منتدى فريق جيني بوجدور
شكرا على زيارتكم

منتدى فريق جيني بوجدور

التربية والتعليم
 
الرئيسيةالتسجيلدخول
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
» ما هو الكوتيزون ؟
الثلاثاء 11 سبتمبر 2012, 3:24 am من طرف أبوعمر

» الإنسان كلٌ واحد: رؤية تكاملية للمنهج
السبت 04 أغسطس 2012, 11:57 am من طرف سعاد

» كيفية التعامل مع المراهقين
السبت 04 أغسطس 2012, 9:57 am من طرف سعاد

» كيف نتعامل مع الطفل العصبي ؟
السبت 04 أغسطس 2012, 9:50 am من طرف سعاد

» دروس في مادة الرياضيات
الجمعة 24 فبراير 2012, 12:01 pm من طرف islam fajr

» مصوغات برنامج التكوين جيني مساهمة الأستاذ hssini
الجمعة 13 مايو 2011, 9:55 am من طرف naimamz

» إنجازات عمر بن الخطاب الحضارية رضي الله عنه (نقلا عن موقع ينابيع التربوية )
الثلاثاء 22 مارس 2011, 4:51 pm من طرف JAMAL

» موقع مدرسة النهضة بوجدور
الثلاثاء 22 مارس 2011, 4:08 pm من طرف JAMAL

» دعاء مستجاب إنشاء الله
الثلاثاء 22 مارس 2011, 12:48 pm من طرف JAMAL

المواضيع الأخيرة
» ما هو الكوتيزون ؟
الثلاثاء 11 سبتمبر 2012, 3:24 am من طرف أبوعمر

» الإنسان كلٌ واحد: رؤية تكاملية للمنهج
السبت 04 أغسطس 2012, 11:57 am من طرف سعاد

» كيفية التعامل مع المراهقين
السبت 04 أغسطس 2012, 9:57 am من طرف سعاد

» كيف نتعامل مع الطفل العصبي ؟
السبت 04 أغسطس 2012, 9:50 am من طرف سعاد

» دروس في مادة الرياضيات
الجمعة 24 فبراير 2012, 12:01 pm من طرف islam fajr

» مصوغات برنامج التكوين جيني مساهمة الأستاذ hssini
الجمعة 13 مايو 2011, 9:55 am من طرف naimamz

» إنجازات عمر بن الخطاب الحضارية رضي الله عنه (نقلا عن موقع ينابيع التربوية )
الثلاثاء 22 مارس 2011, 4:51 pm من طرف JAMAL

» موقع مدرسة النهضة بوجدور
الثلاثاء 22 مارس 2011, 4:08 pm من طرف JAMAL

» دعاء مستجاب إنشاء الله
الثلاثاء 22 مارس 2011, 12:48 pm من طرف JAMAL

ازرار التصفُّح
 البوابة
 الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 بحـث
ازرار التصفُّح
 البوابة
 الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 بحـث
منتدى
منتدى
التبادل الاعلاني
التبادل الاعلاني

شاطر | 
 

 الشــــــعر الموريتاني الحديث مـــن 1970--- إلــى 1995دراسة نقدية تحليلية تأليف د. مباركه بنت البراء (باته) الفصل 4

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
واد نون



عدد المساهمات : 11
تاريخ التسجيل : 16/12/2010

مُساهمةموضوع: الشــــــعر الموريتاني الحديث مـــن 1970--- إلــى 1995دراسة نقدية تحليلية تأليف د. مباركه بنت البراء (باته) الفصل 4   الأحد 30 يناير 2011, 4:45 am

الفصـــــــــل الــــرابــــع
البنيــــــة المعجميـــــة

تشكل دراسة المعجم مدخلاً أسلوبياً وطيماتيكيا أساسياً لدراسة النص الأدبي. فاللغة الشعرية ليست مجرد أداة يستخدمها الشاعر في نقل آثار التجربة إلى المتلقي وإنما هي خلق فني في حد ذاته، تتجاوز وظيفة الإبلاغ أو ما يسمى الوظيفة التواصلية إلى ما يسمى "فن الكلمة" إنها المادة الأولية للشعر هي منه "بمثابة الألوان من التصوير، والرخام من النحت، بل إن إمكانيات التعبير النحوي تفوق إمكانيات التعبير الشكلي"( ).
وما دامت اللغة هي المادة الأولية المبنية للنص الأدبي فإن أي دراسة نقدية تحليلية لهذا النص يجب أن تأخذ في الحسبان بنيات المعجم وحقوله الدلالية فالنص كما يقول تودوروف "يتحدد من الداخل، من خلال العلاقات الباطنية الموجودة بين الكلمات الصانعة والمبنية للعمل الأدبي، فالترابطات اللغوية هي السبيل إلى تحليل النص وممارسة قراءته"( ).
إن اللغة في الخطاب الأدبي تتميز بأنها تحدد الوظيفة الشعرية وتصبح هذه اللغة هدفاً في حد ذاتها "بوصفها بناء لعلاقات من الكلمات لا يهدف إلى شيء خارجه، ولا يحقق سوى الوعي بذاته لتصبح القصيدة فاعلية لغوية مستقلة( ).
ولنا أن نتساءل ما هي المبادئ والمقاييس التي تساعدنا في تحديد الطيمات الأساسية المهيمنة والتي تكتسي أهمية أكثر من غيرها وقدرة على الإحاطة بالمتن في شموليته وحركيته .

لقد حدد "جان بيير ريشار" ثلاثة مبادئ أساسية لا بد من مراعاتها وهيSad )
أ- مبدأ التكرار "فأينما كان التكرار فهو دليل على الهوس".
ب-مبدأ التواتر وهو مبدأ التعامل معه باحتياط لأنه مؤشر مساعد "لكنه ليس المقياس الوحيد الذي يمكن من استخلاص الطيمات المهيمنة لأنه ليس للتواتر دائماً قيمة دلالية، أو لا يدل دائماً على الأساسي، لذا فالقيمة الاستراتيجية والهندسية للطيمة أكثر أهمية".
ج- مبدأ الإجرائية: "إذا كان المبدآن السابقان يساعدان ويرشدان الباحث في محاولة تحديد الطيمة (الطيمات) المهيمنة فإن صلاحية الطيمة تتمثل في مدى إجرائيتها" لذا تتجلى الطيمة بوصفها العنصر الرابط -المحرك (Transitif) الذي يمكن من اختراق المساحة الداخلية للعمل الأدبي في اتجاهات متعددة أو بصفتها العنصر الممفصل الذي يتيح للعمل الأدبي التحرك في مجال دال، يقول اكريماس: فإحصاء تواتر المفردات يسمح لنا بحصر المفردات الهامة في النص ولكنه لا يتعدى هذه الفائدة، ولنقل أنه يسمح بالتحليل الذي نسميه بنيوياً بدءاً من هذه المفدرات الأكثر تواتراً، وهذا ما دفع "كوهن" إلى التركيز على "الكلمات المفاتيح" في النص معتبراً الوزن المعنوي للكلمة أساساً لتحديدها، حين يقول: "الكلمة المفتاح تتحدد بأهميتها، وأهميتها تكتسبها من خلال كونها الكلمة المفتاح، وهكذا لم نستطع أن نخرج من هذه الحلقة المفرغة، ثم عمدنا إلى معالجة الأمر من باب آخر وهو الوزن المعنوي للمفردات"( ).
وإذا كنا نساير "كوهن" في أهمية الكشف عن مراكز الثقل في النص الأدبي من خلال التعرف على كلماته المحورية، فإننا نعرف أن تحديد الوزن المعنوي للكلمة يخضع لمجموعة من المتغيرات التي يصعب ضبطها وتحديدها خصوصاً أن الكلمة الشعرية ملتبسة وتخضع لتعديلات وتوليفات قد تبتعد بها عن دلالتها المعجمية.
وتتجلى أهمية الحقل الدلالي وإجرائيته في دراسة مدونتنا إذا ما لاحظنا نسبة التكرار المرتفعة لبعض المفردات، والتواتر والحضور عبر المراحل، ثم قدرة بعض هذه الكلمات على الانشعاب والتكثيف عبر عمليات التحليل والتركيب.
وسنحاول رصد تجليات هذه الحقول الدلالية عبر الطيمات الواردة وتشكلاتها على مستوى المتن الشعري الذي حددنا سلفاً والذي يمتد عبر عقدين من الزمن.
عندما نستعرض هذا المتن يظهر لنا تمايز واضح على مستوى المعجم بين مختلف الفترات التاريخية التي امتدت عليها المدونة، بحيث تشيع في كل فترة من هذه الفترات مواضيع معينة "طيمات" ويظهر استمداد من قاموس معين.
ونتبنى حسب هذه القراءة التوزيع التالي للفترات الشعرية:
-الفترة الأولى وتمتد من سنة 1970 إلى سنة 1975
-الفترة الثانية وتمتد من سنة 1975 إلى سنة 1984
-الفترة الثالثة وتمتد من سنة 1984 إلى سنة 1988
وتبعاً لهذه الفترات البارزة في نمط تشكل كتابة النص الشعري الحديث يمكن أن نقسم الشعراء إلى ثلاثة أجيال حسب المراحل السالفة الذكر:
-الجيل الأول: محمد بن إشدو -أحمد بن عبد القادر- محمد فاضل بن الداه
-الجيل الثاني: أحمد بن عبد القادر- محمد الحافظ بن أحمد.
-الجيل الثالث: أحمد بن عبد القادر- ناجي الإمام- مباركه بنت البراء- محمد بن عبدي- إبراهيم بن عبد الله- محمد عبد الله بن عمار.
وواضح من هذا التصنيف أن الشاعر أحمد بن عبد القادر واكب نشأة هذا الاتجاه التحديثي في الشعر واستمر عطاؤه فيه عبر المراحل اللاحقة، كما نشير إلى أن هذا التصنيف تقريبي منهجي لا يمكن أن يغفل الخصوصية الفردية المميزة لكل شاعر خاصة وأن الشاعر الحديث يحاول جاهداً أن يخلق له معجمه الخاصة مثبتاً بذلك ذاته، غير أن دراسة المتن في مجمله تضطر الباحث إلى إبراز الخطوط المشتركة لدى الشعراء والبحث عن السمات الأسلوبية التي تجمع بينهم.
وبمراجعة المدونة نلاحظ أن قصائد المرحلة الأولى يطغى فيها المضمون السياسي والاجتماعي وهي بذلك تعكس مرحلة متأزمة أخذ فيها الصراع شكل انفجار طبقي ومواجهة عنيفة بين الثوار والحاكمين، وقد سخر الشاعر قصيدته في هذه الفترة للدفاع عن قضايا أمته ووطنه، ونعت الحكام بأبشع الصور ومستخدماً أسلوباً صريحاً واضحاً بعيداً عن الحذلقة اللفظية والتصنع.
نتبين ذلك من خلال المقاطع التالية: من قصائد "يا موطني" لمحمد بن إشدو و"نشيد العمال" لأحمد بن عبد القادر و"يا سيدي الهمام" لفاضل ولد الداه":
نموذج1:
يا موطني
يا أيها المليون والنيف الغني
يا مجد آبائي وحفظ المجد غالي الثمن
.. يا أرض فلاح فقير تعطى لميسور غني
يا ثروة الراعي التي ضاعت وبالعشر مني
ودماء عمالي تسيل على تراب المعدن
يا ثورة الطلاب ضد العالم المتعفن
يا موطني
لن تستكين لغاصب لن تنحني
يفديك يحميك الشباب ولن يقصر أو يني
يتشكل الخطاب في هذا النص خطاباً ثورياً صريحاً لا يبتعد عن لغة المناشير الاحتجاجية والخطابات الثورية ويصبح فيه الوطن كيان الشاعر الضائع والمستغل من طرف عملاء الاستعمار، وهكذا يبرز القاموس الصحفي السياسي واضحاً في النص: (موطن -فلاح- فقير- ميسور- عمال- طلاب- شباب) ولا يكاد النموذجان المواليان يختلفان عن هذا الأول من حيث المباشرة والتقريرية في الخطاب:
نموذج 2:
ضحايا الشقا يا ضحايا الفساد
يعم الفساد جميع البلاد
نهوضا لنطعن حكم الفساد
فماذا نقول وماذا نريد
نريد الحياة بلا ظالمين
***
تعبنا، سئمنا، صرعنا الرمال
نبشنا المعادن عبر الجبال
عملنا الكثير صنعنا المحال
وكل الجهود وكل الثمار
تعود مكاسب للمترفين
نموذج 3:
يا سيدي الهمام
إنا هنا مواطنون
وهذه بلادنا
من ألف قرن قبلكم وألف عام
كنا هنا
حياتنا ملك لنا، وأرضنا ملك لنا، ورزقنا
ملك لنا، فأيكم أب لنا وأيكم لنا إله.
كما رأينا فإن النموذجين السابقين صريحان في معالجتهما مشكل العمال -الطبقة الكادحة في المجتمع ووصفهما- ما تبذله من تضحيات في سبيل أن تعيش، وقضية المواطن صاحب المبدأ والمستعمر الدخيل ممثلاً في الحاكمين وهكذا تدور النماذج الثلاثة في هم سياسي واحد وتتشكل بأسلوب مباشر متماثل.
والملاحظ أن قصائد المرحلة الأولى ارتبطت ارتباطاً واضحاً بالقضية السياسية: (الوطن -العمال- السجين- المستعمر) وهو ما يبرز في قصائد "يا سيدي الهمام" لفاضل بن الداه و"لمن المستقبل"- "يا موطني"- أطفالنا يتساءلون"- "لمحمد بن إشدو و"نشيد العمال" -و"ليلة عند الدرك" لأحمد بن عبد القادر( ).
تظل القصيدة في هذه المرحلة تراقب الأحداث اليومية، تستشعرها وتنقلها بلغة سهلة مألوفة لدى المتلقي، تكاد تلامس النثرية وتشي بالحركة اليومية، لا يخرج فيها الشاعر عن لغة الصحافة أو الخطاب الثوري المحرض، يعرض الوقائع بسطحية مربكة وبأسلوب تقريري مباشر.
وتستمد قصائد هذه الفترة معجمها من حقلين دلاليين تشدهما آصرة قربى وهما حقل الخطاب الثوري السياسي وحقل الخطاب الصحافي في بداية تداوله: ويمكن أن نؤكد ما قلناه بالإحصائية التالية: ولنأخذ قصيدة "يا موطني"( ) لمحمد بن إشدو وقصيدة "نشيد العمال"( ) لأحمد بن عبد القادر مثالاً لذلك:
يا مــوطــني
الحقل السياسي الثوري الحقل الصحافي الإذاعي
موطني -الثمن- قوت عيالي- لباسي- مسكني- رمز آمالي- الشباب- فلاح فقير- ميسور غني- الراعي- الثورة- الدماء- الطلاب- الغاصب. المجد- الإصرار- العالم- يفديك- يحميك- المواطن.

نشيد العمال
-ضحايا- شقاء- فساد- نهوض- حكم- الظالمون- المترفون- ستقتحم- عرش الطغاة صرعنا- تعبنا- صنعنا- المحال- رايات- آمال- عدل- الحياة.
وتبين القصيدة في هذه المرحلة فهم الشاعر أو تصوره للوظيفة الفنية للشعر، فهو المتشبع بالفكر الاشتراكي والثائر على كل مكونات حياته ومحيطه يريد من النص خطاباً توجيهياً للجمهور ليس الهدف منه بناء نص شعري جيد وإنما رسالة للإبلاغ والتثوير.
وفي هذا المستوى الخطي المباشر يظل المعجم محدود التأثير الفني لا ينبض بإيحاء أخاذ ولا بصورة بديعة "ويبقى الشاعر قاصراً في تعامله مع الثقافة المعاصرة وفي فهمه لوظيفة الأدب كما يبقى غير مسيطر على متطلبات السياق الفني"( ).
ولكن لا يمكن أن نغفل أن هذه اللغة وخاصة في مرحلة تاريخية مماثلة -اتسمت بصراع حاد بين جيلين محافظ ومجدد وبين ثقافتين بدوية وعصرية وبين تيارين سياسيين متعامل مع النظام الفرنسي ورافض له- كانت تنطوي على عناصر رؤية شاملة مربوطة بثقافة معينة، وأنها استطاعت الخروج بالقصيدة من شكل تقليدي ثابت إلى شكل جديد ومن لغة قاموسية معقدة إلى خطاب يومي متداول.
فالشباب الثائر أيام المد الثوري لحركة "الكادحين" 1968-1970 كان جاداً في التغيير وجاهداً في البحث عن أشكال وأساليب تعبيرية ثائرة وصريحة يواجه بها الحكام ويحفز بها همة المواطنين مستغلاً في ذلك الخطاب السياسي السائد (الفكر الاشتراكي الماركسي) للتعبير عن طموحاته وآلامه ويرى محمد بنيس أن التحليل النفسي والماركسية دعامتان قامت عليهما الحداثة( ) وهو ما تؤيده هذه البداية الثورية للشعر الموريتاني الحديث.
لقد استطاعت اللغة في هذه المرحلة أن تعكس الثورة السياسية والاجتماعية والفنية رغم بساطة الأسلوب ومباشرته "وإذا كانت اللغة جوهريا النظام الاجتماعي الأكثر خصوصية، فإن الثورة على السلطة وهي التوأم الثاني لجماعية الوجود الإنساني تتجسد أولاً في الثورة على اللغة في مجال الفن الإنشائي، فاللغة -الجثة- السلطة التي تواجهها هذه الحداثة هي لغة الماضي المتكدس الجاثم بوصفه كتلة واحدة متجانسة، لذا تصبح الحركة الوحيدة الممكنة حركة البحث عن لغة المستقبل، حركة التفجير للغة الحاضر والتجريب المنهك بحثاً عن لغة جديدة( ).
وكما أسلفنا فإن تجربة شعراء هذه المرحلة الأولى تلتحم بالحدث اليومي، تكتوي بناره وتنقله في تعبير مبسط إلى الوسط العام مثقفين وغير مثقفين فيغزوهم بلغة الحياة اليومية ويبعثهم على الثورة والتمرد.
إلا أن هذه المرحلة من صياغة النص لم تلبث أن داخلها نفس رومانسي منذ منتصف السبعينات خاصة بعدما عرفت الساحة الثقافية دواوين أبي القاسم الشابي وجبران خليل جبران وإيليا أبو ماضي.
وقد وجد الشعراء في هذا الاتجاه منفذاً رحباً للتعبير عن مواجدهم متخذين الطبيعة جسراً رغم تباين البيئة الموريتانية الصحراوية والبيئة على ضفاف البحر الأبيض المتوسط، ذلك أن الرومانسية بغنائيتها المفرطة وتعاملها الحنون مع الطبيعة وشفافية ألفاظها ذات صلة حميمة بالشعر ذاته فليس الشاعر الموريتاني بدعا في اعتناقها وهي لا تزال مكينة في الشعر العربي الحديث ولا يزال من النقاد من يومن بضرورتها ولو مرحلياً في تجربة الشاعر المعاصر: "إن الرومانسية هي كالملح في كل شعر ولا يمكن أن يكون هناك شعر ليست فيه رومانسية.. إن الشاعر لا يمكن أن يكون غير رومانسي مائة بالمائة فحينما يكون هكذا يكون كاتباً أو ناقداً أو سياسياً"( ).
ورغم التوجس الذي نحمله تجاه هذا التيار في بيئة صحراوية قاسية فإن هذه النزعة خلصت العبارة الشعرية من الخطابية والتسطح وأضفت على المفردة اللغوية رونقاً وحلاوة ارتفعا بها من مستوى اللغة التقديرية إلى مستوى الكلمة الموحية، ويمكن أن نلاحظ تعايش المعجمين في المرحلة الأولى وتباين مستوى الأداء في النص الواحد وذلك في قصيدة "أطفالنا يتساءلون "لمحمد بن إشدو":
المقطع الأول: تساؤلات الطفل:
"تومي" يسائل أخته"" آمي": أبي متى يعود؟
عمي لماذا لا يعود؟
أمي لماذا لا تعود؟
ماذا يريد بها الجنود؟
المقطع الثاني: جواب الأخت:
وتجيبه الأخت الصغيرة في شرود
هم غائبون يصارعون الغول في واد بعيد
وسييرجعون برأسها وسيحملون لنا ورود
وسيحملون لشعبنا تمراً وزيتوناً نضيد
وحمامة معتوقة بيضاء تصدح بالنشيد
فمن خلال المقارنة نتبين التمايز بين المقطعين معجمياً ففي الأول لا يخرج المعجم عن إطار الحديث اليومي العادي ولا تعني المفردة أكثر من دلالتها الوضعية، وليس هذا حق الكلمة الشعرية فهي أكثر من وسيط للنقل والتفاهم، إنها وسيلة استنباط واكتشاف وغايتها الأولى أن تثير وتحرك وتهز الأعماق وتفتح أبواب الاشتياق، إنها تيار تحولات يغمرنا بإيحائه وإيقاعه وبعده، هذه اللغة فعل، نواة، حركة، خزان طاقات والكلمة فيها أكثر من حروفها وموسيقاها لها وراء حروفها ومقاطعها دم خاص ودورة حياتية خاصة"( )
إن الكلمة الشعرية كما يقول محمد مفتاح "حية وملونة، حارقة ومزعزعة للإحساس"( )، وبذا تصبح لغة الشعر ذات مداليل لا نهائية، رامزة لايمكن أن تسقط في التقريرية، تصنع من الشعر خطاباً مختلفاً ومتميزاً.
أما في المقطع الثاني فتظهر المفردات ذات رواء شعري ومعاني حواف تستقى رمزيتها من عوالم الطبيعة والخرافة، فالأبوان يصارعان الغول (رمز الظلم) وسيحملان في عودتهما الزيتون والحمام (رمز الحرية والسلام) ويظهر من المدونة أن تجربة الرومانسيين بهرت الشعراء في هذه المرحلة من تكوينهم فتغنوا بالفجر والصباح الجديد، تعبيراً عن الحرية وانتصار الثورة في مطالع قصائدهم وفي خواتمها أحياناً كما نجد عند محمد بن إشدو في قصيدتيه "لمن المستقبل" و"أطفالنا يتساءلون" وعند محمد الحافظ في قصيدة "ويكون بعد الفجر ثم لنا لقاء" وعند أحمد في قصيدة "أمير الخالدين".
ويظهر في قصائد المرحلة الثانية الاستقاء من معجم الطبيعة الحانية: (الروض والخمائل والورود) والاندغام الصوفي فيها، كما تبرز بعض هذه القصائد الوجه الكالح للطبيعة تعبيراً عن الثورة وتضحية الشعوب، وإذا أخذنا مقاطع من قصائد أحمد "المجد للإنسان" و"أنشودة الوفاء" و"أمير الخالدين" ومقطعاً من قصيدة محمد الحافظ "ويكون بعد الفجر ثم لنا لقاء"، أمكننا أن نترصد تجليات هذا المعجم الرومانسي في هذه الفترة ويتبين لنا حضور عالم الطبيعة من نبات وأضواء وظلال، ونشوة وحب بشكل أدق من خلال الإحصائية التالية:

نموذج 1: عالم الطبيعة

"حقل التضاريس" الجبال السود- السهول الخضر أضلع الغابات- السنابل- الجليد حقل الضوء اللهيب- اللظى- نار الحروب تشوي- الشرق- شمس الصباح- غرة اليوم- وهاجة الأنوار- تذيب.


نموذج 2: (حقل النشوة والشفافية) أغنية -الأنغام- الألحان- تصدح- أصدائها- تنتشي- تعربد- الأطياف- الدخان- ذوب- عسجد- جواهر (حقل الغاب )الأطيار- الأغصان- الأدغال- الوديان
نموذج 3 (حقل الضوء) الفجر- الشروق- الجمر- تنير الوجود (حقل الحب والطمأنينة) الشوق- الورد- زنابق حب- حرقة بين- نخب عتيق- الذكريات- باقات ود- القلب- تنبض- عرف الوفاء
نموذج 4 (حقل الجمال) آلهة الجمال الساحري- الفن- التهويم- الشاعر- الإحساس- المعبد الإغريقي- دافئة- واقفة- لقاء (حقل الغاب)
جداولاً -خمائلا- شؤبوب- المطر- الفجر
ففي هذه النماذج يتألق المعجم الرومانسي وتشغل الكلمة حيزاً دلالياً لم تعرفه في الفترة السابقة، فتبتعد بذلك عن المستوى الواضح إلى مستوى الإيحاء، وقد بدأت القصيدة الموريتانية الحديثة رحلتها حريصة على مجانية اللغة القديمة مما قادها إلى الوقوع في النثرية الواضحة، إلا أن التيار الرومانسي انتشلها ووجهها وجهة فنية جديدة، وإن كانت لا تعدو متابعة لنماذج سابقة تساير تجربة الشابي وجبران سيطرت على أشعار المدونة حتى بداية الثمانينات.
لقد اكتشف بعض شعرائنا منذ الثمانينات تآكل المعجم الرومانسي الذي استنفد طاقاته وأصبح رماداً لا يلهب العملية الشعرية، فما بهت لا يصلح أن يكون أداة للشعر فالإبداع مرتبط باللغة وبديهي أن الشاعر مرهون بلغة لا يستطيع الخروج عنها، لكنه يستطيع أن يعثر على كلمات لم يطفئ الاستعمال جذوتها، وأن يشحن الألفاظ بدلالات لم توضع لها، كما أنه يستطيع أن يضع الألفاظ في صياغة جديدة وأن يربطها بعلاقات مبتكرة يخيل معها للمتلقي أن الشاعر يستعملها لأول مرة وقد يكون ذلك بوضعها في غير موضعها المألوف في السياق وإقحامها في علاقات غير متوقعة.
ولقد كان المعجم الرومانسي بعيداً من نفسية الموريتاني الذي ألف الصحراء القاحلة والرمال الزاحفة والصخور المتحجرة والرمضاء المحرقة ورياح السموم، فاكتشف في هذه البيئة حقلاً خصباً ما زالت ألفاظه عذراء متوقدة، فأضفى استعمالها على معجمه طابع الخصوصية والتميز، وبدأت لمحات في القصيدة ترفض أن تتلون بالعدسة السهلة عدسة المدرسة الرومانسية التي استولت على القصائد، أصبحت رؤية الشاعر ولغته تشعرنا بأنه يبني صلة من نوع جديد بينه والمتلقي وبينه والمحيط الطبيعي والاجتماعي.
يقول الشاعر أحمد بن عبد القادر الذي نتوفر على شعره في تلك المرحلة من مراحل تطور المعجم الشعري، في قصيدته "أمير الخالدين":
معي قبضة من تراب المحيط
تلألأ ماساً
وعرجون نخل
قديم لوته رياح السموم
وكنت أشذب منه اليراع
أشعشع بالماء فحم السيال
وصمغ القتاد
وحبات قرظ جناه الرعاة
إن مع الشاعر البيئة الموريتانية برمالها ونخيلها، بصمغها وقتادها، بسمومها وأشجارها، مثل السيال، القتاد، القرظ، لكن توظيف الشاعر لهذه الظاهرة البيئية بأسمائها العربية الفصيحة، والتي أصبحت من لغة المعاجم المستعصية خفف من شحنتها التعبيرية، وحد من إشعاعها الدلالي، رغم أنها كانت البداية لمراجعة الشاعر محيطه، وخوضه تجربة الاكتشاف، وهو ما تحقق فيما بعد لاحقاً مع شعراء الفترة الثالثة.
وبالرغم من انعدام التنظير النقدي في الساحة الموريتانية فقد ظهر الإحساس بالكلمة ووظيفتها الشعرية في فترة لاحقة مع مطلع الثمانينات وبدأ الشاعر يعي ما للكلمة من طاقات وإيحاءات سياقية، ومن أولى سمات اللغة الشعرية المؤثرة وأشد فضائلها جمالاً فرادتها وتميزها، أن تكون لغة الشاعر بعينه، تجسد رؤياه وحلمه وذهوله، أن تقدم شيئاً جديداً لصورة أكثر غنى وعلوا، وبدون شك لا يستطيع الشاعر أن يبتكر لغة من فراغ، فهو محموم بإرث لغوي يحاصره، ويضغط على وجدانه، ويمثل هذا الإرث ذاته، وكما يقول يوسف الخال "ليس بمقدر الشاعر أن ينشئ لغة جديدة وطريقة جديدة في التعبير الفني بهذه اللغة، ولكن في قدرته -وبهذا يمتحن- أن يتناول اللغة الكائنة والطريقة المتوارثة ويرغمها على التفاعل -كمبنى- مع المعنى الفردي والفريد الذي جاءت به تجربته( ).
لذلك، فإن اللغة، بالنسبة للشاعر الحديث، تظل ميداناً فريدا لتجليه، والإفصاح عن شخصيته التعبيرية وأخيراً بلورة شمائل لغوية خاصة به، وهذا الاستخدام للغة المتوتر والمتميز، المشحون بالدلالة هو المؤشر على أن ما تقرؤه شعر، وعملية التشكيل أو التوليف المعجمي لخلق وبلورة دلالات جديدة، ذات قيمة كبيرة في القصيدة الحديثة وهو ما تسعى لتحقيقه دائماً "لأنه هو الذي يعطيها إيحاءاتها المتميزة( ).
فمنذ بداية الثمانينات ومع ظهور قصائد "السفين"، انتظار، "الكوابيس"، أبو الفلاشا" بدأت الكلمة الشعرية تستفز القارئ دلاليا، بتحطيم لغتها أبنية وعيه التقليدي من ناحية كما تجبره من ناحية أخرى على البحث عن معنى كلي لن يصل إليه إلا بعد أن يجمع الشظايا المتناثرة لدوال القصيدة.
ولهذه الحساسية الشعرية الجديدة لدى الشاعر مؤثراتها ودواعيها، فالتصحر، وآثار الحرب، والأحكام العسكرية المتتالية، والهم القومي كل هذه العوامل جعلته يراجع إنجازه في عالم يتسارع فيه التاريخ، وتتصارع الآراء، وتتبدل القيم، وتتداعى الأفكار والنظريات، فجاء تعامل الشاعر مع القاموس مبايناً لتعاملاته السابقة بحيث نلمس فيه من الأصالة، وتأكيد الهوية، والرفض، وتحقيق الانتماء الشيء الكثير.
لقد بدأ الشاعر في هذه المرحلة ثورته على المصطلح اللغوي القديم وتمرده على قوالبه محاولاً أن يخلق مصطلحاً لغوياً جديداً يساير الرؤية الجمودية والنظرة الأحادية الجانب التي سيطرت على العقلية الموريتانية ويثور عليها، فولى ظهره للورود والأزهار والرياض والأطيار واتجه نحو الصحراء برمالها وقحطها، إلى الجبال بصخورها وأحجارها، إلى البحر وعوالمه إلى كل ما هو بكر، قديم، عقيم بالطبيعة ليخلعه على الواقع الموريتاني الذي استعصى على كل مشاريع التغيير.
فالسنن التي تحكم الواقع الاجتماعي تلقي بظلها على الواقع الشعري وهذه الوحدات الجافة العقيمة هي البنية الاجتماعية التي سكن الخواء في داخلها، أليست اللغة الشعرية هي بنية العالم الخارجي كما يقول سارتر؟ وإذا كانت كذلك فإن العلاقات التي تنتظم داخل اللغة هي نفس العلاقات التي تنتظم المجتمع وتسيره.
وأبرز الثوابت في مدونة الثمانينات ثابتا الموت والضياع، ويتجلى ثابت الموت في مظاهر:
الخراب
العقم
الرتابة
كما يبرز ثابت الضياع من خلال السفر
التيه
الفزع الحضاري
انفصام الذات
الغربة
الاستلاب
وكثيراً ما يتشابك هذان الحقلان في نسيج النص الواحد، ويبرز هذا المعجم المستمد من الواقع البيئي والحضاري للشعر عند كل من أحمد -ناجي- ابراهيم- محمد بن عبدي- مباركة، وسنكشف الثوابت المهيمنة على المتن في هذه المرحلة عن طريق الجدولة التالية:
القصيدة الثابت الحقول الدلالية

الكوابيس الفناء الهرب
رحلن -قطعن -تعدو -تمضي-تطاير -سارت تلاعبها الريح -طارت- أمضى -مرت- يحلق- هاربة- تنزاح- ضاعت- ضاع الفزع -الكوابيس- حواجب شعث- غول الصباح غول المساء العفاريت -السعالى -مارد أغلف يا جوج ماجوج الجن العقم ثكلى ريح الخراب مقابر صحارى المريه عام الرمادة الهبا المحاق الابتلاع تأكل تسحق تزحف تزمجر يولول
نلاحظ أن القصيدة توزعتها خمسة حقول دلالية هي: الهروب -الفزع- العقم- الخراب- الابتلاع، ويمكن أن يوحد بين هذه الحقول قاسم مشترك تصب فيه كلها هو ثابت "الفناء" وقد جاء معجم القصيدة منسجم مع العنونة "الكوابيس" حيث يستيقظ الشاعر من أحلام مفزعة تضعه فجأة أمام تحول مربع في بيئته الطبيعية والثقافية والاجتماعية يهرب من نومه إلى واقعه فيتكشف له الخراب والخواء وهول المصير في ربوع وطنه فيستنجد بدون أن يجد منجداً ويتملص من مكان الحلم فيجد أن المكان بمفهومه الواسع متداع متهدم تتصارع فيه الكائنات الغريبة والطبيعة الشحيحة ويطبعه الاستلاب الحضاري. ولا تبتعد قصيدة أحمد "الكوابيس" عن قصيدته "أنشودة جرح" في استقائهما من معجم يكاد يكون واحداً:

القصيدة الثابت الحقول الدلالية

أنشودة جرح الفناء (الدمار) هادر -ماطر- الشهب- ترجم الرجوم- مهاجم- محمومة- دمدمت صواعق- رفرفت- بيارق- طارت نيازك- نزيف- جراح- مخيم- البارود- أفاويق اللهب- للتمزيق- التقسيم- التشطير- النيران- دماء- ثأر- الحناجر- المقابر (العقم) الشتاء الشمأل المسعور داكن نومة التمثال (الحزن والخوف) يمضغ العويل الدموع يزدرد الأواه والأرواح المحاصرة دندن النحل ليلسع.
ومن استقراء الحقول الدلالية لهذا النص نتبين الصورة المحزنة لما آلت إليه لبنان بسبب الحرب الأهلية المدمرة، فالحقول الثلاثة تشكل المادة الخام للنص وترتبط فيما بينها ملتحمة في البؤرة الكلية للنص (الحرب الأهلية) وقد استمد قاموسه في القصيدة من معجم فروسي وإن كان بأسلوب تهكمي كما في كلمات (مهاجم -محمومة- رفرفت بيارق- طارت نيازك..) كما استمده كذلك من العناصر القوية في الطبيعة: الرعد- الريح (هادر- ماطر- رجوم- شمأل مسعور..)
وإذا كانت القصيدتان يمكن أن ترجعا إلى ثابت واحد هو "الفناء" فإن حمولته الدلالية تختلف في كلا النصين حيث يرجع في القصيدة الأولى إلى عوامل طبيعية خارجة عن إرادة الإنسان كالتصحر والجفاف والاستلاب الحضاري، أما في النص فإن الهدم ينبع من إرادة فعلية للإنسان العربي الذي يظهر من خلال النص سادياً يتلذذ بتمزيق ذاته وتشطيرها، ويتضافر العاملان اللاإرادي والإرادي أو القدر والإنسان ليعمقا وقع المأساة في قصائد محمد ولد عبدي وناجي محمد الإمام كما سنرى في الترسيمة التالية:

القصيدة الثابت الحقول الدلالية

الأرض السائبة الفناء (القحط) الجفاف -عجاف- الصحراء- مهمه- عواصف- رمال يحموم (الموت) البشر المكفن الجثث- الموت الأجداث الغريق (العقم) البغل -الشتاء- السيف المفلل- الضجر- السكون- الرتابة (الخوف) السراب- الكلاب- غول- الجبن- السواد- الجنون- انكساف- الكهف
أبو الفلاشا الفناء الضياع (العقم) كافور -خصي لاسيف- لا نصل الحصان كبا الحوامل أجهضن لاعقبا -لا زاد لا طول. (الرتابة) نامت -ننسى نسلو- الزير ابن قراد- نياما الليل- الظلام (الاستلاب) نفقد الصواع البغات الشتات هجرت- المشرفي (التيه) تنطلق العير تطوي -القفار المهامه- الجب المهارى- الذئب- التائهون.
إذا كانت لقصيدة "الأرض السائبة" تعالج هما سياسياً محلياً يتمثل في الفساد الاجتماعي والسياسي في البلد والاتكالية التي يتسم بها المواطن، وشح الطبيعة القاسية التي تزيد من سوء الحالة الاقتصادية للشعب، فإن قصيدة "أبو الفلاشا" تحمل هماً قومياً عربياً يشخص الحالة السياسية في الوطن العربي ويصف كيف أصيبت هذه الأمة المعطاء بالعقم الفروسي والسياسي. وتلتقي القصيدتان كلاهما في شمولية الرؤية وعبثيتها، كما تشتركان في بعض الحقول الدلالية "العقم"، "الرتابة" و"الخوف" وإن اختلفتا في طريقة اخيتارهما اللغوي، فناجي يستمد من قاموس تاريخي وفروسي (كافور- الزير- ابن قراد- السيف -النصل- الحصان) في حين يرتبط محمد بن عبدي ارتباطاً وثيقاً بالمعجم المستمد من الصحراء والقحط (الجفاف- عجاف- مهمة- رمال- يحموم- سراب)
ويحتل القحط والجدب والخراب حيزاً معلوماً في قصائد مباركه وسنتبين كيف تخيرت معجمها للتعبير عن هذا الهم الحضاري من خلال قصيدتها "القافلة":

القصيدة الثابت الحقول الدلالية

القافلة الفناء (القحط) الرمال الغبار أسراب الذباب جذع ناخر الرياح -الرماد (الرتابة) الأماسي الحزينة -نسج العنكبوت - آلام الصغار -مكمم- أصفاد انتظار- دكاكين الحجر صمتنا (الضياع) القافلة- الطريق خطاك الدائرية المخدر- العراة الصدقة- الجنون الحفاة
نطالع من خلال الترسيمة كيف نسجت القصدية لحمتها من حقول دلالية مترابطة مستجيبة بذلك لهم إنسان القحط والجفاف والتبدل السياسي والتحول الحضاري، الإنسان الموريتاني في رحلته وقد بدأ يعي واقعه والحصار الذي فرضته عليه الظروف البيئية والحياتية.
إن هذه الرحلة الحضارية المرهقة شكلت محوراً ثابتاً في قصائد الثمانينات التي رسمت صورا مهوشة لعالم مرعب يأتي فيه الخراب والفناء والقهر الحضاري ثوابت تحكم علاقة الشاعر بمحيطه، وبنفسه وتتجسد في تشكلات قصائده المختلفة.
وتأتي قصائد أخرى امتداداً لهذه النزعة التشاؤمية والواقعية في نفس الوقت ولكنها تستقي معجمها من عالم الرحلة والضياع والتيه، وسنأخذ مثالاً لهذه النزعة قصيدة "السفين"( ) لأحمد وقصيدة "انتظار"( ) لمباركه و"التيه والبحر والذاكرة"( ) لناجي.
ففي قصيدتي "السفين" وانتظار يبرز البحر بعالمه الغريب على القصيدة الموريتانية التي ظلت الرحلة فيها رهينة عالم الصحراء بوسائله المختلفة (الناقة والجمل) متابعة في ذلك القصيدة العربية القديمة.
في قصيدة السفين تبدأ الرحلة فجأة إبحاراً إلى المجهول، في سفينة يتجاذبها التيار ويجهل ركابها وجهتها، كما يجهلون أنفسهم. ويتشكل معجم الرحلة في القصيدة كالتالي:
القصيدة الثابت الحقل الدلالي السفر

السفين السفر (الأفعال) رحلنا -نبحر يبحرون - مال ركب- رحلنا يرحلون- نبحر يبحرون (الأسماء) سفينكم المراسي- ألواح- خيام تطوى- القمرة المشحونة- الشراع- العنبر- مبحرة- ثبج- سفر- مبحرون- المسير- رحلتنا- وداعاً- شواطئ- رحلة
هكذا كانت الرحلة في سفين أحمد وهو وإن اتفق مع مباركه في اختيار البحر سبيلاً فإن سفينتيهما تختلفان، فباخرتها قادمة وسفينه ذاهب، رحلته خارجية ورحلتها داخلية إلى أعماق الذات الموريتانية في فترة حساسة من تاريخنا ومع هذا فإن القصيدتين تتفقان في عدة أمور من حيث الجوهر، فباخرتها أمل مقبل لينتشل الناس من عذابهم وسفينه ذاهب بالناس ليخرجهم من الجحيم "وكلاهما يصور بأمانة جانباً من واقع مجتمعنا في السنوات الأولى من العقد الماضي -وكلاهما يتميز بعمق الإحساس بمأساة الإنسان يعلل نفسه بالأوهام أو ينتقل من جذوره ليسبح في عالم الضياع"( )
ويتشكل معجم الرحلة في قصيدة انتظار كما يلي:
القصيدة الثابت الحقول الدلالية

انتظار (السفر)
شاحنة -أزيز
ذهاب- باخرة
بحر- عباب
ثبج- ربان
يستعد- تمخر
ستأتي- تجيء (الخراب)
الكوخ- الريح- مفقود
بقايا- ذباب- سراب
عواء- العجوز- الضباب
البكاء- العذاب
وتدور وحدات هذين الحقلين حول الحديث عن الباخرة، تعيش الأم مهدهدة وليدها لحظات الترقب والأمل بعد أن فقدت كل اعتماد حياتي، إلا أن هذا الانتظار والأمل لا يلبث أن يبقى سراباً، فالأم وهي تعدد سنوات انتظار السفينة، فاتها أن السفينة وصلت فجأة بدون ربان وأن تسعة رهط استولوا على قيادتها:
وفجأة إذا بها في ثبج البحر الكؤود
ربانها مفقود
وتسعة من حولها قعود
ويبقى البحر في قصيدة "انتظار" الأمل الوحيد المتبقي للبلاد بعد تحطيم البنيتين الرعوية والزراعية، حيث أصبح عصب الاقتصاد إلى كونه يمثل طريق الانفتاح وميناء المساعدات الخارجية، ففقدان الباخرة هو الانهيار الكامل سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، إنه الأمل الضائع الذي تحول إلى سراب، أما البحر في قصيدة "السفين" فغير ذلك، هو المنفذ المجهول والتحول المخوف، هو المغامرة وركوب المخاطر بالنسبة للبدوي، هو الاستلاب ومحاكاة الغير وفقدان الهوية والتيه الأبدي:
رحلنا كما كان أجدادنا يرحلون
وها نحن نبحر كما كان أجدادنا يبحرون
تقول لنا ضاربة الرمل
واعجبا
سفينتكم رفعت كل المراسي
مبحرة
ألا تشعرون
إنه السفر والتيه، والضياع الحضاري، تحولات يعيشها المجتمع تفوق التصور، فجاء البحر وعالمه رمزاً لها، ويتكرر ثابت الضياع الحضاري أو الاستلاب عند الشاعر عبد الله بن عمار في قصيدته "كاريكاتير غديجه"( )، فغديجة العالمة الموريتانية الورعة التي بذت فحول العلماء في عصرها تتحول فجأة إلى راقصة تصبغ أظافرها بالأماي وتلبس الثياب الخليعة وتقرأ الأدب الرخيص:

القصيدة الثابت الحقول الدلالية

كاريكاتير غديجة الاستلاب (الزيف) الصباغة الأماي
السيجارة (الأدب الرخيص)
عبير
المغامرون الأربعة
المصورة -ماني
الرقص -دوغا
ابلاتيني- شكربرت
وإذا كنا في القصائد السابقة واجهنا معجماً يستمد من حقول الفناء والضياع والقحط والجدب والاستلاب فإن بعض القصائد استمد من عالم الرفض والثورة معجمه، والثورة هنا هي ثورة على الوضع المحلي والوضع القومي، وعلى المواضعات الأخلاقية أحياناً.
نأخذ نموذجين مثالاً لذلك:
أ- هم الأهل لناجي:
.. ولي دونكم أهلون
فوهة راجم
وطلقة صاروخ
وثأر.. وألف عشيق
يحمل العزم في صدره مذهبا
ورفض.. وحلاج
وأحلام فارس
ترجل قبل فوات الأوان
ومعتصم كلما ندبا
ب- تحية بغداد لمباركه:
.. أريدكم أريد
أريد أن أغامر
أريد أن أحاصر
وأن أرى سعدا يحث الأدهم المكابر
ليقتل التتر،
ولتقذف الهامات بالحمى وبالشرر
ولتهتف الأحجار بالدماء بالثأر
وليفعل القدر
كان قدر.
إن معجم الفروسية في هذه القصائد وتوظيف الشخصيات البطلة، ومهاجمة الحكام والتركيز على ألفاظ نابية، كلها تأتي مظاهر لتجسيد هذه الثورة معجمياً أو على الأصح شعرياً بعد أن عجز الفعل محلياً وقومياً.
ويصطحب هذا المعجم الثوري في القصيدة أحياناً تمرد على النظم اللغوي، وبما أن اللغة هي سلاح الشاعر الوحيد والمتوفر لتغيير النظام الاجتماعي، فإن تمرده على أنساقها وتمزيقه القيم التي تعبر عن وجهة نظر المجتمع يبدو أمراً طبيعياً.
وهكذا أدخل الشاعر الحديث إلى مختبر التجربة الشعرية ألفاظاً حمراء يرفضها الذوق الاجتماعي وتثير فيه الإحساس بالخجل.
وللشاعر الموريتاني قديماً موقف خاص من المفردات إذا أحاطها بما يشبه القداسة وفرض حدوداً أخلاقية تبعد من الاستعمال المفردات النابية أو التي لا تلائم الذوق والعرف الأخلاقيين فغلب عليه ما أسماه بعض الدارسين "الحياء الفكري"( )، فإذا أراد ذكر القُبلة أو الثغر تستر وراء اسم الموصول مثلاً أو اسم الإشارة لاعتبارات أخلاقية مسيطرة هذا في الغالب:
يقول ابن أحمد ام البوحسني ( ) متغزلاً في حبيبته:
فيا حسن مرأى وجه نعم إذا بدا
وإن حدثت نعم فيا حبذا النغم

ويا طيب ما تجلو بفرع بشامة
ويا لوعة لو حم من ذاك لي لثم

ومنذ استقلال البلاد وتعرف الشاعر على المحيط الثقافي الخارجي بدأت تظهر بعض القصائد الوجدانية النابعة من تصورات رومانسية فظهر اتجاه غزلي يمت إلى أبي القاسم الشابي بصلة واضحة ومن أبرز ممثليه الشاعر محمد فاضل بن محمد الأمين( )، كما أن اتجاها غزلياً آخر تغذيه القصائد النزارية ظهر في الساحة منذ بداية الثمانينات ويميل أصحاب هذا الاتجاه إلى التركيز على الأعضاء المثيرة في المرأة (النهد- العيون- الشعر)( ).
أما في مدونتنا فإن الألفاظ الجنسية تأتي ثورة على المجتمع والكبت، دعوة سافرة إلى خلق لغة جديدة للتفكير والحياة، فلم تعد للمفردة هيبتها الخاضعة لحدود مضمونية لا تتعداها أو لحدود أخلاقية تحظر بعض الاستعمالات دون بعض، ولكن أصبح المدار على وقع الكلمة وكثافتها التعبيرية ولم يكن حظ شعراء المدونة واحداً في هذا الخروج وإنما كان لناجي الامام النصيب الأوفر منه، حيث يتشكل شق من معجمه من إشارات أو دوال أو مفردات شبقية وحسية صريحة يقول من قصيدته "التيه والبحر والذاكرة":
ويحتلم النورس المرقسي
فيجلد خمساً على ظهره
ويجلد عشراً على القبل
ولون البحيرة لا زال رخوا
وماء المحيض على شكله
ولم ينتصب سمك القرش..
فالخصب شأن نساء الغجر
حبالى.. حبالى.. ليالي الشتاء.
ونلاحظ رغم قصر المقطع تواتر الألفاظ الحسية الشبقية (يحتلم- القبل- رخوا- المحيض- ينتصب- الخصب- الغجر- حبالى)
هي دعوة حادة إلى اختراق الحدود من أجل لغة جديدة، سافرة وعارية، عبارات مشحونة بإيحاءات متعددة، أراد الشاعر من ورائها إيقاظ الإحساس ولفت الانتباه بالمحظور أخلاقياً، ويعلل "كمال أو ديب" هذه الظاهرة في الشعر الحديث قائلاً: "إن شهوة الاكتشاف ارتبطت إلى حد ما باقتراف الجريمة، بالخروج على السلطة والشهوة الجنسية السافرة" وهذا السفور على حد تعبيره "هو مكون بنيوي من مكونات الحداثة حيث تطغى لغة جنسية بإزاء النص، لغة اختراق هي افتضاض لعذرية اللغة"( ).
هذا ويستوقفنا ونحن ندرس المعجم في المدونة الاستمداد الواضح لبعض القصائد من نصوص أخرى وهو استمداد مشروع ما دام النص الشعري ليس إلا فسيفساء نصوص سابقة، ولكن الاستمداد من متن معين ظاهرة أسلوبية تستحق الوقوف عندها.
ويظهر في قصائد ناجي تمسك بالاستمداد من القرآن وأسماء الأعلام أماكن وأشخاصا ومن الشعر القديم كذلك، والظاهر أن الشاعر يقصد قصداً إلى الاتكاء على الشعر الجاهلي ويرى فيه نموذجاً للشاعر الطليق الذي لا تمارس عليه أية هيمنة، يقول في مقابلة أجراها مع جريدة الشعب "التوظيف الجاهلي جزء من المختزن الشعري في بعض حالات الإحباط التي يحسن الإنسان العربي الإدمان عليها، أشعر أن لغة الجاهلي أكثر طهارة.. أشعر أنها لم تحمل من الذل والقهر ما وجدت له لغة المجتهدين والمثقفين وأصحاب الفتاوى( ). بينما يسيطر في قصائد محمد بن عبدي الاستمداد من القرآن وسنبين من خلال جرد مفصل لمدونتيهما هذه المظاهر الأسلوبية:
مدونة ناجي:
الأعلام القرآن الشعر
معاوية بيروت
كليب الشرق الأوسط
قمبيز وادي العقيق
الروم الأبلق
الهمرمزان تيرس
كسروان مياه الخزر
بولاق عجل له جسد
-كذا السامري
-الساهرة ألا لا يجهلن أحد /عمر بن كلثوم/ المعلقة بموج كليل/ معلقة أمرئ القيس
ضخم الدسيعة/ الخنساء في رائيتها الرثائية فما بعد هذى العشية /مالك بن الربيع
ذو القروح حندج
هارون سقط اللوى
الأمين الرصافة
عذرة صيدا
معتصم صفين
الحلاج
قورش
بيدبا قفانبك /امرئ القيس
هم الأهل /الشنفري
حندج - سقط اللوى/ امرئ القيس رضيعي لبان/ الأعشى في مدحه المحلق ولي دونكم أهلون/ الشنفري
تبع مأرب، سبأ
عقبة جلق، حيفا
يوسف تدمر، الرافدين
سوسة
إفريقش الأبلق
دجلة
بردى
بنغازي
وادي العقيق
مضارب كهلان الصافنات الجياد
تكشف عن ساقها
النجم أو طارقا العنوان: مقاطع من أغنية لسنابك خيل شامت مرابطها
فيه تضمين واضح لبيت امرئ القيس: وما جبنت خيلي ولكن تذكرت
مرابطها في بربعيص وميسرا
كافور أرض الكنانة
هارون مصر
الزير
ابن قراد الصواع الأثير
إلى كل فج عميق
الذئب، العير، الجب
وأذن في العير إنكم
سارقون
وفيها تتيهون حادي العيس
لها أيطلا جن ولون غمامة
وآمال إنسان ورفض ابن أدهم
فيه تناص واضح مع قول امرئ القيس في وصف الفرس
له أيطلا ظبي وساقا نعامة
وإرخاء سرحان وتقريب تتفل
وإذا كان ناجي يستمد من الشعر الجاهلي والوقائع التاريخية فإن محمد بن عبدي يستمد من القرآن بصورة ملفتة وحتى في التراكيب يبدو ارتباط واضح بينها والأسلوب القرآني:
السنبلة الاقتباس من القرآن
لا أقسم اليوم بالبلد
خمس سنابل
لعلك تأنس نارا
إن آيات شعري
قدم الملح غركم الغرور
إني أنبئكم بما تحت المحار
ودعوتهم ليلا نهار
واستكبروا
ولسوف آتيكم بآي في رقاع
وستبهتون إذا حملت لكم توابيت الزمن
فيها بقية ما تركتم من متاع
مدينة الكلاب والذاريات
سابحات الجياد
بلا البارئ الناس بالنهر
وقد شربوا منه إلا قليلا
وقد حرمت أربعين خريفا
ويعصهما الله
وقلت لقومي تعالوا
فولوا على ظهرهم مدبرين
وقالوا
لتذهب أنت وشعرك
فإنا هنا قاعدون
فقلت
سيأتيكم الأمر يا قوم
الأرض السائبة فأرى سنابل باسقات الطلع تأكلها عجاف
ألهاكم الزور
أسنصنع الفلك
من كل زوج واحد
يبين هذا الجدول استمداداً ثرياً من التراث الإسلامي كما يكشف عن خلفية تراثية لا تزال مهيمنة لدى الشاعر إلا أنها حادة مثقلة للنص. واستخدام الشاعر التراث عن وعي فني يضفي على التجربة نوعاً من الشمول ويكسر الحاجز الزمني بين العصور، فيكون الحاضر امتداداً للماضي وتكون التجربة مفتوحة زمانياً ومستمرة.
وقد دعا الشاعر الإنجليزي "توماس إليوت" الشعراء إلى ضرورة الارتباط بالموروث ووضع الأسس النظرية لهذه الدعوة في مقالته الشهيرة "الاتباعية والموهبة الفردية"( )، وتابعه في هذا الرأي رواد الحداثة الشعرية فرأوا أن استخدام الموروث يعمق أبعاد التجربة ويضمن لها الامتداد.
يقول أدونيس "إن من يتكلم بصوت الينابيع الأصلية في أعماق شعبه ينقل إلينا ملايين الأصوات ويرفع مصير كل فرد منا إلى مصير الإنسانية"( ).
ويعلل الدكتور عز الدين اسماعيل ركون الشاعر الحديث إلى التراث واستمداده منه بالأسباب الآتيةSad )
أ- إحساس الشاعر المعاصر بمدى غنى تراثه وثرائه بالإمكانات الفنية وبالمعطيات والنماذج التي تستطيع أن تمنح القصيدة المعاصرة طاقات تعبيرية لا حدود لها.
ب- لصوق التراث بضمير الأمة ووجدانها، وطبيعي أن يفسح الشاعر المجال في قصيدته للأصوات التي تتجاوب معه والتي مرت ذات يوم بنفس التجربة وعانتها كما عاناها الشاعر نفسه.
ج- نزوع الشاعر إلى إكساب شعره موضوعية تخفف من وحدة الذاتية والنغمة الغنائية، فتجربة الشعر الحديث أكثر تشابكاً وتعقيداً من تلك التجربة الذاتية البسيطة التي تتسع لها القصيدة الغنائية وتستوعبها.
إن هذه العوامل مجتمعة قد تكون السبب في إكثار بعض شعرائنا من الاتكاء على نصوص تراثية إلا أنه لا يمكن أن نغفل تأثير الدرس الكلاسيكي المحظري -والذي يركز على تدريس القرآن والشعر الجاهلي في هذه المدونة، هذا مع العلم بأن جل شعرائها درسوا في المحظرة قبل أن ينضموا إلى المدرسة النظامية.
من خلال هذه المقاربة يتضح لنا أن معجم القصيدة الحديثة مر بمراحل مختلفة يوضحها الخط البياني لحركة النص الحديث منذ بداية السبعينات إلى اللحظة الحاضرة: مرحلة أولى استسلم فيها للغة البساطة والوضوح نازلاً بذلك إلى مستوى التخاطب اليومي أو المنشور السياسي، وتأتي هذه المرحلة رد فعل عنيف على المعجم التقليدي المحافظ ونزولاً بالشعر إلى مستوى التعبير المباشر عن رفض السلطة والطموح إلى الحرية.
وفي مرحلة ثانية لجأ الشعراء إلى معجم الرمانسيين وتغنوا بالثورة وتعاملوا مع الطبيعة في بث مواجدهم وحلموا بالفجر الجديد المنبثق من ليل الظلم والاستعباد، واستندوا إلى طبيعة غناء تختلف عن طبيعتهم القاسية، إلا أن الشاعر لم يلبث أن تعرف على قطيعته في استحياء هذه الطبيعة عن محيطه وتراثه.
ومع تنامي حركة القمع والسلطة الطاغية بدأ المعجم يتشكل تشكلاً واعياً مستمداً من الواقع الاجتماعي والحضاري للشاعر، وتحول النص إلى مجال تنصب عليه طاقة الشاعر وعنفه وبحثه وطموحاته وخيبته وإحباطاته.
لقد سئم الشاعر رتابة التعبير وروتينيته فأراد أن يفجر لغة تمثل نوعاً من الأصالة، وانتهاك المألوف، عله بذلك يسهم في تفجير الواقع وتغييره، إنها محاولة لنسف البنى القائمة، سواء على مستوى اللغة أو على مستوى آخر واستبدالها ببنى أخرى جديدة.
فهل يمكن أن نقول إذن، أن بناء المعجم في القصيدة الموريتانية الحديثة تشكل في تناسب طردي مع تاريخ السلطة وحالة الاستقرار، وأن نرى في هذا العنف الداخلي المنصب على النص في العقد الأخير، الوجه الآخر للعنف الخارجي الذي تفجر في البلد وفي الحياة العربية منذ منتصف السبعينات: (حرب الصحراء- الحكم العسكري- عنف بيروت- حركات القمع الكاسحة وحركات المقاومة العنيفة)؟
هل هذا كله تجسيد لتاريخ الإحباطات المتواصلة والقمع الخارجي الذي تمارسه السلطة بحيث يستحيل على الإنسان أن يعبر عن نفسه ضمن مدى مفتوح؟

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
الشــــــعر الموريتاني الحديث مـــن 1970--- إلــى 1995دراسة نقدية تحليلية تأليف د. مباركه بنت البراء (باته) الفصل 4
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى فريق جيني بوجدور :: منتدى دراسة الشعر-
انتقل الى: