تتحكم فيها، ومن هذا المنطلق سنقوم بدراسة الجمل من حيث بنيتها على امتداد المدونة وسنخضعها للتحليل بهدف إبراز الثوابت والتحويلات التي خضع لها التركيب النحوي للمتن الشعري خلال الفترة المذكورة (1970-1987) فالبنية النحوية للنص (إلى جانب البنيات السابقة) تقوم بوظائف تكميلية داخل النص الشعري.
لا يستطيع الشاعر أن يغير معايير التنظيم النحوي، لكن هذا لا يعني أن البنية النحوية بنية محايدة ليس لها دور في الأداء الفني، إن التلاقي يتم على افتراض الدلالة العامة لكل عناصر التدليل في النص الفني، لهذا يميل المتلقي إلى اعتبار كل عناصر العمل الفني، وليدة ممارسة يتعمدها الشاعر مادام يضع نصب عينيه توجهاً محدداً.
لهذا فالبنية النحوية إلى جانب البنيات السابقة تقوم بوظائف تكميلية داخل النص الشعري، والبنية النحوية حسب "يوري لوتمان" عنصر مهم في الدراسة النصية كما أن للتكرار النحوي في نظره دلالة مزدوجة:
أولاً : بالتنظيم المحسوس المكمل للنص وذلك من خلال إقامة القوالب وإدراج المواقع النحوية المتعادلة والمتناقضة.
ثانياً : باستخلاص العناصر النحوية المحددة للنص والتي تثير الانتباه( ).
وسنشرع بدراسة التركيب النحوي بإقامة مجموعة من الجداول التصنيفية والإحصائية للمدونة ثم نقوم بتحليل لأهم الظواهر التركيبية المشتركة فيها كما يمكن أن نقف عند بعض الظواهر الأسلوبية في المدونة سواء كانت مشتركة لدى بعض الشعراء أو هي تميز شاعراً عن آخر علماً بأن لكل أسلوبه الخاص في الكتابة.
1- بنية الجمل. أ) أنواع الجمل:
يصنف النحاة العرب الجمل إلى نوعين، جملة فعلية وهي التي يتصدرها الفعل، وجملة اسمية وهي التي يتصدرها الاسم، ومنهم من يزيد الظرفية أو الشرطية( ). فالأسمية هي التي صدرها اسم، كزيد قائم، وهيهات العقيق...، والفعلية هي التي صدرها فعل كقام زيد وضرب اللص، وكان زيد قائماً، والظرفية هي المصدرة بظرف أو مجرور نحو أعندك زيد وأفي الدار زيد؟( ) "غير أن هذا التصنيف بحسب تصدر الفعل أو الاسم يظهر مغرياً لبساطته، وهذا ماجعل ابن هشام نفسه يطرح التصنيف المتبع الآن حيث يقول: "والمعتبر أيضاً ماهو صدر في الأصل. فالجملة من نحو كيف جاء زيد "ومن نحو فأي آيات الله تنكرون وفريقاً كذبتم وفريقاً تقتلون" فعلية لأن هذه الأسماء في نية التأخير( ).
إن هذا الاعتبار لما هو أصل حمل النحاة المحدثين إلى الإبقاء على التصنيف الثنائي للجملة مع تحديد البنية، فمن المعلوم أن المعتبر في الجملة ركناها وهما المسند والمسند إليه: الفعل وفاعله أو المبتدأ وخبره، ومن هذا المنطلق عرفوا الجملة الفعلية بأنها التي كان أحد ركنيها فعلاً أما الجملة الإسمية فهي التي خلت من الفعل.
ويقترح تمام حسان إضافة نوع ثالث من الجمل وهو الجملة الوصفية التي تتصدرها صفة من صفات الفاعل أو المفعول أو المبالغة أو التفضيل أو الصفة المشبهة والعلم على وزن اسم فاعل والمصدر(1)، والملاحظ أن الدراسات الخاصة بالنحو العربي تنطلق من أن الجملة العربية في الأصل جملة فعلية وهذا مايؤكده الأستاذ عبد القادر الفاسي الفهري:"والعربية يرد فيها الاسم رأساً في المركب الاسمي والحرف رأساً في صدر المركب الحرفي والصفة رأساً في صدر المركب الوصفي.. فإذا عممنا هذا المبدأ ليشمل الجملة (على اعتبار أن الفعل رأس الجملة) أمكن أن نقول: إن الفعل في صدر الجملة هو أصل الرتبة"( ) فالجملة الفعلية حسب هذا التصور أصل، والجملة الأخرى تحويلات لهذا الأصل، تحويلات تتحكم فيها عدة مقتضيات نحوية وبلاغية ونفسية وتواصلية: فالجملة: رحلنا كما كان أجدادنا يرحلون.( ) جواب على السؤال ماذا حدث؟
والجملة: جيوش الظرابين تعدو جنوباً( ) جواب على السؤال من؟الماهية.
والجملة مرنمة رحلنا رحلنا( ) جواب على السؤال كيف؟ الكيفية.
ونذكر من جديد أننا لسنا بصدد الحديث عن بنية أو بنيات الجملة العربية ولا البحث في الأصلي والفرعي منها بقدر مانريد توظيف هذه التصنيفات النحوية للجملة بهدف وصف بنيتها وإبراز التحويلات النحوية التي حصلت في المراحل المختلفة لهذه المدونة، ولذلك ارتأينا ألا نجتزئ منها بل أن ندرسها جملة وإن كنا نعرف أن من بين الشعراء من لم نعثر له إلا على نص واحد في حين تتعدد النصوص لدى البعض الآخر.
وسنبدأ بوضع الجداول الإحصائية للجمل ونعتبر الجملة الواحدة وإن تعددت فيها الجمل التوابع:
إحصائية الجمل في المدونة:
النصوص المرحلة الأولى المرحلة الثانية المرحلة الثالثة
الجمل محمد إشدو فاضل أحمد محمد الحافظ أحمد أحمد ناجي مباركة إبراهيم محمد عبدي عبد الله عمار
الجملة الفعلية 64 17 56 28 67 102 176 119 377 208 51
الجملة الإسمية 42 14 17 06 26 69 73 33 28 85 24
الجملة الوصفية 25 04 09 02 30 16 65 41 09 69 23
ملاحظة: يتعذر التدليل من المدونة على هذه الإحصائية لكثرة النماذج.
قراءة الجدول:
يظهر من قراءة الجدول أن الجملة الفعلية امتدت هيمنتها على الجملتين الإسمية والوصفية عبر المراحل الثلاث، وفي كل النماذج، كما جاءت الجملة الوصفية متقاصرة عن شأو الجملتين: الاسمية والفعلية بحيث أنها لاتكاد تظهر في بعض النماذج لا نستثني من هذا إلا المرحلة الثانية في شعر أحمد حيث نافست الجملة الوصفية الجملة الإسمية وسبقتها بمعدل بسيط.
ويمكن التأكد مما قلنا إذا وضعنا الجدول الآتي:
المراحل الجمل المرحلة الأولى المرحلة الثانية المرحلة الثالثة المجموع
الفعلية 137 95 693 925
الإسمية 73 32 316 421
الوصفية 38 32 223 293
هكذا نلاحظ أن عدد الجمل الفعلية (925) يكاد يأتي ضعف الجملة الاسمية (421) وتكاد الجمل الإسمية كذلك تأتي ضعف الجمل الوصفية (143) وفي هذا تأكيد لما ذهب إليه أغلب الدارسين عندما اعتبروا الجملة العربية جملة فعلية في الأصل.
وإذا انتقلنا إلى المقارنة التفصيلية وجدنا أن التقارب في النسبة بين الجملة الفعلية والإسمية يطبع المرحلة الأولى بينما لاتكاد تبرز الجملة الوصفية، كما تتراجع الجملة الإسمية تراجعاً ملحوظاً في المرحلة الثانية.
أما في المرحلة الثالثة فإن التقارب بين الجملة الإسمية والفعلية يأتي واضحاً وتُبقي الجملة الفعلية على موقعها المتميز. ويمكن إبراز هذه التحولات من خلال النسب المأثورة في الجدول التالي:

النسب المائوية لورود الجمل في المدونة:
المراحل المرحلة الأولى المرحلة الثانية المرحلة الثالثة المجموع
الجمل
الفعلية 55% 59% 56% 55%
الاسمية 29% 20% 25% 25%
الوصفية 15% 20% 18% 17%
يحق لنا أن نتساءل ماذا يمكن استخلاصه من هذا التحول؟
من المعروف لدى الدارسين أن بنية الجملة تخضع لتحولات عدة تجعل المتقدم متأخراً والمتأخر متقدماً وقد اعتبروا أن للتشويش على الرتبة انعكاسات دلالية وتدواولية( ).
وإذا كانت الوقائع أربعة أصناف: أعمال وأحداث، وأوضاع وحالات( )فإن مانستطيع استخلاصه من خلال التمييز بين الجمل الفعلية والجمل الإسمية هو أن الجمل الفعلية تكرس الأعمال والأحداث، في حين أن الجمل الإسمية تكرس الأوضاع والحالات، لهذا نفسر الإرتفاع التدريجي لنسبة الجمل الفعلية والتراجع الواضح لنسبة الجمل الإسمية على امتداد المراحل الثلاث على أنه يجعل هيمنة الأعمال والأحداث على الأوضاع والحالات تزداد قوة ووضوحاً ذلك أن الجمل الإسمية لا تشتمل على معنى الزمن فهي تصف المسند إليه بالمسند ولا تشير إلى حدث ولا إلى زمن وإذا أردنا أن نضيف عنصراً زمنياً طارئاً إلى معنى هذه الجملة جئنا بالأدوات المنقولة عن الأفعال وهي الأفعال الناسخة فأدخلناها على الجملة الإسمية فيصبح وصف المسند إليه بالمسند منظوراً إليه من وجهة نظر زمنية معينة( ).
وبعد هذا التصنيف سننظر في المعنى السياقي الكلي لهذه الجمل في المتن ومدى انسجامها مع الحالة النفسية والاجتماعية للشاعر وعصره وسنتبين ذلك من خلال بعض النماذج:
نموذج رقم أ:
"قصيدة ياسيدي الهمام" لفاضل
ياسيدي الهمام
إنا هنا مواطنون
وهذه بلادنا
من ألف قرن قبلك وألف عام
كنا هنا
حياتنا ملك لنا، وأرضنا ملك لنا وزرقنا
ملك لنا ، فأيكم أب لنا وأيكم لنا إله؟
فلترحلوا ياسيدي...
ولترحلوا
من فوقنا وتحتنا
فنحن وحدنا في أرضنا مخلدون
يتضح من قراءة أولى للنص أنه نص ثوري ومقاوم في نفس الوقت وتبرز في هذا المقطع حركتان حركة إلى الاتصال، وحركة إلى الإنفصال، وقد ترجمت الجمل بوعي أو بدون وعي هاتين الحركتين ترجمة تنسجم مع المعنى النحوي للجملة، فإذا كانت الجملة الإسمية تفيد الاستقرار والسكون والتجذر في الحيز الفضائي فإن الجملة الأصلية على النقيض منها تفيد الحركية والتحول في الحيز الفضائي ومادام الشاعر يريد أن يثبت المواطن عبر المكان "الأرض" ويجعله باقياً مخلداً فيها فإنه لجأ إلى الجملة الإسمية ليحملها كل معاني الاستقرار والثبات (إنا هنا مواطنون -وهذه بلادنا- حياتنا ملك لنا- وأرضنا ملك لنا- وزرقنا ملك لنا) وبالمقابل ترجمت الجملة الفعلية الأمرية الرحلة واللاثبات التي أرادها الشاعر من المستعمر (فلترحلوا -ولترحلوا) وتأتي الجملة الإسمية المؤكدة (فنحن وحدنا في أرضنا مخلدون) بعد الجملة الفعلية الأمرية لتؤكد أن النص يقوم على حركتين حركة لاجتياز المكان تترجمها الجمل الفعلية وحركة للتشبث بالمكان تقابل الأولى وتترجمها الجمل الإسمية ويمكن أن نضع لهما الرسم التالي:

الموجه الشاعر

الموجه ج إسمية ج فعلية


الموجه إليه مواطن مستعمر


الهدف استقرار تحول
نموذج رقم 2:
لأحمد من قصيدة الكوابيس( ):
وشاهدت أعشاش بيض الحمام
تطاير فوق ظهور الظرابين.
وتمضي جنوباً جنوباً
وأفراخه مزع هشة
تلاعبها الريح...
تلقفها
تعلمها حكمة
أن تطير بغير جناح،
ونادى مناد يولول
أن العفاريت
ثارت عواصمها
في صحارى المريه
وأن السعالي صبغن الوجوه
وحلينها مساحيق عام الرماده
ويرقصن يطربن يغزلن
إيقاع جعجعة
والرحى
يدورها مارد أغلف
يعد رغيفاً
ليأجوج ماجوج
حامت على السد
وأخلت كهوف الهبا للهبا
وطارت إلينا
وطارت كهوف
أصداؤها
تسابيح تطعم أسماعنا
رسالة طسم
ورؤيا جديس
ننظر في هذا المقطع فنجد أننا أمام مشهد حركي متحول تتواتر فيه المشاهد وتتزاحم بتزاحم الأفعال في النص، والمعنى الجملي للنص يتحدث عن تحول مريع وسريع في عالم الشاعر وهو تحول من السيء إلى الأسوء، ترجمته الأفعال كأوضح مايكون وكأفصح ما يكون (شاهدت- تطاير- تمضي- تلاعب- تلقف- تعلم- تطير- نادى- يولول- ثارت- صبغن يرقصن- يطربن- يغزلن- يدور- يعد- حامت- أخلت- طارت....).
فالأفعال تحتل أكثر من ثلث المفردات في المقطع والجملة الإسمية في هذا المشهد غائبة حيث لا أثر للاستقرار ولا حتى للرتابة التي يمكن أن تعبر عنها.
وخلاصة القول أنه يبدو جلياً من التراكم الكمي للأفعال في النصوص أن البنية التي ابتعثتها ونتجت عنها بنية حركية تحولية في الأساس وهذا الحكم يدفعنا إلى إيلاء الأزمنة والضمائر في النصوص أهمية خاصة لنستجلي أكثر خصائص هذه المدونة.
نظام الأزمنة في المدونة:
يميز تمام حسان بين مفهومين للزمن: الزمن الصرفي والزمن النحوي:
"إن الزمن الصرفي وظيفة الصيغة وإن الزمن النحوي وظيفة السياق"( ) ويؤكد هذا الاستشهاد أنه لايمكن الاعتماد على الصيغة وحدها في تحديد الزمن، فإذا كانت الصيغة "فعل" تحيل على الماضي ويفعل وأفعل تحيلان على الحاضر والمستقبل فإن النظام السياقي للجمل قد يغير من الدلالة الزمنية لهذه الصيغ ويبدل المواقع بينها، فيأتي المضارع مثلاً بمعنى الماضي إذا أدخلت عليه أداة النفي "لم" كما أن الماضي قد يصبح حاضراً بحكم السياق الذي يرد فيه، كدخول أداة الشرط عليه مثلاً وهذا ماحدا بنا إلى مراعاة المتطلبات السياقية ومؤشراتها عند تصنيف الأزمنة في المدونة وأبرز هذه المؤشرات السياقية التي راعينا أن:
( لن والسين وسوف وقد ولو ولما وألا وهل وإن) تنقل المضارع إلى المستقبل.
(وأن: لما ولم) تنقل الفعل المضارع إلى الماضي.
وأن: (الشرط والطلب بمختلف أنواعه: النداء، التمني، التحضيض، العرض، النهي، والأمر) تحيل على المستقبل رغم إفادتها الحال والاستقبال في بعض الأحيان.
وقد أخضعنا النماذج المختارة للإحصاء، لهذه المعطيات وراعينا نوعاً من التوازن في الاختيار فتتبعنا المراحل الثلاث للمدونة وأخذنا منها نموذجاً لكل شاعر، وهنا ننبه إلى أن هناك شاعراً وهو أحمد بن عبد القادر عايش هذه المراحل الثلاث، فأخذنا له ثلاثة نماذج تمثل كل منها حقبة في مسيرته الشعرية.
جدول الأزمنة:
النصوص المرحلة الأولى المرحلة الثانية المرحلة الثالثة
الأزمنة فاضل إشدو أحمد محمد الحافظ أحمد أحمد ناجي عبد الله مباركة محمد عبدي إبراهيم
الماضي 9 9 1 28 8 4 8 13 8
الحاضر 10 36 19 6 53 65 30 32 28 60 21
المستقبل 15 11 32 11 14 5 5 10 10
يتبين من قراءة الجدول أن الزمن الحاضر كان بؤرة التوتر على امتداد المدونة باستثناء بسيط لدى شاعر واحد هو محمد الحافظ ولد أحمد.
أما المستقبل والماضي فيحتلان الدرجة الثانية والثالثة تباعاً، ويتضح ذلك إذا نظرنا إلى النماذج ككل وقمنا بتلخيص الجدول لنعرف المجموع العام لكل مرحلة والنسبة المائوية العامة لكل زمن على اختلاف المراحل:
الأزمنة المراحل المرحلة الأولى المرحلة الثانية المرحلة الثالثة المجموع
الماضي 18 29 41 88
الحاضر 65 59 236 360
المستقبل 26 43 44 113
وبذا نحصل على النسب المائوية التالية:
الأزمنة المراحل المرحلة الأولى المرحلة الثانية المرحلة الثالثة المجموع
الماضي 16% 22% 12% 16%
الحاضر 60% 45% 73% 60%
المستقبل 23% 32% 13% 22%
ومن قراءة الجدول تتهيأ لنا الملاحظات التالية:
- الزمن المهيمن في المرحلة الأولى هو الحاضر 60% يأتي بعده المستقبل 23% بينما لا تتجاوز نسبة الماضي 16%.
- في المرحلة الثانية يتأكد المسار الخطي للأزمنة فيحافظ الحاضر على المرتبة الأولى 45% ويشغل المستقبل الرتبة الثانية 32% ويبقى الماضي في الرتبة الثالثة بنسبة 22%.
- وتعضد المرحلة الثالثة مسار الأزمنة في المرحلتين السابقتين فيشغل الحاضر أعلى نسبة 73% ويأتي المستقبل 13% ثم يأتي الماضي بنسبة 12%.
وإذا انتقلنا من الترقيم إلى التأويل أمكننا القول إن سيطرة الزمن الحاضر في قصائد المدونة تجعل من التجربة تجربة واقعية مثقلة بهمومها لا تكاد تخرج عنها إلا قليلاً ويأتي الماضي في المدونة امتداداً للحاضر إن رفضا له أو تأسياً به أو تعويضاً، نشهد ذلك من خلال نموذجين "لفاضل" و"مباركة":
نموذج 1:
ياسيدي الهمام( ):
بطوننا تقلصت
عظامنا تكلست
أقدامنا تقعرت
وأرضنا قد أجدبت وأقفرت
من الثياب والنعال والطعام
ياسيدي
عيوننا
يملؤها الضباب والسراب
يملؤها التراب والهباب
يمضغها الذباب...

نموذج 2:
انتظار( )
تنمو أحاديث عن الأيام والماضي الدفين
أطياف آلاف الرؤى
تنثال في سكون
يختلط الثغاء بالخوار بالحنين
موال أمداح النبي يتعالى في الدجون
شاي.. أحاديث شجون
والنار ترعى في الهدوء حطباً جزلاً رصين
رباه عالم بماكان وكل مايكون.
فمن خلال النموذجين نتبين أن الماضي بتقاليده وعاداته البالية يحاصر الشاعر واقعاً فلا يجد مناصاً من المجاهرة بأخطار ذلك الماضي وماحمله من أوزار، إلا أن هذا الماضي قد يحمل في طياته أحياناً وجهاً مشرقاً يستحضره الشاعر مهرباً من واقعه كمايظهر من خلال النموذج الثاني، حيث تضيق "الأم" بواقعها: بزحمة المدينة، وأزيز الشاحنات وانتظار الإسعافات التي لن تأتي، فتتداعى إلى ذهنها صور من الماضي الريفي المشرق بدعته وسكونه ويأتي السياق في النص مترجماً ذلك.
أما الزمن المستقبل فقد عبر في المرحلتين الأولى والثانية عن الأمل الذي يتعلق به الشاعر للخروج من واقعة فهو "الصباح الذي سيبتسم" في قصائد محمد بن إشدو وهو "الفجر المنتظر" عند أحمد، إلا أن هذا الأمل ينحسر في المرحلة الثالثة يصبح امتداد للغربة والضياع في الزمن الحاضر، نعاين ذلك من خلال نموذجين لشاعر واحد وليكن أحمد بن عبد القادر ولنقارن بينهما لتأكيد ماذهبنا إليه:
نموذج 1:
من قصيدة نشيد العمال( ):
لقد حرق الحقد أكبادنا
وتاقت إلى العدل آمالنا
ففي كل قلب تثور الدماء
وفي كل نفس يفيض الضرام
ستقتحم الشوك أقدامنا
ونهدم عرش الطغاة اللئام.
نموذج 2:
من قصيدة السفين( ):
- وداعاً مرابعنا
وداعاً شواطئنا
هل يعود السفين
والبحر؟
أم يسكنان
ما أنا أدري
ولا الأهل يدرون
ماذا يسجله
غدهم
وماذا سيرجعه
أمسهم
وحاضرنا رحلة للبقاء
في دروب الفناء
مع الزمن الهارب
من أصله
على طبق
من صحون الرياح
ومما سلف نتبين أن الزمن الحاضر كان المهيمن في المدونة لانشغال الشاعر بذاته وواقعه الذي لا يكاد يخرج عنه إلا ليرجع إليه من خلال الأزمنة الأخرى التي ظل يتحرك في فضائها تحركاً مأزوماً.
فهل يمكن أن نقول: إن العزوف عن حركة الماضي لدى الشاعر الموريتاني في هذه الحقبة كان ابتعاداً من النموذج الشعري الكلاسيكي الذي شغله زمناً والذي ظل الماضي فيه دوماً وكما هو معلوم جنة الشاعر التي يحن إليها؟؟
سؤال يتطلب من التثبت والمقارنة مالا يتسع له المقام في هذا البحث، غير أن الأزمنة بمختلفها لايمكن أن نتحدث عنها في الجملة ونغض الطرف عن الضمائر فيها وهي الأصوات المعبرة عن حركة النص وصيرورته( ).
نظام الضمائر:
تنقسم الضمائر في العربية إلى ثلاثة أنواع ضمائر شخصية (أنا-أنت- هو) وموصولية (الذي-التي....) وإشارية (هذا -ذاك...)( ) وسنقتصر منها على الضمائر الشخصية لأنها أوثق صلة بالتركيب النحوي، وبموضوع دراستنا (الأفعال) وسنتبنى من الأسس الكثيرة للتمييز بين الضمائر؛ التكلم والخطاب والغيبة إفراداً وجمعاً للتصنيف على امتداد المراحل الثلاث.
ومن الجدول الإحصائي التالي نتبين الضمائر في مدونتنا عبر المراحل المختلفة:
النصوص المرحلة الأولى المرحلة الثانية المرحلة الثالثة
الضمائر فاضل إشدو أحمد محمد الحافظ أحمد أحمد ناجي عبد الله مباركة إبراهيم محمد عبدي
متكلم مفرد 00 00 00 17 00 10 00 02 00 05 16
متكلم جمع 05 00 28 00 00 10 08 00 00 00 03
مخاطب مفرد 02 01 00 03 00 02 00 04 00 05 01
مخاطب جمع 02 11 01 00 06 01 15 00 00 01 06
غائب مفرد 11 16 10 18 60 57 20 39 32 28 51
غائب جمع 00 23 00 01 26 08 01 00 01 00 06
وسنرى من خلال هذه الإحصائية تردد ضمائر الحضور والغياب في كل مرحلة ثم مجموع هذا التردد في مختلف النماذج:
المراحل المرحلة الأولى المرحلة الثانية المرحلة الثالثة المجموع
الضمائر
متكلم مفرد 00 17 33 50
متكلم جمع 33 00 21 54
المجموع 33 17 54 104
مخاطب مفرد 03 03 12 18
مخاطب جمع 15 06 13 34
المجموع 18 09 25 52
غائب مفرد 37 78 227 362
غائب جمع 23 27 16 66
المجموع 60 105 243 408
قراءة الجدول:
يتهيأ من قراءة الجدول الملاحظات التالية:
- إن ضمائر الغيبة ظلت حاضرة في المدونة ومهيمنة في شتى المراحل بل ومتنامية في كل مرحلة: مرحلة أولى (60)، مرحلة ثانية: (105)، ومرحلة ثالثة: (248)، أما ضمائر الحضور فقد تفاوتت في بروزها حيث شغل المتكلم ضعف المخاطب تقريباً: المتكلم (104)، المخاطب: (54)، لكن المثير للانتباه حقاً هو الاعتماد شبه المطلق على ضمائر الإفراد:(272)، بينما لا تتجاوز ضمائر الجمع (50) ضميراً.
وإذا عدينا إلى استخلاص السمات المميزة لكل مرحلة من المراحل الثلاث فسنتبين بسهولة:
- أن المتكلم المفرد والمخاطب ظلا حيين في المرحلة الأولى وأخذا منذ المرحلة الثانية في شغل المرحلتين الثانية والثالثة وظل المخاطب المفرد في المرتبة الثالثة:
- كما أن المتكلم الجمع والمخاطب قد انحسرا في المرحلة الثالثة وبرزا بهدوء في المرحلة الثالثة.
- أما المفرد الغائب فقد احتل المرتبة الأولى بالنسبة لجميع الضمائر بما في ذلك الغائب الجمع حيث شغل الأول (342) ضميراً في المراحل الثلاث في حين لم يتعد الغائب الجمع (66) ضميراً.
ولو قمنا بمحاولة للتركيب بين جداول الأزمنة والضمائر لتوصلنا إلى النتائج التالية:
المرحلة الأولى:
-على مستوى الأزمنة: هيمنة الفعل الحاضر.
- على مستوى الضمائر: هيمنة ضمير الغائب.
المرحلة الثانية:
- على مستوى الأزمنة: هيمنة الفعل الحاضر مع تنامي المستقبل.
- على مستوى الضمائر: هيمنة ضمير الغائب.
المرحلة الثالثة:
- على مستوى الأزمنة: هيمنة الفعل الحاضر.
- على مستوى الضمائر: هيمنة ضمير الغائب.
ونلاحظ بوضوح تطابقاً بين المراحل الثلاث في نوع الفعل والضمير وهنا يتبادر إلى الذهن سؤال وجيه وهو:
كيف نبرز تباين المراحل التي تحدثنا عنها ونحن نجد النتيجة واحدة: (الزمن الحاضر+ ضمير الغائب).
ألأن المسار الفني للمدونة ظل تصاعدياً تنمي فيه كل مرحلة المرحلة اللاحقة عليها؟ للإجابة على هذا السؤال نقول إنه يمكن لقارئ المدونة التعرف بوضوح على هذه اللحظات الثلاث في المدونة وذلك من خلال توزيع الأزمنة والضمائر فيه وإذا كنا قد توصلنا إلى أن الزمن الحاضر ظل مهيمناً طوال المراحل الثلاث فما ذلك إلا لأن الحاضر هو مركز الزمن اللغوي وهذا الزمن له مركز مولد ومحوري معاً في حاضر استعمال الكلام وكل مرة يستعمل فيها متكلم الشكل النحوي للحاضر (أو الذي يقارنه)، بموضع الحدث كمعاصر لاستعمال الحديث الذي يبينه ومن الواضح أن هذاالحاضر بما هو وظيفة للحديث، لايمكن أن يؤطر داخل تقسيم خاص للزمن التاريخي لأنه يتضمنها جميعاً ولا يذكر بأية واحدة منها وهذا الحاضر يجدد ابتكاره كلما تكلم الإنسان، لأنه حرفياً، لحظة جديدة، غير معاشة بعد، وهذا مايجعل النص يختزن طاقته وتجربته القابلة للتجدد مع كل قراءة( ).
إن الحاضر في المدونة يشكل ثابتاً من ثوابتها غير أن الأزمنة الأخرى لاتقل أهمية حيث ترسم لنا مساحة الزمن التي يتحرك فيها الشاعر ويتفاعل معها، رغم أن الحاضر قد يستقل بذاته في بعض النصوص، غير أن النص لا يتألق ويسمو ويرتفع ليختزن نبض الإنسان إلا في قصائد الثمانينات عندما تتلاقى الأزمنة وتتقاطع، وتمتزج الضمائر وتتداخل الأساليب الإنشائية والخبرية: (أبو الفلاشا- هم الأهل) لناجي، (السفين- الكوابيس) لأحمد، (انتظار- القافلة) لمباركه.
وإذا كنا قد رصدنا هيمنة الحاضر وضمير الغائب من خلال الجدول، فإنه يمكن التدليل على اختلاف معناهما السياقي في كل مرحلة من المراحل:
فارتفاع نسبة ضمير المتكلم الجمع في قصائد المرحلة الأولى يأتي تلبية لرؤية الشاعر الثورية حيث يصدر الفعل دائماً عن الجماعة، غير أن هذا الضمير يتقلص في أواخر السبعينات ليظهر مكانه ضمير المتكلم المفرد وهي فترة عرفت نوعاً من الاستقرار السياسي والانسجام مع السلطة الحاكمة مما مكن الشاعر من مراجعة الذات والبحث عنها ومحاولة الاستقلال عن الآخرين فانتقلت القصيدة من مستواها التوجيهي إلى مستوى تأملي غنائي وهو منحى سيتعمق مع قصائد الثمانينات حيث تصبح الرؤية شمولية تنتقل من واقعها الذاتي المحلي لتلامس الواقع والهم القومي والإنساني العام، كماتتحول التفاؤلية المرتبطة بالمستقبل في قصائد المرحلة الأولى والثانية (سيبتسم الصباح، ونجسد الفجر الجديد وثورة الشعب البطل، ويكون بعد الفجر ثم لنا لقاء)، تتحول هذه التفاؤلية المرتبطة بالفعل والإرادة إلى مجال دلالي تحكمه الهزيمة المادية والمعنوية من خلال الفعل المنبثق من التجربة الذي يتسع ليهيمن على جميع الحقول الدلالية في قصائد الثمانينات، بل إن الزمن في قصائد مثل "انتظار" لمباركه و"السفين" لأحمد، و"مدينة الكلاب" لمحمد عبدي تُلْغى حدوده الوهمية السياقية ويصبح مجرد حركة طقوسية دورية.

جوانب أسلوبية في المدونة:
حاولنا في ماسبق من قول التعرف على أهم الظواهر الأسلوبية في المدونة جملاً وضمائر وأزمنة ويبقى علينا الآن أن ننظر في صياغة الجملة ومدى التصرف الذي عرفته في المدونة، ثم نشير إلى المميزات الأسلوبية لكل شاعر وإن كانت ملفتة، وطبيعي أن يكون لكل شاعر صياغته الخاصة واختياراته التركيبية وتصرفاته المعجمية كيف لا والأسلوب هو الإنسان نفسه.
في قصائد المرحلة الأولى لا تكاد الجمل تتجاوز بنيتها الأصلية دون عدول عن التركيب المألوف، ويسود هذا في قصائد "أطفالنا يتساءلون" و"ياموطني" و"لمن المستقبل؟" لمحمد بن إشدو، و"ياسيدي الهمام" لفاضل، و"نشيد العمال" لأحمد، وتحترم الجمل في هذه القصائد أغلب الأحيان الترتيب النحوي المعروف للجملة،هذا مع بساطة في اختيار المعجم وهيمنة للأسلوب الخبري التقريري والتكرار والعطف:
نموذج 1:
لمحمد بن إشدو
القمع يعكس خوفهم
من قوة الشعب المتين
القمع يعني أنهم ليسوا على الحق المبين
ويناقضون طبيعة التاريخ
يخفون السنين
ويقيدون تقدم الشعب
الذي لن يستكين
نموذج 2:
لفاضل بن الداه:
ياسيدي الهمام
إنا هنا مواطنون
وهذه بلادنا من ألف قرن قبلكم وألف عام
كنا هنا
بلادنا ملك لنا
وأرضنا ملك لنا
فأيكم أب لنا؟
وأيكم لنا إله؟
ويشيع في قصائد المرحلة الأولى الاستفهام الإنكاري والأمر والنداء من الأساليب الإنشائية غير أن استخدام الشعراء لها يأتي بسيطاً سطحياً لا يرقى على مستوى لغة التخاطب اليومي:
نموذج 1:
أطفالنا يتساءلون( ) لمحمد بن أشدو:
من أنتم حكامنا؟ من أين جئتم؟ ما الخبر؟
مادوركم؟ لا تنزلون على الأقل لنا المطر؟
مادوركم لا تصنعون على الأقل لنا إبر؟
نموذج 2:
نشيد العمال( ) لأحمد:
ضحايا الشقايا ضحايا الفساد
نهوضا لنمحو ظلم الفساد
ونقضي على البغي والعابثين
فماذا نقول وماذا نريد؟
نريد الحياة بلا ظالمين.
ويكمن هاجس الحوار المسرحي أو القصصي في قصائد هذه الفترة حيث تتعدد الأصوات في القصيدة ولكن فعل "القول" يأتي ممهداً للحوار كما في قصائد: (أطفالنا يتساءلون- نشيد العمال- ليلة عند الدرك.).
أما في قصائد المرحلة الثانية، فإننا نلاحظ أن الجمل تبدأ في الامتداد بسبب التوابع فيها، والجمل الاعتراضية بينها، واعتماد التركيب التلازمي أحياناً، فيحق لنا أن نتحدث ابتداء من هذه المرحلة عما أسماه تزيفطان تودوروف بوحدة الجمل (Prepositions) حين يقول: إن الجملة لا تشكل سلاسل لا نهائية، بل إنها تنتظم في الدورات التي يتعرف عليها القارئ حدسيا( ).
ويحدد "محمد بنيس" المتتالية بأنها "وحدة لغوية متجانسة نحوياً ودلالياً داخل النص الشعري، وقد تشمل بيتاً أو مقطعاً أو نصاً بكامله"( ).
ولنقرأ هذا المقطع من قصيدة أحمد "المجد للإنسان"، لنرى كيف بدأت الجمل ابتداء من المرحلة الثانية تنتظم مقطعاً كاملاً وهو ماسيستشري عند شعراء الثمانينات خاصة عند الشاعر ذاته وعند ناجي الإمام، وعبد الله عمار.
نموذج 3:
"المجد للإنسان" لأحمد بن عبد القادر
من بين أضرحة الجبال السود
يمضغها اللهيب،
من أضلع الغابات يحرقها اللظى
حرقاً وينفثها هباء أسودا،
ومن السهول الخضر تسلخ أرضها
نار الحروب
تشوي سنابلها القنابل والمدافع...
طلعت على الدنيا من الشرق البعيد
شمس الصباح وغرة اليوم الجديد
وهاجة الأنوار تعبث بالجليد
وتذيب أنياب الحديد
وتحرك الآمال في أمم العبيد( ).
وإذا طالعنا قصائد الثمانينات نجد أن الجملة أصبحت تشغل حيزاً فضائياً أوسع حيث أصبح النص الشعري مجموعة من المتتاليات المترابطة تحكمها علاقات وترابطات سياقية تجعل منها كلاً موحداً، أو جملة واحدة طويلة متجانسة كما يقول اكريماس"( )وسنتبين نماذج من هذه الجمل في نصوص من المدونة:
نموذج 1:
"الكوابيس"( ) لأحمد بن عبد القادر:
ونادى مناد يولول
أن العفاريت
ثارت عواصمها
في صحارى المريه
وأن السعالي صبغن الوجوه
وحلينها مساحيق عام الرماده
ويرقصن يطربن يغزلن
إيقاع جعجعة
والرحى
يدورها مارد أغلف
يعد رغيفاً
ليأجوج ماجوج
حامت على السد
وأخلت كهوف الهبا للهبا
وطارت إلينا
وطارت كهوف
أصداؤها
تسابيح تطعم أسماعنا
رسالة طسم ورؤيا جديس
نموذج 2:
أغنية "سنابك خيل"( ) لناجي:
ويركب موكبه الصافنات الجياد
إلام النفير؟

إلام الرحيل؟
أفي رمل بر القفار ملاذ
أفي زبد البحر ماء؟
أحيث رياح السموم يحن؟
أبرا وبحراً ولا ملتقى
"إفريقش" يعبر برا
ويحمل من مأرب موثقا
وتكشف عن ساقيها سبأ
فتذرو الأساطين صمتا
ويخضل وجه الزمان بها شبقا
وتعتبر قصائد أحمد وناجي من أطول القصائد جملاً حيث تظهر في أكثرها ظاهرة الجملة أو المتتالية "المقطع" وقد تحدثنا عن هذه الظاهرة باستفاضة في دراستنا البنية الإيقاعية عندما عرضنا لما أسميناه "الجملة الشعرية".
ولعل هذا التمدد في تركيب الجملة أسهم إلى حد ما في تفجير بنيتها في قصائد الثمانينات حيث تختفي الضمائر وتتداخل الأزمنة (ماض-حاضر-مستقبل)، وتتزاحم الأساليب (إنشاء -خبر) وتشيع الإنقطاعات والفصل بين الجمل.
ولعل بحث الشاعر في زحمة الأحداث عما يلبي إحساسه وضيقه بالنموذج القائم كان حاديه إلى ولوج هذه التجربة رغم ماعهد عن الشاعر الموريتاني من تمسك بتقاليد اللغة العربية ووفاء لشروط القصيدة الكلاسيكية.
وتشيع هذه الظواهر والانزياحات عند كل من: "أحمد" و"مباركه" و"ناجي" و"إبراهيم" و"عبد الله"، غير أن من أكثر هؤلاء تصرفاً في اللغة وخرقاً لأفق انتظار المتلقي الشاعر ناجي الإمام، حتى ليستحيل أحياناً على غير المتمعن أن يدرك مرماه ويفهم مقصده.

وسنؤكد هذه الأحكام التي بادرنا إليها بنماذج من المدونة:

نموذج 1:
"كاريكاتير غديجه"( ) لعبد الله عمار.
ماذا؟
وأنت أيضاً يا غديجه
عبير والمغامرون الأربعة
ومصوره
ابلاتيني وشكربرت
ودوغا
أمثولة الرقص ولقط الانطباع
أعجوبة...
وسلم الأخضري
والموافقات؟
والقلم المذبوح
والدواة.
هكذا تبدأ القصيدة فجأة وبلا مقدمات بالاستفهام الإنكاري المبهم "ماذا" وتنتهي الجملة لتبدأ جملة استفهامية معطوفة ولا أثر للمعطوف عليه، ثم تنتهي ليواجهنا النص بسلسلة من المسليات الترفيهية والتثقيفية والدينية تمتزج فيها الخلاعة بالطهر والصون. والترفيه بالجد، يأتي هذا عن طريق التقابلات الحادة بين العالم المعاصر والحياة الموريتانية القديمة، وعلى الرغم من الانقطاعات الظاهرة بين الجمل واختزال الجمل أحياناً لحد الإبهام فإن الأسلوب بطريقة بنائه يأتي مركزاً ومحملاً بالكثير من الدلالات التي أراد الشاعر أن يصل إليها لا عن طريق المباشرة والتقريرية وإنما بواسطة تكثيف العبارات وبنينه الجمل بنينة ساعدت في إيصال الرسالة إلى المتلقي بشكل متوتر أخاذ.
أما ناجي فإن القصيدة لديه بجملها المتوترة المتقطعة تفقد في بعض النماذج كل ترابط وتسلسل منطقي مما يرغم القارئ على تجربة التروي والبحث لفهم المعنى المقصود، أو العدول والنكران جملة عن النص، وهذا الغموض
"إحدى العقبات" التي يعاني منها الشعر الحديث"( ).
نموذج 2: "التيه والبحر والذاكرة" لناجي
الرصاصة الوسطى في جيبي لا زالت
والأوسط الموقف -الشرق- لا زال
يحلبه الذل في كفه
هو الوسط الخوف لا زال
أجاج، إذن، وسط البحر؟
وطعم الأجاج كطعم الرصاص
الملح رصاص البحر
الفرح العشبي يسقيه رصاص اليم؟
ويحتلم النورس المرقسي
فيجلد خمساً على ظهره
ويجلد خمساً على القبل...
ويجلد بينهما مائة... ياسحاب
أسل وادي النبط
بل "كسروان".
بموج كليل
وليل كموج
إلى آخره.
تظهر الجمل في المقطع وكأن الروابط النحوية والتركيبية منعدمة بينها، فلكل جملة استقلالها التركيبي والمعنوي ظاهرياً: (الرصاصة الوسطى في جبيني لا زالت... طعم الأجاج كطعم الرصاص... ويحتلم النورس المرقسي) وتنقلنا الجملة من ضمير المتكلم فجأة إلى ضمير الغائب (الرصاصة الوسطى في جيبي... هو الوسط)، كما تتوالى الجملة الخبرية المثبتة المؤكدة والجملة الإنشائية الاستفهامية (هو الوسط الخوف لازال، أجاج إذن وسط البحر؟)، وننتقل من التتابع السردي الخبري إلى النداء (... ياسحاب أسل وادي النبط) وتنمو هذه الانقطاعات والمفاجآت بنمو النص.
وتتخذ قصيدته "حتى السنبلة شابت" نفس المسار، وهو مايوضح النقلة العتيدة في تجربة القصيدة الموريتانية الحديثة من مستوى الخطاب اليومي المسجل للحدث بمباشرة وتقريرية إلى مستوى الرؤية الشمولية الموحية بالحدث والمفجرة للتركيب اللغوي في سبيل ذلك، أي "تفجير الطاقات البكر للغة والاستفادة من عبقريتها( ) حيث تصبح اللغة محادثة رمزية للفكر ويبرز في تشكلاتها النحوية أنها تفعل ماتقول أي تترجم من خلال تفاعلاتها البنيوية الفكرة المقصودة وهو مايتجسد أوضح إذا ماعاينا بناء الصورة في هذه التراكيب النحوية إذ أن بين المستويين النحوي والبلاغي ترابطاً وتفاعلاً يجعل من الصعب الفصل بينهما خاصة وأنهما يتجسدان من خلال آلية واحدة هي التركيب.
فالشعر "عبارة عن نواة لغوية فكرية قلبت في صور مختلفة محكومة بعلاقات ضرورية ومتداعية"( )مما يؤكد تلاحم المستويين النحوي والبلاغي.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
الشــــــعر الموريتاني الحديث مـــن 1970--- إلــى 1995دراسة نقدية تحليلية تأليف د. مباركه بنت البراء (باته) الفصل 5
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1
 مواضيع مماثلة
-
» دليل استخراج الوثائق
» هرم نقابة الفنانين في سوريا من عام 1970 ولغاية 2009
» في مفهوم السيادة: البعدان الداخلي والخارجي احلام بيضون السيادة هي أحد مبادئ القانون الدولي (المادة الثانية من الفقرة الأولى من ميثاق الأمم المتحدة) وقد ارتدى مفهوم السيادة أهمية مزدوجة سياسية وقانونية ما جعل منه موضوع خلاف ونقاش حادين. ولكن رغم ذلك ف
» تاريخ الدراسات الإسماعيلية الفاطمية وما ألف حولها من مقالات

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى فريق جيني بوجدور :: منتدى دراسة الشعر-
انتقل الى: